![]() |
|
|
الحكم في نزول
مزدلفة والدفع منها إن
للمزدلفة ثلاثة أسماء هي: المزدلفة ، وجمع ، والمشعر الحرام . وحدها من عرفة إلى
قرن محسر وما على يمين ذلك وشماله من الشعاب والجبال فهو منها . ففي أي موضع منها
وقف الحاج أجزأه ، لقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : » وقفت ههنا وجمع كلها موقف« . والأصل
في ذلك قوله سبحانه: (فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه
كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين . ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا
الله إن الله غفور رحيم ) . والمبيت
بمزدلفة إلى نصف الليل واجب في ظاهر مذهب الحنابلة والشافعية ، وقال الإمام مالك:
إن نزل بها ثم دفع فلا شيء عليه ، وإن لم ينزل بها فعليه دم ، وقال في الإفصاح:
أجمعوا على أنه يجب البيتوتة بمزدلفة جزءاً من الليل في الجملة ، إلا مالك ، فإنه
قال: هو سنة مؤكدة. وقال الشافعي في أحد قوليه: إنه ليس واجب . قال: واختلفوا فيمن
ترك المبيت بمزدلفة جزءاً من الليل ، هل يجب عليه دم أم لا ؟ فقال أبوحنيفه: لا
شيء عليه في تركها ، مع كونها واجبة عنده. وقال مالك: يجب في تركها دم ، مع كونها
سنة عنده . وقال الشافعي في أظهر قوليه، وأحمد: يجب في تركها الدم ، مع كونها
واجبة عندهما. فهذه
الأقوال ، مع اختلافها خرجت من هؤلاء الأئمة مخرج الإجتهاد منهم ، لكونهم لم يجدوا
عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نصاً صحيحاً صريحاً في تحديد الواجب من
المبيت وهل هو الليل كله ، أو نصفه أو جزء منه؟ فاجتهد كل واحد منهم في القول فيه على
حسب الحالة والحاجة في زمنهم ، من قلة الحاج ، وسعة المكان ، والطرق ، والقدرة على
تصرف الإنسان بما يريد . وإن
الأمر الذي لا نزاع فيه ، هو أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نزل بمزدلفة بعد
إنصرافه من عرفة ؛ فصلى بها المغرب والعشاء جمع تأخير بأذان وإقامتين ، ثم رقد حتى
طلع الفجر ، فصلى بعد ما تبين الفجر ، ثم وقف بالمشعر الحرام ، فذكر الله ، وهلله
، وأخذ يدعو حتى أسفر جداً ، ثم دفع من مزدلفة ، ومعه أصحابه حتى أتى جمرة العقبة
، فرماها بسبع حصيات ، يكبر مع كل حصاة ، ثم انصرف إلى المنحر فنحر هديه ، وحلق
رأسه ، ولبس ثيابه ، وبعدما أكل من لحم هديه ، وشرب من مرقه ، دفع إلى مكة ، ومعه
أصحابه ، فطاف بالبيت طواف الحج ، فهذا أفضل ما يفعله الحاج ، إذ أنه سنة رسول
الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الفعلية وسيرة خلفائه وأصحابه حتى في حالة هذا الزمان
، وشدة الزحام ، فإنه يكون أوفق وأرفق به ، إذ أنه بعد انصرافه من مزدلفة يجد فجوة
خالية من شدة الزحام بين المتعجلين والمتأخرين ، فهذا أفضل ما ننصح به ، ندعو
الناس إليه ، لكنه لا يلزم أن يتيسر هذا التسهيل لكل أحد ، فإن الحاج زمن النبي ـ
صلى الله عليه وسلم ـ وزمن الخلفاء وفي كل السنين السابقة كانوا قليلين ، فلا يحج
من أهل البلدان البعيدة أحد ، ولا يحج من أهل البلدان القريبة إلا النادر . أما
الآن ، وفي هذا الزمان ، فقد قصرت المسافات ، وسهلت المواصلات بوسائل المراكب
الهوائية والبرية ، ودكت عقبات التعويق ، وقطع دابر قطاع الطريق ، وشمل الناس الأمن
المستتب في أنحاء الحرم ، وسائر السبل المفضية إليه ، فمن أجله قدم الناس إلى الحج
من كل فج، فأقبلوا إليه يجأرون ، وفي كل زمان يزيدون ، فعظم الخطب ، واشتد الزحام
، وصار الناس بعد إنصرافهم من عرفة يسيرون مقسورين غير مختارين ، يتحكم فيهم قائد
السيارة ، وشرطة نظام المرور ، بحيث يمنعون السائق من الوقوف أو الانصراف عن طريقه
، لكون ارض مزدلفة مملوءة بالناس والسيارات ، وربما تمادى بهم سيرهم حتى يصلوا إلى
المسجد الحرام ، فيطوفون طواف الإفاضة وهم قد مروا بمزدلفة ، لكنهم لم ينزلوا بها
. ولأجله كثر السؤال عن حج هؤلاء، وهل هو صحيح أم لا ؟ فالجواب:
إننا على دين كفيل بحل مشاكل العالم ، ما وقع في هذا الزمان وما سيقع بعد أزمان ،
ولو فكرنا فيه بإمعان ونظر ، لوجدنا فيه الفرج عن هذا الحرج ، وقد قيل: إن الحاجات
هي أمر الاختراعات . لهذا يجب على العلماء الاجتهاد في تجديد النظر فيما يزيل عن
أمتهم وقوع الخطر والضرر ، والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد أرخص للضعن والضعنة
بأن يدفعوا بالليل، ويرموا الجمرة بالليل ، كما ثبت في صحيح البخاري من حديث عائشة
، وحيث أسماء بنتي أبي بكر ، وحديث ابن عمر ، وحديث ابن عباس . وكما
ثبت الدفع إلى مكة من حديث عائشة ، قالت: » أرسل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأم سلمة
ليلة المزدلفة ، فرمت الجمرة قبل الفجر ، ثم مضت فأفاضت « . رواه أبو
داود بإسناد على شرط مسلم . وكل الأحاديث الصحيحة في البخاري ، ومسلم ، والسنن لم
تثبت تحديد المبيت بجزء من الليل ، ولا تقييده بنصفه ، كما قيده الفقهاء بذلك .
وترجم له البخاري في صحيحه ما عدا أن أسماء بنت أبي بكر قالت للذي يرحلها : هل غاب
القمر ؟ فقال: لا . فأخذت تصلي. ثم قالت: هل غاب القمر؟ قال: نعم . قالت: فارتحلوا
. قال: فارتحلنا ، فمضت حتى رمت الجمرة وقالت: يا بنيّ : إن رسول الله ـ صلى الله
عليه وسلم ـ أذن للضُعن . ومثله قاله ابن عمر، حين دفع من مزدلفة بأهله من الليل ،
وكلها لا تدل على تحديد ولا تقييد . ونتيجة
الجواب عن هذا السؤال: أن حج هؤلاء يعتبر صحيحاً بدون دم ، إذ هو نظير ما فعلته أم
سلمة زوج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما في حديث عائشة ، قالت: أسل النبي ـ صلى
الله عليه وسلم ـ بأم سلمة ليلة النحر ، فرمة الجمرة قبل الفجر ، ثم مضت ، فأفاضت
. رواه أبو داود وإسناده على شرط مسلم . وهو جنس ما فعله هؤلاء من دفعهم من مزدلفة
إلى الجمرة ، ثم إلى مكة لطواف الإفاضة بطريق القسر غير مختارين ، وهو غاية وسعهم
، والله لا يكلف نفساً إلا وسعها . ولأن
الحاج بعد انصرافه من عرفة يمر بمزدلفة في طريقه ، وقد قال الفقهاء ، إن حكم من
مرّ بعرفة ، حكم من وقف بها يوم تمام حجه . ومثله من مرّ بمزدلفة ولم يقف بها ، ثم
إن بقية مناسك الحج التي تفعل بعد الوقوف بعرفة ، مثل المبيت بمزدلفة ، والرمي ،
وطواف الإفاضة، كلها من الأمور التي رفع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيها عن
أمته الحرج في تقديم شي على شيء منها ، فإنه ما سئل يوم العيد عن شيء قدّم ولا
أُخّر إلا قال: »
إفعل ولا حرج « . وبما
أنها حصلت الرخصة من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الدفع بالليل للضُعن والضعنة
، بدون تحديد ولا قيد ، فإن أكثر الناس في حالة هذا الزحام الشديد قد صاروا بمثابة
الضعن والضعنة ، بل أشد في حالة إستعمال هذه الرخصة التي قصد بها التسهيل ، فيسِّروا
ولا تعسِّروا ، وقد قال الإمام مالك: إن المبيت بمزدلفة سنة مؤكدة ، وقال الإمام
الشافعي في أحد قوليه: إنه ليس بواجب ، وقال الإمام أبوحنيفه: ليس عليه شيء في
تركه ، قاله في الإفصاح. وقد أسقط الفقهاء من الحنابلة ، والشافعية ، المبيت
بمزدلفة عن الرعاة ، والسقاة ، قال في الإقناع وشرحه من كتب الحنابلة: وليس على
أهل السقاة والرعاة مبيت بمنى ولا مزدلفة . وقيل: أهل الأعذار ، كالمريض ، ومن له
مال يخاف ضياعه ، حكمه حكمهم في ترك البيتوتة . قال في الكشاف: جزم به الموفق
والشارح ، وابن تميم ، وهذا كله يرجع إلى كون الدين مبيناً على جلب المصالح ، ودفع
المضار . |