![]() |
|
|
إن الحاجة إلى النكاح ليست من الضرورة التي تبيح المحظور من الزنا و نكاح المتعة و لقد قيل تجوع الحرة و لا تأكل بثيها و
تأبى الدنية و لا اضطرت إليها . إن قول صاحب المقالة : » إن نكاح المتعة أبيح في
حالة الضرورة و أن أكثر الشباب فالجواب أن هذا الخطاب بعيد عن الصواب . ففي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم
قال : » ما نهيتكم عنه فاجتنبوه و
ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم « . رواه البخاري و مسلم من
رواية أبي هريرة ، فجعل جميع المنهيات من الأشياء التي يجب اجتنابها و لا يعذر أحد
بارتكابها كالربا و الزنا و شرب الخمر ، لأن هذه كلها ليست بأحمال على الجسم و ليست
بأكل و شرب مما يفتقر غليه الجسم ، بل كلها من التروك ، بل كل المنهيات كهذه تركها
أنفع من فعلها ، و إنما تحتاج إلى شدة حزم و قوة عزم في انصراف النفس عنها ، بخلاف
الأوامر فإنها على حسب الاستطاعة ، صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع
فعلى جنب لأن الله سبحانه لا يكلف نفسا إلا وسعها . فلو فعل
أحد شيئا من المنهيات و الحدود وجب أن يعاقب بما يستحقه من الحد أو التعزير الذي
يرجع فيها إلى اجتهاد الحاكم » و لا تأخذكم بهما رأفة في دين الله « . لأن من لا
يكرم نفسه لا يكرم و من يهن الله فما له من مكرم . لأن الله سبحانه شرع الحدود
للزجر بها مواقعة المنهيات كالزنا و نكاح المتعة و غيرها ، فكما أنه لا يستجاب
لمرتكب كبيرة الزنا في دعوى الضرورة فقول
بعضهم إن نكاح المتعة محرم كتحريم الميتة و الدم و لحم الخنزير ، فإن هذا التعريف
قاصر عن حدود التعريف بتحريمها ، و فيه شيء من التدليس و التلبيس على أسماع الناس
. فإن نكاح
المتعة حرام إلى يوم القيامة كما روى مسلم عن ربيع بن سبرة عن أبيه أن النبي صلى
الله عليه وسلم قال: »
إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من الناس و إن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة فمن
كان عنده منهن شيء فليخل سبيلها و لا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا «
. و خطب النبي صلى الله عليه و سلم قال : » إن الله » فرض فرائض فلا تضيعوها ، و حد حدودا فلا تعتدوها
، و حرم أشياء فلا تنتهكوها، و سكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا و تحريم
الميتة و الدم و لحم الخنزير ليس من تحريم المؤبد إلى يوم القيامة بل له أجل ينتهي
إليه و هو وجود الضرورة المقتضية لإباحته ، فمتى أصيب الإنسان بالجوع الشديد الذي
أشفى منه على الهلاك أبيح له أن يتناول من الميتة أو لحم الخنزير ما يسد به رمقه ،
و لو مات بدون أن يتناول منها عد عاصيا . و قد قال بعض العلماء إنني لن أوتى برجل
ما جوعا و لم يأكل من الميتة فإنني لا أصلي عليه لكونه قد أعان على قتل نفسه ، و
المطلوب منه إحياءها و من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا . ومثله إباحة الدم للضرورة وقد صار من
أكبر العوامل والأدوية عند الأطباء في تدارك صحة المصابين بالجروح البليغة
وبالرصاص الذي ينزف الدم عن الجسم ، فيكون في حالة ضرورة في تدارك علاجه بالدم
لسريانه في الجسم مما عسى أن يتدراك به حياته وصحته لكونه لا بقاء للجسم بعد خروج
الدم منه بخلاف نكاح المتعة فإنه لا ضرورة إليه ، وإنما يزداد صحة بتركه وقد قال
رسول الله e لرجل: » أقلل من النكاح فإنه نور
عينك وقوة ساقيك « . وقد قيل:
ولو كانت شهوة النكاح التي يجدها الإنسان
في نفسه تبيح له نكاح المتعة لقيل بجواز الزنا للضرورة إذ هما في الحكم سواء ، بل
إن نكاح المتعة أشد من الزنا فإن الزنا يستخفى به أهله أما نكاح المتعة فيجهرون به
. وقد حدثني رجل من الثقات قال: أتيت أصفهان
فوجدت نساء كثيرات صفوفاً ينادين الرجال بأصوات عالية المتعة … المتعة !! ومتى كان في مذهبهم وعقيدتهم أنه يجوز
إستئجار المرأة باليوم واليومين وبالمرة والمرتين ويجوز مع بنت إبنة تسع سنين وعشر
سنين بدون إذن أبيها أو وليها علمت حينئذ أنه الزنا قطعاً لا يغادر صغيرة ولا
كبيرة من الزنا إلا أحصاها . تبقى تسميته بالمتعة والأسماء لا تغير
المسميات عن حقائقها وأوضاعها كما أخبر ومن القواعد الأصولية أن الاعتبار في العقود بمقاصدها
ومعانيها لا بألفاظها ومبانيها. فدعوى عدم صبره عنها حجة داحضة نظير إحالة ارتكابه لها
على القضاء والقدر وما أذنب القضاء والقدر ولكنهم المذنبون ، ولما جيء عمر بن
الخطاب بسارق فقال له ما حملك على السرقة قال حملني عليها قضاء الله وقدره فقال: وأنا أقطع يدك بقضاء الله
وقدره فأمر به فقطعت يده . وقد شرع الله الحدود لتكون بمثابة الزواجر عن إرتكاب
الجرائم . وحد يقام في الأرض خير لأهلها من أن يمطروا أربعين صباحاً ، لأن الحدود
تقلل من فشو إرتكاب المنكرات من الزنا وشرب الخمر ، فلا يقبل من أحد دعوى ضرورته
وعدم صبره عند تغلب شهوته على عقله أفيقال إن الزنا مباح للضرورة في حق من لا يستطيع الصبر
عنه والله يقول: (والذين هم لفروجهم حافظون ، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم
فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هو العادون) فجعل كل من طلب نكاحاً
غير النكاح الدائم الشرعي وملك اليمين أنه من المعتدين لحدود الله . ومثله دعوى
عدم الصبر عن شرب الخمر . فكيف يقاس أكل الميتة للمضطر التي لو ترك أكلها لمات ،
وقد قال بعض العلماء لو ترك أكلها فمات لا يصلى عليه ، فكيف يقاس هذا على ضرورة
الشهوة إلى النكاح التي لا يخشى على أحد الهلاك بتركه ، وبعض الناس يؤثر البقاء
على العزوبة مع توفر الشهوة . ومثله لو
غض بلقمة فدفعها بشربة خمر التي هي نادرة الوقوع ولعلها لم يقع لها نظير في
الدنيا . وقد رأينا بعض العلماء من جعل هذه حجة في إباحة ربا
النسيئة للمضطر الذي يكفر من قال بإباحته ، ولا شك أن هذا من باب الترخص الجافي
والأحكام الشرعية يجب بأن لا تعارض بترخص جاف ولا تشدد غال ولا تحمل على علة توهن
الانقياد للحكم . والنبي
e حرم الربا بموقف جميع
الناس بعرفة عام حجة الوداع فقال: » إن ربا الجاهلية موضوع ، وأول ربا أضع ربا عباس بن عبد المطلب
فإنه موضوع كله « . فحرم
الربا تحريماً عاماً بدون إستثناء مع كونه عمدة تجارتهم ، فقد اشتهرت قريش بالتجارات
الواسعة من أجل رحلاتهم الصيفية والشتوية ومن أجل توسعهم في المعاملات الربوية مع
العلم أن جميع العرب سوادهم في حاجة وفقر شديد ، فكانوا يقتسمون الزاد بالتمرة
الواحدة في غزوة العسرة القريبة من حجة الوداع ، ومع هذا فلم يبح رسو الله صلى
الله عليه وسلم تعاطي الربا للمضطر لدخوله في عموم قوله ما نهيتكم عنه فاجتنبوه ،
لكون الشخص متى صحت نيته وصدقت عزيمته سهل عليه مفارقة المألوفات المحرمة كما قيل:
ولهذا عزف
الصحابة عن التعامل بالربا فلم يبق له ذكر بينهم امتثالاً لأمر الله وطاعة رسوله ،
ولم يقولوا لا نستطيع تركه لأن من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه ومن يتق الله
يجعل له من أمره يسراً ، ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ،
ومثله عزوفهم عن الخمر التي كانوا قد شبوا على شربها ونشأوا على حبها وإدمان شربها
، ولما بلغهم تحريمها أخذوا يرمون الأوعية من أيديهم ثم خرجوا إلى السوق وبه ظروف
الخمر فجعلوا يطعنونها بالسكانين حتى سالت بالأزقة وهم يقولون والله إن كنا لنكرمك
عن هذا المصرع وأما اليوم فقد أهانك الله . (ومن يهن الله فما له من مكرم ) ، ولم
يقولوا لا نستطيع تركها ولم يتعللوا بدعوى الضرورة وهكذا يقال في نكاح المتعة . فقد كان
العرب في جاهليتهم يستأجرون المرأة بالثوب والأتوار من الأقط والشعير ، ولما بغلهم
خبر تحريمها وخطبهم النبي e قائلاً: » إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء وإن
الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيلها ولا تأخذوا
مما آتيتموهن شيئاً « رواه مسلم . فعزفوا عنها كلهم غنيهم وفقيرهم لكونها
من التحريم المؤبد إلى يوم القيامة كما يدل له لفظ الحديث ، ثم إن النكاح قد يصبر
عنه بعض الناس السنين الطويلة مع رجوليتهم وقوة شهوتهم خصوصاً الرؤساء والمجاهدين
والمشتغلين بالعلم والتجارة والصناعة فإنهم ينصرفون عنه الانصراف الكلي بدون أن
يحسوا بشدة ، وكانوا يتغربون عن أهلهم السنتين والثلاث ولا يجدون مساَ من تعب
العزوبة ، وكنت ممن تغرب عن الأهل في طلب العلم أربع سنين ولم أجد مشقة في الغربة
ولا في العزوبة ، لكون الاشتغال بالعلم وبالأعمال الدينية والمالية يستدعي
الانصراف الكلي على حد ما قيل:
وإن
الذين يولعون بمجالسة النساء والعكوف بينهن هم الفارغون البطالون الذين ليسوا في
عمل دنيا ولا دين ، وكذا الذواقون الذين يتنقلون في اللذات بين المشتهيات ، فلا
يشبع نهمة أحدهم شيء ، حتى قيل إنه لو كان مع رجل جميع نساء أهل العراق فقدمت
إمرأة من الشام وذكر له جمالها لتمنى أن تكون زوجة له مضافة إلى نساء أهل العراق
وقد قيل:
لكن
من قرّ عيناً بعيشه نفعه ، ومن جمع الضرات يطلب لذة فقد بات في الأضرار غير سديد . لهذا
رأينا شعراء العرب كإمريء القيس وزهير وعمرو بن ربيعة وكثير عزة رأيناهم يكثرون
المديح والمبالغة في أوصاف النساء وذكر محسانهن بدقة الأوصاف الجميلة ، خصوصاً
عندما يريد تقديم قصيدة على فاضل ، كما قدم زهير قصيدته في معشوقته سعاد ، لأن
عندهم متى جاد المدح في المليح فالنسب مقدم . فبالغوا في الغوص على الأوصاف
الشائعة المشتملة على الصدق والكذب ، حتى قيل أعذبه أكذبه ، كله من أجل غلبة
الفراغ عليهم وكثرة اختلاطهم بالنساء في البادية زمن الجاهلية . غير
أن عشقهم يتصور على ألستنهم ، وإلا فمن المشهور إتصافهم بالعفاف والحصانة كما في
قصة بيعة النبي صلى الله عليه وسلم للنساء حينما قال: » لا تشركن بالله شيئاً
ولا تسرقن ولا تزنين « فقالت هند أو تزني الحرة يا رسول الله ؟ استنكاراً
لذلك لكون الزنا إنما يعرف في الإماء ولسنا بهذا ننكر شدة حاجة الرجل إلى المرأة
الحاجة الضرورية من جهة الناحية الجنسية أو الاجتماعية ، لكن هذه الحاجة الضرورية
لا ينبغي أن ترقى إلى درجة استحلال المحظورات من الزنا ونكاح المتعة لكونها من
اللذات ونعيم الحياة يقول الله سبحانه: (زين للناس حب الشهوات من النساء) والمزين
هو الله والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: » حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء «
. وقد تكلمنا في بعض مذكراتنا على شدة حاجة الرجل إلى المرأة وحاجتها إليه عند
قوله سبحانه: ( وهو الذي جعل لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها جعل بينكم مودة
ورحمة) . فقلنا
إن المرأة سكن للزوج تجلب إليه الأنس والسرور والغبطة والحبور وتقاسمه الهموم
والغموم ، ويكون بجودها بمثابة الملك المخدوم والسيد المحشوم فمسكين رجل بلا إمرأة
، والعزاب هو أراذل الأحياء وشرار الأموات ، فمتى تعاملا بينهما بالمودة والرحمة
فإنها السعادة الزوجية في الحياة ، كما أن الزوج كرامة للمرأة يرفع مستوى ضعفها
وينشر جناح وحدتها ويسعى عليها بكل
ما تشتهي من الحاجات والنفقات ، ويجعلها سيدة بيت وسعيدة عشيرة وأم بنين وبنات ،
ولا توجد هذه الميزات في المنكوحة بالمتعة لأنها ليست بزوجة . ولما
جاءت إمرأة إلى عمربن الخطاب تجادله في خصومة لها أنشدها:
فقالت
ليس كذلك ولكن قال الشاعر:
ثم
رأينا صاحب المقالة يحتج بما زعم بأنه قول العلامة ابن القيم في زاد المعاد وهو
كذب منه فإن العلامة يجزم بتحريمها . لكنه
في بحثه في فتح مكة طرق موضوع تحريم متعة النساء ، فقال من العلماء من قال إنها
حرمت يوم خيبر وعليه تدل أحاديث علي في البخاري . ومنهم
من قال إنما حرمت عام فتح مكة ، ورجح هذا القول لما روى مسلم عن سلمة بن الأكوع أن
النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نهى عن متعة النساء عام أوطاس أي يوم حنين وهو عام
فتح مكة . ثم
طرق موضوع الخلاف وهل تحريمها كتحريم الميتة ولحم الخنزير أو هو تحريم مؤبد في
الحضر والسفر ، وهذا هو الصحيح لحديث ربيع بن سبرة عن أبيه أن النبي ـ صلى الله
عليه وسلم ـ قال: »
إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة «
ثم قال العلامة ابن القيم إن رسول الله رخص فيها أي في ذلك الزمان للضرورة والحاجة
في الغزو فمن رخص فيها في الحضر مع كثرة النساء وإمكان النكاح الشرعي المعتاد فقد
إعتدى والله لا يحب المتعدين . إنتهى . وبه
يعلم أن النصوص الصحيحة الصريحة ترد على من ادعى أن بدء تحريم متعة النساء وقع من
عمر اجتهاداً منه واستجاب الصحابة له من أجل هيبته ، وهذا كله من الكذب على الله
ورسوله وعلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه . ولم
نر لهذا القول سنداً صحيحاً ولا حسناً بل هو من نوع الكذب المفترى على عمر لكون
الشيعة يبغضون عمر أشد البغض ، ولهذا شددوا في الإنكار على من يقول بتحريم المتعة
مع ظواهر النصوص الصريحة المؤيدة للتحريم مع الإجماع العام ولا عبرة بشذوذ
المخالفين . أما
نهي عمر عن التمتع في الحج فإن له أصلاً من الصحة في الصحاح وهو رأي رآه. والرأي
يخطيء ويصيب ، وليس الصحابي بمعصوم فقد رأي أن يفرد الحج بسفرة ويفرد العمرة بسفرة
، فخالفه الصحابة على ذلك وأن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ تمتع بالعمرة إلى
الحج في حجة الوداع ولم ينسخها شيء وبقي العمل بها إلى الآن ، وصفة التمتع أن يحرم
بالعمرة متمتعاً بها إلى الحج . فإذا طاف طواف العمرة وسعى سعي العمرة قصّر من
شعره ، ثم يلبس ثيابه ويتمتع بما هو مباح له من الطيب والنساء وغير ذلك من
المحظورات كحالته قبل الإحرام وإذا كان يوم الثامن يحرم بالحج ، فهذه هي التي قال
فيها ابن عباس حين نهى عمر عن التمتع فقال يوشك أن ينزل عليكم حجارة من السماء .
أقول: قال رسول الله وتقولون قال أبوبكر وعمر. أما القول بالنهي عن متعة النساء
فإنما ذكره على فرض صحته إبلاغاً للسنة واشتهاراً لها ليبلغ الشاهد الغائب . ومن
الكذب أيضاً ما نسبوه إلى علي من قوله: » لو لا نهي عمر عن المتعة ما زنى إلا شقي «
فهذا مما لا صحة له وينزه الإمام علي عنه ، فقد ثبت عنه في الصحيحين من طريقين أن
النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نهى عن متعة النساء عام خيبر وعن سلمة بن الأكوع: » قال رخص رسول الله ـ صلى
الله عليه وسلم ـ عام أوطاس في المتعة ثلاثة أيام ثم نهى عنها «
رواه مسلم . وعن علي رضي الله عنه قال: » نهى رسول الله عن المتعة عام خيبر «
متفق عليه . وعنه رضي الله عنه » أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نهى عن متعة النساء وعن
الحمر الأهلية يوم خيبر « رواه البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وابن ماجه
والإمام أحمد وابن حبان. وعن ربيع بن سبرة عن أبيه أن رسول الله ـ صلى الله عليه
وسلم ـ قال: » إني كنت أذنت لكم في
الاستمتاع من النساء وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهم شيء
فليخل سبيلها ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً « . رواه مسلم
وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه والإمام أحمد وابن حبان في صحيحه . قال أبو
محمد بن حزم في المحلى ، الجزء الحادي عشر: ولا يجوز نكاح المتعة وهو النكاح إلى
أجل ، وكان حلالاً على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم نسخها الله تعالى
على لسان رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نسخاً باتاً إلى يوم القيامة. ثم
قال بعد ذكره للخلاف بين الصحابة في بداية تحريمها فقال ونقتصر من الحجة في
تحريمها على خبر ثابت وهو ما رويناه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن عبد العزيز بن
عمر بن عبد العزيز عن الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه قال: خرجنا مع رسول الله e فذكر
الحديث وفيه فقال: سمعت رسول الله e على
المنبر يخطب ويقول من كان تزوج إمرأة إلى أجل فليعطها ما سمى لها ولا يسترجع مما
أعطاها شيئاً ويفارقها فإن الله قد حرمها عليكم إلى يوم القيامة . قال أبو محمد:
ما حرم إلى يوم القيامة فقد أمنا نسخه . فهذه
النصوص الصحيحة الصريحة تكذب ما نسبوه إلى علي من قوله » لولا نهي عمر عن المتعة ما زنى إلا شقي «
. وإن
من حكمة الله في شرعه وخلقه أنه لا يسد عن النفوس باب ممنوعها إلا ويفتح لها باب
مشروعها ، لأن من ترك شيئاً لله عوضه الله ما هو خير منه ومن يتق الله يجعل اله
مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ، ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً . لهذا
حث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على النكاح الشرعي لكونه من أسباب الغنى لقوله
سبحانه: (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم
الله من فضله ) فكم فقير عاد بعد الزواج غنياً . وكذلك
حث النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ أمته على فتح أبوابه وتسهيل طرقه وأسبابه فقال: » يا معشر الشباب من استطاع
منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج « ، ولم يقل ومن
لم يستطع فعليه بنكاح المتعة . وقال:
» خير الصداق أيسره «
وخير النكاح أقله كلفة وقد أجاز نكاح إمرأة بنعلين وبوزن نواة من ذهب وبخاتم من حديد
وبتعليم سورة أو سورتين من القرآن ، وكذلك التخفيف من مؤونة وليمة العرس وغيرها
فقال: » أولم ولو بشاة «
وقد أولم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على بعض نسائه بمدين من شعير ، ولم يتزوج
أحداً من نسائه ولا زوج أحداً من بناته بأكثر من خمسمائة درهم ، وقد قدر يقل عن
مائة ريال ، فلا يزني مع هذه التسهيلات إلا شقي ، ولا يكلف الخاطب الزيادة في
الصداق إلا بخيل . ثم
إن الشيعة يستدلون على رأيهم بما هو معلوم البطلان لتضليل العوام وضعفة العقول
والأفهام ، فهم يوردون لتأييد رأيهم ما دب ودرج من الأحاديث الموضوعة والأخبار المنكرة
المكذوبة ، ومن ذلك قولهم: »
قلت لأبي جعفر رضي الله عنه للتمتع ثواب؟ قال إن كان يريد بذلك وجه الله تعالى،
وخلافاً على من أنكرها ، لم يكلمها كلمة إلا كتب الله له بها جنة ولم يمد يده إليها إلا كتب الله حسنة ،
فإذا دنا منها غفر الله له بذلك ذنباً ، فإذا اغتسل غفر الله له بقدر ما مر من
الماء على شعره قلت بعدد الشعر ؟ قال بعدد الشعر « . وقولهم
عن النبي e قال: » إني لما أسرى بي إلى السماء لحقني جبريل عليه السلام فقال: يا
محمد إن الله تبارك وتعالى يقول: إني غفرت للمتمتعين من أمتك من النساء «
. من
ذلك أبو زهرة في كتابه موسوعة الفقه الإسلامي المجلة الأول ص 3. قال بعد ذكره
لأقوال القائلين بإباحة المتعة : وهي مذهبهم واعتقادهم وعليها جمهورهم ، لكن يوجد
في أعقاب هذه الأقوال من ينكر متعة النساء من علماء الشيعة وينهي عنها أشد النهي . من
ذلك أن تحريم المتعة نقل صحيحاً عن الإمامين أبي جعفر محمد بن الباقر وأبي عبدالله
جعفر الصادق وهما إمامان من أئمة الإمامية : فقد رووا أن بساما الصيرفي سأل أبا
عبدالله جفعر الصادق عن المتعة ووصفها له فقال رضي الله عنه: ذلك هو الزنى وإنها
من المخادنة التي نهى الله تعالى عنها في كثير من آيات القرآن مثل قوله: ( محصنين
غير مسافحين ولا متخذي أخدان) وقوله تعالى: (محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان)
. ولقد جاء في الكافي عن الحسن بن يحيى بن زيد فقيه العراق أنه قال: اجمع آل رسول
الله على كراهية المتعة والنهي عنها . والكراهية مع النهي تقتضي التحريم . ورأس
الأئمة بالإجماع عندهم هو علي كرم الله وجهه قد نهى عن المتعة نهياً مؤكداً فقد
قال رضي الله عنه : »
لا أوتى بمستمتعين إلا رجمتهما « . وقد
نقل الكافي وهو أحد المصادر الأربعة لفقههم النهي عنها . وقد وجدنا في كتب الزيدية
عن أئمة آل البيت عامة وعن الإمام جعفر الصادق خاصة ما يثبت أنه يرى المتعة من
الزنا، كما نسب هذا القائل القول بإباحة المتعة إلى البخاري ومسلم وعن ابن القيم
في زاد المعاد وعن ابن كثير في النهاية وغيرها من الكتب ، فيوهم الناس أن هؤلاء
يقولون بإباحتها إلى يوم القيامة وهو كذب صريح عليهم فإنهم مجمعون كغيرهم على
تحريمها إلى يوم القيامة . والحاصل:
أن المتعة ليست إلا من قبيل إتخاذ الأخدان الذي هو معروف من عادات الجاهلية وسكت
عنه النبي e في أول
الإسلام عفواً حتى يجيء الوقت المعين لإعلان التحريم ـ وقد حان وقت تحريمه زمن
خيبر أي عام ستة من الهجرة .. وقيل عام الفتح ـ وإنه بلا ريب لا تتفق المتعة مع
مقاصد الإسلام من العلاقة بين الرجل والمرأة التي أحلها الله سبحانه وتعالى بكلمته
و لا يمكن أن يحل الله تعالى بكلمته إتخاذ الأخدان . ثم
إن هذا القرآن الكريم النازل على محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم لا يغادر صغيرة
ولا كبيرة مما يحتاج إليه الناس إلا جاء بما يقطع النزاع ويعيد الخلاف إلى مواقع
الإجماع في شأن هذه القضية وغيرها . فقد
حكى القرآن الكريم عن الرجل المعدم الفقير الذي يشتهي النساء بشدة ولا يستطيع صداق
المحصنات الحراير فماذا يصنع ؟ أيحل له أن يستأجر امرأة بأجرة زهيدة إلى أجل مسمى
ليتمتع بها أم لا ؟ وهي عين القضية التي نحن بصددها قال سبحانه: (ومن لم يستطع
منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله
أعلم بأيمانكم بعضكم من بعض فأنكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات
غير مسافحات ولا متخذات أخدان) . ولم
يقل ومن لم يستطع منكم طولاً أي صداقاً ، والطول هو الغني بالصداق ، فليتمتع
بإمرأة بأجر معلوم إلى أجل مسمى " وما كان ربك نسيا " فلو كان حلالاً
لما سكت عنه القرآن. ولو كانت المتعة تباح بحال لأبيحت لهذا المضطر الذي لم يجد
صداقاً للمحصنات ، ولكون المقام مقام ضرورة والمقال جرى على حالة المخرج من هذه
الضرورة ، فأباح الله له أن ينكح الجارية المملوكة مع علمه باسترقاق أولاده فيها
تبعاً لأمهم ، أما إذا كان غنياً يجد صداق الحرة المحصنة فإنه لا يجوز له أن ينكح
أمة مملوكة لكونه يذل نفسه بإسترقاق أولاده إلا إذا كانت ملكاً له، وقد نزلت هذه
الآية في زمان كان الأرقاء فيه كثيرين ، فنكاح الأمة في مثل حالة هذا المقل هو
نكاح شرعي يترتب عليه لوازم النكاح الشرعي فحصرت هذه الآية النكاح في أربعة أمور ،
منها: إثنان حلالان ، وإثنان حرامان ، فإن الحلال هو نكاح الرغبة الشرعي الدائم ،
ومنه زواج الفقير بالمرأة المملوكة . والثاني
: النكاح بملك اليمين . وأما
النكاح الحرام فمنه نكاح المسافحات اللاتي يزني بهن كل أحد . والثاني:
المتخذات أخدان أي التي تزني مع خليل واحد لا يشاركه فيها أحد وقد جعل العلماء
نكاح المتعة من قبيل المتخذات أخدان ، وهذه الآية تشبه قوله سبحانه : ( والذين هم
لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين) والمستأجرة
يوماً أو أسبوعاً في سبيل نكاح المتعة لا تسمى زوجة لا لغة ولا عرفاً ، ولا ينطبق
عليها أحكام الزوجة الشرعية من الولي والإشهاد والنفقة والطلاق والميراث . ويدل
لهذه الآية قول النبي e » يا معشر الشباب من
استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ، ولم يستطع فعليه بالصوم
فإن له وجاء «
أي يكسر من حدة شهوته ،
ولم يقل ومن لم يستطع فليتمتع بامرأة بأجر معلوم إلى أجل مسمى ، فلو كان جائزاً
لوجب بيانه ولما ساغ كتمانه لكونه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه ، إذ
الأمر بنكاح المتعة أيسر من الصوم الذي لا يطيقه أكثر الناس وخاصة الشباب ، مما
يدل على عدم إباحة المتعة . ومثله
إباحة نكاح الفقير للأمة المملوكة ، فإن هذه الأمة لا توجد في كل زمان ومكان وخاصة
في هذا الزمان الذي تم فيه إبطال الرق العام وصار الناس كلهم أحراراً . ومما
ينبغي أن يعلم أن الله سبحانه في كتابه وعلى لسان نبيه لا يحرم شيئاً من المحرمات
كالربا والزنا وشرب الخمر ونكاح المتعة إلا ومضرته واضحة ومفسدته راجحة . وأنه
لو انفتح للشباب والشابات إباحة نكاح المتعة الذي هو سهل وميسر لكل أحد بحيث
يستأجر المرأة بنقد يسير في زمن قصير كيوم أو أسبوع أو مرة واحدة على مذهبهم يتمتع
بها فإنه يفضل هذا على الزواج وتحمل تبعته وتكاليفه . فلو
فتح لهم إباحة هذا لانصرفوا برغبتهم عن النكاح الشرعي ، وتؤثر المرأة أن تبقى
خالية من الأزواج وبريئة من الحمل وأعباء مشقته وتكاليفه ، لكون المسافحة لا ترغب
أن تحمل ولا رغبة لها في الزواج الشرعي الدائم لكونها مسحورة بالتنقل في اللذات ،
وكذا الرجل يفضل التنقل من واحدة إلى أخرى ، وبذلك يقل النسل أو ينقطع وقد لعن
رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذواقين من الرجال والذواقات من النساء ، ويوجد
في هذا من المضار وما يوجد في السفاح من قلة النسل واختلاط الأنساب والعداوة بين
الأغيار . ولهذا
رأينا من عرفنا من الشيعة أنهم أبعد الناس عن هذا العمل وأشدهم بغضاً له فلا نسمع
بغني ولا فقير ولا شريف ولا حقير أنه أجر ابنته أو موليته رجلاً يتمتع بنكاحها
أسبوعاً أو شهراً بأجرة معلومة ، فهم يترفعون بشرفهم واحترام محارمهم عن السقوط في
هذه المهانة حتى كانت جريمة الزنا نادرة الوجود فيما بينهم ولهذا ختم الله هذه
الآية : (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم
حكيم . والله يريد أ، يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً
عظيماً ) . والله أعلم . |