الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

الحجاج القادمون من جهة البحر على الطائرات إلى جدة هل يصح إحرامهم بالحج من جدة أو لا بد أن
                     يكون قبلها ؟

لقد طلب منى أحد العلماء الأجلاء أن أدلي بدلوي في استنباط طريق الفقه الشرعي في جواز الإحرام بالحج من جدة أو عدمه .

لهذا وجب علي أن أبين للناس ما ظهر لي في حكمه حسب ما وصل إليه علمي ، وقد يخفى على ما عسى أن يظهر لغيري ، إذ الحق فوق قول كل أحد ، و فوق كل ذي علم عليم .

و إنه مما لا خلاف فيه و لا خفاء ما ثبت في البخاري و مسلم ، عن ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » ميقات أهل المدينة ذو الحليفة و تسمى الآن : آبار علي  
و ميقات أهل الشام الجحفة ، و ميقات أهل نجد قرن المنازل . و ميقات أهل اليمن يلملم ، هن لهن و لمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج و العمرة ، و من كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة
« .

و روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : » لما فتح هذان المصران ( العراق و مصر) أتوا عمر . فقالوا : يا أمير المؤمنين . إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ حد لأهل نجد قرنا ، و هو جوز عن طريقنا ، و إنا إن أردنا قرنا شق علينا . قال : فانظروا حذوها من طريقكم فحد لهم ( أهل العراق ) ذات عرق « . و هذه المواقيت المكانية تعد من معجزات النبوة ، حيث وقتها رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه البلدان قبل إسلامهم أهلها ، كما أشار إليه الناظم بقوله :

لتعيينه من قبل فتح المعدد

 

و تعيينها من معجزات نبينا

لكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يفتح في زمنه سوى مكة و الطائف ، و الذي حج مع النبي صلى الله عليه وسلم هم أهل المدينة ، و عرب الحجاز و من يليهم من أهل نجد ، و بعض من أسلم من أهل اليمن ، فكانوا قليلين بالنسبة إلى الحجاج في هذه السنين .

و هذا التحديد بهذه الصفة ، و قع حيث كان حج الناس على الدواب من الإبل و الخيل
 و الحمير ، و يمرون بهذه الطرق ، و هي المواقيت المكانية لسائر أهلها ، و لمن مر عليها إلى يوم القيامة .

و قد انتشر الإسلام ، و امتد سلطان المسلمين على كثير من البلدان التي لم يقع لها ذكر في التحديد ، كمصر ، و السودان ، و المغرب ، وسائر أفريقيا ، و بلدان الترك ، و الهند ،
و كثير من المسلمين الذين يسكنون في بلدان النصارى ، و في الصين ، و اليابان ، و روسيا ، فحيث أنهم في تلك الأزمنة لا يستطيعون حيلة في الوصول إلى مكة ، و لا يهتدون إليها سبيلا ، فلم يقع لهم ذكر في التحديد من جهة البحر سوى قوله : ( هن لهن و لمن أتى عليهن من غير أهلهن ) . و من المعلوم أن ركاب الطائرات لا يأتون إلى هذه المواقيت ، و لا يمرون عليها .

و قد صار حج جميع أولئك على متون الطائرات التي تحلق بهم إلى أجواء السماء مسافة الألوف من الأقدام في الارتفاع ، حتى تهبط بهم على ساحل جدة بحيث لا يمرون بشيء من المواقيت .

 و الحكم يدور مع علته ، و لكل حادث حديث ، و لن يعجز الفقه الإسلامي الصحيح الواسع الأفق عن إخراج حكم صحيح ، في تعيين ميقات يعترف به لحج هؤلاء القادمين على متون الطائرات ، لكون شريعة الإسلام كفيلة بحل مشاكل العالم ما وقع في هذا الزمان ، و ما سيقع مستقبلا .

و حاجة تعيين ميقات في جدة للقادمين على الطائرات ، آكد من هذا كله ، و لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حيا و يرى كثرة النازلين من أجواء السماء إلى ساحة جدة ، يأمون هذا البيت للحج و العمرة ، لبادر إلى تعيين ميقات لهم من جدة نفسها ، لكونها من مقتضى أصوله و نصوصه .

و الحكمة في وضع المواقيت موضعها ، أنها جعلت بمسالك طرق الناس إلى مكة ، فهي كالأبواب إلى دخول مكة المشرفة . و فيها يعمل الحاج عمله في تنظيم دخوله في إحرامه ، و ما يلزم ذلك من التنظيف و الاغتسال ، و قلم الأظفار ، و الطيب ، ثم التخلي عن المخيط ، و لبس الإحرام المشبة بالأكفان ، إزار أو رداء ، ثم تعليم العوام كيفية الدخول في النسك . و هذه الأعمال تتطلب وقتا و مكانا ، فشرع تعيين المواقيت لها ، أو ما علمتم أن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع نزل بذي الحليفة ، ميقات أهل المدينة ، ضحى ، فأقام بها يومه و ليلته
و بعض اليوم الثاني ، بحيث صلى بها الظهر ، و العصر ، و المغرب ، و العشاء ، ثم رقد تلك الليلة حتى صلى الصبح ، فلما أضحى من اليوم الثاني اغتسل و تطيب .

و قد قال العلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه » أعلام الموقعين « ، قال : » فصل في تغير الفتوى و اختلافها ، بحسب تغير الأزمنة و الأمكنة ، و الأحوال و النيات ، و العوايد  « ، قال : » و هذا فصل عظيم النفع جدا ، وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج و المشقة ، و تكليف ما لا يطاق ، مما يعلم أن الشريعة الباهرة لا تأتي به ؛ لأن الشريعة مبناها على الحكمة و المصلحة للعباد في المعاش و المعاد ، و هي عدل و رحمة و مصالح ،
و كل ما خرج عن العدل و الرحمة و المصلحة فليس من الشريعة و إن نسب إليها 
« …انتهى .

و قد يظن بعض من يسمع هذا الكلام ، أن العلامة ابن القيم يقول بجواز تغير نصوص الدين و أصوله عن أصله كما سبق إليه فهم بعض الناس . و إنما يعني به : تغير الفتوى في فروع الفقه ، مما وقع فيه التسهيل ، و التيسير في الشريعة نفسها ، فما جعل عليكم في الدين من حرج ، كما وقع من النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الصور ، من ذلك : ما روى الإمام أحمد ، و أبو داود ، و الدار قطني ، عن عمرو بن العاص ، أنه احتلم في ليلة باردة شديدة البرد في غزوة ذات السلاسل ، قال : فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك ، فتيممت ، و صليت بأصحابي صلاة الصبح ، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر له أصحابي ما صنعت ، فقال لي : يا عمرو أ صليت بأصحابك و أنت جنب ؟ قلت نعم يا رسول الله . ذكرت قول الله :
( و لا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ) فتيممت ، و صليت . فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ و لم يقل شيئا ، مما يدل على إقراره لهذه السنة بمقتضى سكوته عنها ، و هي حقيقة في تغير الفتوى بتغير الزمان و المكان و الأحوال ، إذ الأصل : وجوب الغسل لواجد الماء .

و مثله ما رواه الإمام أحمد ، و النسائي ، و ابن ماجه ، أن سعد بن عبادة ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم رويجلا ضعيفا في أبياتهم زنا بامرأة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ : » اضربوه حده ، فقال سعد : إنه أضعف من ذلك . فقال : خذوا عثكالا فيه مائة شمراخ فاضربوه به ضربة واحدة « ففعلوا .

فقد عرفت كيف تغيرت فتوى رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا ، من حالة الشدة إلى حالة التيسير و التسهيل ، إذ الأصل في جلد الحد ، تفريق الضربات حتى تأخذ كل ضربة مكانها من جسده ، و نظرا لضعف حاله ، جعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ جلدة واحدة بعثكول فيه مائة شمراخ .

و له نظائر كثيرة . و قد أفتى الصحابة بجواز فطر الحامل و المرضع متى خافتا على نفسيهما ، أو على ولديهما ، و ليس كل حامل أو مرضع تفتى بهذا .

و هذا هو عين الفقه ، و لو حكم بموجبه قاض لرموه بالتشنيع و الزراية ، و نسبوه إلى عدم الرواية و الدراية ، و إلى التساهل في أمر الدين . كما أنهم الآن يعيبون كل من أفتى بالتيسير فيما يقتضيه ، متى وجد العالم إليه سبيلا ، لأن بعض الفقهاء المتحجرة أفهامهم ، يميلون إلى التشديد في أقضيتهم و أحكامهم و يقيدون الشريعة بقيود توهن الانقياد ، و يجعلونها ضيقة النطاق .

و قد قال لي أحد الفقهاء في محضر محشود بكبار العلماء ، قد عقد للمناظرة في قولي بجواز رمي الجمار قبل الزوال في أيام التشريق عند حصول هذا الحشد العظيم ، حينما فتحت مشارق الأرض و مغاربها لحج بيت الله العتيق بالآلات الحديثة ؛ من السيارات ، والطائرات ، حتى ضاقت الأرض ، فكان من قول هذا العالم : » أن من تتبع الرخص تزندق « ، قاله بمسمع من جميع العلماء الحاضرين ، حتى كأن التشديد و الغلو من سنة الدين .

و خفى على هذا العالم ، ان هذه كلمة كبيرة عند الله ، تنادي بإبطال سنة الله التي شرعها لعباده ، صدقة منه عليهم ، و رحمه منه بهم ، إذا الرخصة هي التسهيل ، و هي ما ورد على خلاف أمر المؤكد لمعارض راجح ، و ضد الرخصة العزيمة ، و هي الأمر المؤكد ، و لما نزل قوله سبحانه ( فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ) ،
 و لما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : ما بالنا نقصر الصلاة و قد أمنا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
» هي صدقة من الله تصدق بها عليكم فاقبلوا صدقته « . فقصر الصلاة في السفر رخصة ، و فطر الصائم في السفر رخصة ، و فطر المريض رخصة ، و المسح على الخفين رخصة ، و المسح على الجبيرة رخصة .

أ فيكون من عمل بهذه الرخصة زنديقا . سبحانك هذا بهتان عظيم ، فإن الله يحب أن تؤتى رخصه ، كما يكره أن تؤتى معصيته . و قد سمى الله الرخصة تيسيرا في جواز فطر المريض ، و المسافر ، و الشيخ الكبير ، فقال سبحانه : ( يريد الله بكم اليسر و لا يريد بكم العسر ) . و لما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم معاذا و أبا موسى الأشعري إلى اليمن . قال لهما : » يسرا و لا تعسرا « . و قال يوما لأصحابه : » إنما بعثتم ميسرين و لم تبعثوا معسرين« .فالتيسير متى وجد العالم إليه سبيلا ، وجب أن يفتى بموجبه ؛ لأنه من شريعة الدين الذي قال الله فيها : ( و نيسرك لليسرى ) .

أراد الله تيسيرا و أنتم

 

من التعسير عندكم ضروب

و لا ينبغي لنا أن نكون من سجناء الألفاظ ، بحيث متى حفظ أحدنا قولا من أقوال فقهائنا القدماء ، ليس له نصيب من الدليل و الصحة ، جعلناه حقا لا محيص عنه و لا محيد ، فنكون سجناء الألفاظ ، الذي عناهم العلامة ابن القيم بقوله :

و أكثرهم بسجن اللفظ محبو

 

سون خوف معرة السجان
 

و الكل إلا الفرد يقبل مذهبا
 

 

في قالب و يرده في ثان