صفة الإحرام بالحج
ثم
إن رسول صلى الله عليه وسلم تجرد لإحرامه واغتسل ، فأحرم في إزار و رداء
و صلى ركعتين بعد إحرامه . و الإحرام : هو نية الدخول في نسك الحج و العمرة متمتعا
ولا يلزمه التلفظ بالنية ، بل لو أحرم كما يحرم الناس صح ، و يصير متمتعا ، ولا
يلزمه التلفظ بالنية ، بل لو أحرم كما يحرم صح ، و يصير متمتعا ، و لو لم يتلفظ
بنية الحج
و هذا هو الظاهر من فعل الصحابة . و إن شاء جعل إحرامه مفردا ، أو إذا طاف طواف
القدوم و سعى للحج ، بقي على إحرامه
حتى يرجع من عرفة ، و هذا اختيار بعض الصحابة كعمر وعثمان ، و به يسقط عن الحاج
مفردا ، دم النسك . قال جابر : ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم ناقته القصواء
فلما استوت به على البيداء ، نظرت إلى مد بصري من بين راكب
و ماش ، و عن يمينه مثل ذلك ، و عن شماله مثل ذلك ، و من خلفه مثل ذلك ، و رسول
الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا ، و عليه ينزل القرآن . فما عمل به من شيء ،
عملنا به ، فأهل بالتوحيد »
لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد ، و النعمة لك و الملك
لا شريك لك« . و أهل الناس بالذي يهلون
به ، و لزم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلبيته.
و معنى لبيك ، أي ملازما لطاعتك ، مجيبا لدعوتك ، و هي من ألطف التحيات التي
يستجيب بها المدعو لمن دعاه ، فإنك إذا دعوت شخصا ، فأجابك بقوله: » لبيك « ، فإن محبته تتغلغل في قلبك .
وأصل التلبية : أن الله
سبحانه لما أمر نبيه إبراهيم عليه السلام ببناء البيت ، فامتثل أمر ربه طائعا ، و
ساعده ابنه إسماعيل مسارعا ، فلما فرغا من بنائه ، أمره بأن ينادي في الناس بالحج
، فقال : يا رب صوتي ضعيف ، فمن ذا الذي يجيبني ؟ فقال الله : عليك الصوت ، و
علينا البلاغ . فصعد جبل أبي قبيس ، و نادى : أيها الناس . إن الله قد بنى لكم
بيتا فحجبوا . فالحاج في تلبيته ، يجيب نداء ربه لما دعاه إلى بيته ، و يقول :
لبيك اللهم لبيك.
فسار رسول الله صلى الله
عليه وسلم في طريقه حتى لقي ركبا بالروحاء ، فقال:
» من القوم ؟ قالوا : المسلمون . قالوا من أنت ؟ قال : أنا رسول
الله ، فرفعت امرأة إليه صبيا
فقالت : يا رسول الله . أ لهذا حج ؟ قال : نعم ، و لك أجر « . فدل هذا الحديث : على استحباب إحرام الصبي للحج ، بحيث يحرم عنه
وليه ، و يطوف به ، و يسعى به، و يرمي عنه ، و يفدي له ، إن كان إحرامه بالتمتع ،
و أن إحرامه له هو من باب الاستحباب لا الوجوب ، و إنما شرع للتمرين على العبادة ،
لكن هذا الحج لا يجزيه عن حجة الإسلام . ثم سار النبي صلى الله عليه وسلم في طريقه
، فجاءت امرأة من خثعم ، فقالت: »
يا رسول الله ، إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخا كبيرا لا يثبت على
الراحلة ، أفأحج عنه ؟ قال : نعم حجي عنه « .
فدل هذا الحديث على جواز حج
المرأة عن الرجل . و أن المرأة يجوز لها أن تحج عن أبيها ، أو عن أمها ، كما يجوز
للرجل أن يحج عن أبيه ، و عن أمه ، إذا حج عن نفسه.
و سألته امرأة . فقالت : » يا رسول الله . إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى
ماتت
أ فأحج عنها ؟ فقال : نعم . حجي عنها ، أرأيت لو كان على أمك دين أ كنت قاضيته ،
اقضوا
الله فالله أحق بالوفاء « . فدل هذا الحديث على أن من نذر فعل طاعة من
الطاعات ، كمن نذر أن يحج ، أو نذر أن يصوم عشرة أيام ، أو أن يتصدق بكذا و كذا ،
فإن هذا النذر ، نذر طاعة
قد أوجبه على نفسه ، فلزمه الوفاء به ، فقد مدح الله في كتابه الذين يوفون بالنذر
و في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » من نذر أن يطيع الله فليطعه ، و من نذر أن يعصي الله
فلا يعصه « . و النذر على الإطلاق
مكروه ، و ليس بمحبوب ، لأن الناذر يوجب على نفسه شيئا لم يوجبه الله عليه ، و
لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : »
النذر لا يأتي بخير ، و إنما يستخرج به من البخيل« . لكنه متى ألزم نفسه بنذر الطاعة من الحج أو الصيام أو الصدقة
وجب عليه الوفاء به ، فإن مات قبل وفائه ، قضاه عنه وليه ، لما في الصحيحين عن
عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: » من مات و عليه صوم ، صام عنه وليه « . وقد حمله الإمام أحمد على صوم النذر ، فهو الذي يقضى عن الميت ؛
لأنه بمثابة الدين للناس الذي يتعين المبادرة بقضائه .