الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

بطلان نكاح المتعة بمقتضى الدلائل من الكتاب و السنة

الحمد لله ثم الصلاة و السلام على محمد و على آله و صحبه و من تمسك بسنته و اتبع هداه .

أما بعد : فإنني رأيت مقالة صادرة عن أحد علماء الشيعة يقول فيها بإباحة متعة النساء
و يحث فيها الشباب و الشابات على فتح أبواب التمتع من بعضهم مع بعض بالنكاح المؤقت باليوم و اليومين و الأسبوع و الشهر ليشبعوا بذلك شهوتهم بدون تكلف النكاح الشرعي الذي يشق عليهم فعله و فعل ما يترتب عليه من الصداق و النفقة .

و هذه دعوة سافرة إلى فتح أبواب الزنا و التوسع فيه مما يجعل الشباب ينصرفون عن النكاح الشرعي ، و كانت هذه القضية هي مما عفا عليه الأثر و لم يبق عند علماء المسلمين كافة أي اهتمام بها و لا ذكر لكونها معلومة البطلان بواضح الكتاب و السنة و الإجماع .

ثم إنه يستدل لتأييد رأيه بالنقول الباطلة غير الصحيحة و بالأحاديث المنسوخة فتراه يقول ذكر البخاري في كتابه كذا ذكر مسلم كذا و ذكر مسلم كذا و ذكر الرازي كذا بما لا حقيقة له
و لم أجده ذكر في مقالته حديثا واحدا بلفظه أو معناه ، و لكنه عندما يسوق حديثا كحديث الإمام علي رضي الله عنه أن رسول الله رخص في المتعة في أول الإسلام ، ثم نهى عنها عام خيبر
وقبل عام الفتح نهيا عاما دائما إلى يوم القيامة ، فتراه يحتج بالمنسوخ من قوله رخص النبي صلى الله عليه وسلم في المتعة و يترك الناسخ تغريرا و تدليسا لأسماع الناس ، مع العلم أنني لم أره ذكر حديثا واحدا صحيحا بلفظه يؤيد صحة ما ذهب إليه ، إلا أن يكون منسوخا قد بطل العمل به .

إن أول كلمة بدأ بها مقالته هي قوله :

» إن المتعة كانت مباحة و إن أول من قال بتحريمها هو الخليفة الثاني  « يعني عمر بن الخطاب رضي الله عنه فهو يحاول الصاقها بعمر ليستبيح بذلك حرمة تحريمها و ينزه الرسول عنها ، و هذا ليس محمولا على عدم معرفته أحاديث النسخ لها و إجماع الصحابة على تحريمها ، و إنما فعله تلبيسا على أسماع الناس ، كما قال سبحانه و تعالى :

( قل يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل و تكتمون الحق و أنتم تعلمون ) .

و لبس الحق بالباطل هو تغطيته به بحيث يظهر الباطل في صورة الحق فيظهر للناس باطله في صورة الحق و هو في الحقيقة باطل .

و من لوازم هذا التدليس كتمان الحق و عدم بيانه ، لأنه لو بينه للناس لعرفوا حقيقة بطلان قوله كله .

و إباحته في بدء الإسلام إنما نشأت عن بقاء الناس على حالتهم في الجاهلية و كان هذا نوعا من أنكحتهم ، و يسمى في القرآن » بالمتخذين أخدانا « . كما في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها عن ابن شهاب قال : أخبرني عروة ابن الزبير أن » عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء منها نكاح الناس اليوم ، يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها ، و نكاح آخر كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه و يعتزلها زوجها
و لا يمسها أبدا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب ، و إنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد ، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع .
و نكاح آخر يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها ، إذا حملت
و وضعت و مر عليها ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها تقول لهم عرفتم الذي كان من أمركم ، و قد ولدت فهو ابنك يا فلان تسمى من أجبت باسمه فيلحق به ولدها لا يستطيع أن يمتنع به الرجل . و نكاح رابع يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمتنع من جاءها ، و هن البغايا كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علما ، فمن أرادهن دخل عليهن فإذا حملت إحداهن و وضعت حملها جمعوا لها و دعوا لهن القافة ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون ، فالتاط به و دعي ابنه لا يمتنع من ذلك . فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم بالحق هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم
« .

و به يعلم أن نكاح المتعة هو من قبيل » متخذات أخدان « بحيث يختص بها واحد بدون مشارك في زمن محدود كما هو الواقع من فعل كثير من النساء الزواني اللاتي يراعين التستر
و بذلك أنزل الله تعالى قوله :

( فأنكحوهن بإذن أهلهن و آتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات
ولا متخذات أخدان ) . فسمى الله الصداق أجرة و أجرا كما قال سبحانه : ( و المحصنات من المؤمنات و المحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن ) . في قصة موسى قول شعيب :
» إني أريد أن أنكحك إحدى ابني هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن اتممت عشرا فمن عندك « ، فتزوجها موسى برعاية غنم شعيب ثماني سنين ثم كملها عشرا . فليس في الشريعة الإسلامية نكاح مباح إلا نكاح الزوجة أو الأمة فمن ابتغى نكاحا غيرهما فأولئك هم العادون ، أي الذين يطلبون نكاحا مؤقتا بيوم أو يومين فهم المعتدون لحدود الله
والمستحلون لمحارمه .

ثم إن صاحب المقالة رد على من قال بجواز الاستمناء باليد يعني بذلك الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه » الحلال و الحرام « حيث طرق موضوع هذه القضية ، ثم قال بجواز الاستمناء باليد عند الضرورة و ليس رأيه هذا ببدع من القول و الزور لجواز ارتكاب أدنى الضررين لدفع أعلاهما و هو عمل جائز في مذهب الحنابلة قال في » الإقناع « و لا يعزر من استمنى بيده أي لقوة الخلاف به و ضعف القول بحرمته .

و قد قال شيخ الإسلام ابن تيمية إن أبناء المهاجرين و الأنصار في غزواتهم الطويلة كانوا يستريحون بالاستمناء باليد ، و هذا الاستمناء هو كاسمه حقيقة و معنى و لا يسمى نكاحا ، فإخراج هذا المني إلى التراب أو إلى الفراش أيسر من وضعه في فرج حرام ، و قال شيخ الإسلام في فتاويه إن اضطر الشخص إلى الاستمناء بيده مثل أن يخاف الزنا إن لم يستمن أو يخاف المرض فهذا فيه قولان مشهوران و قد رخص في هذه الحال طوائف من السلف و الخلف.

 هذا و إن أساطين الشيعة و رؤساءهم يتعففون عن هذا العمل فلا نسمع بغنى و لا فقير أنه سلم ابنته لرجل باستئجاره لها يوما أو يومين أو أسبوعا أو شهرا باسم نكاح المتعة ، فهم يترفعون عن العمل بهذا أو عدم السقوط فيه لدناءته ، فهو نكاح مفسدة و تنقل في اللذات ، و حتى إن جريمة الزنا قليلة فيما بينهم ، و ليس فيه شيء من المصالح سوى قضاء وطر الشهوة بخلاف النكاح الدائم الشرعي ، فإنه يترتب عليه مصالح كثيرة منها الإحصان و يعني أنه يحصن الزوج عن غير زوجته و يحصنها هي أيضا ، و متى أشرك مع زوجته غيرها من الأخدان فإنه يفسد به نظام الزوجية الشرعية فيبغض زوجته و تبغضه .

و منها أن الله سمى الزوجة سكنا فيسكن إليها الزوج و تسكن إليه و يأنس بها فقال سبحانه: ( و من آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها و جعل بينكم مودة و رحمة ) . فالزوج سكن للمرآة يسكن إليه و يطمئن بها فتجلب إليه الأنس و السرور و الغبطة و الحبور و تقاسمه الهموم و الغموم ويكون بوجودها بمثابة الملك المخدوم و السيد المحشوم . فمسكين مسكين رجل بلا زوجة ، و العزاب هم أراذل الأحياء و شرار الأموات … كما أن الزوج كرامة و نعمة للزوجة يرفع مستوى ضعفها و ينشر جناح وحدتها ويسعى عليها بكل ما تشتهي من الحاجات
والنفقات ، و يجعلها سيدة بيت و سعيدة عشيرة و أم بنين و بنات .

و منها أن الله سمى الزوجة حرثا الذي هو محل لإنشاء النسل المحبوب تكثيره عند الشرع  ففي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة « و لا توجد هذه الميزات في نكاح المتعة الذي غايته قضاء وطر الشهوة لا غير
و لهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإعلان النكاح و اشتهاره لشرفه فقال صلى الله عليه وسلم
» أعلنوا النكاح « . لكون النكاح الحرام يبالغ أهله في إخفائه و عدم بيانه ، فنكاح المتعة غايته تفنن الذوق و التنقل في اللذات بدون رغبة منه و لا منها في إنجاب البنين و البنات بل إنه من الأسباب التي ينقطع بها النسل ، لأنه متى تعاقب الرجال على المرأة بحيث تكون عند أحدهم شهرا و عند الآخر الشهر الثاني فإنه بذلك يفسد نظام الحمل من أجل اختلاط المياه في الرحم إذ هي بهذه الصفة من قبيل المتخذات أخدان .

و في مذهب الزيدية : إن النكاح مؤبد فلا يجوز عندهم نكاح المتعة أو النكاح المؤقت إلى أمد مجهول أو معلوم و غايته إلى خمسة و أربعين يوما أو أكثر من ذلك . فقد حدث زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي رضي الله عنهم : » أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المتعة عام خيبر« .

و أخرج البخاري و مسلم و المؤيد بالله في شرح التجريد و غيرهم من طريق مالك عن ابن شهاب عن عبد الله و الحسن ابني محمد بن علي عن أبيهما عن علي ابن أبي طالب :  » أن رسول الله صلى الله نهى عن متعة النساء يوم خيبر و عن لحوم الحمر الإنسية  « .

و أخرج البيهقي عن طريق عبد الله بن لهيعة عن موسى بن أيوب عن أياس ابن عامر عن علي بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : » نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المتعة . قال : إنما كانت لمن لم يجد ، فلما أنزل النكاح و الطلاق و العدة و الميراث بين الزوج
و المرأة نسخت
« .

و أخرج البيهقي أيضا أن رجلا سأل عبد الله بن عمر عن المتعة فقال » حرام «. قال فإن فلانا يقول فيها . فقال و الله لقد علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرمها يوم خيبر و ما كنا مسافحين ، و هذا يدل على تحريم المتعة .

ثم إن الشيعة تمسكوا في استدلالهم على نكاح المتعة بقوله سبحانه : ( فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن ) و هذا الاستدلال لا صحة له ، فإن هذه الآية سيقت في بيان ما يحل
و يحرم من نكاح النساء كما يعلم من نظمها فيما قبلها و بعدها . و أن يكون الغرض المقصود من النكاح هو الإحصان و طلب النسل دون التمتع بسفح الماء و التنقل في اللذات الذي يكون حظ الحيوان فيها أكثر من حظ الإنسان ، ثم إن السنة تفسر القرآن و تبين ما أشكل منه ، و قد فسرت السنة هذا الاستمتاع و أن المراد به النكاح الشرعي .

فقد روى البخاري و مسلم : » أن النبي صلى الله عليه وسلم قال استوصوا بالنساء خيرا فإنهن خلقن من ضلع أعوج و إن أعوج ما في الضلع أعلاه ، فإن استمتعت بها استمتعت و بها عوج و إن ذهبت تقيمها كسرتها ، و كسرها طلاقها « . فدل هذا الحديث على نفس ما دلت عليه الآية و أن المراد بقوله » فما استمتعتم به منهن « . أي بالنكاح الشرعي الذي يتخلله الطلاق عند عدم الوفاق كما قال » و كسرها طلاقها « و نكاح المتعة ليس فيه طلاق و لا نفقة و لا ميراث فيجوز عندهم أن يستأجرها بنكاح المتعة . فهو يتمشى على طريقة السفاح بحيث أن الرجل يتفق مع المسافحة أسبوعا أو شهرا بأجر مسمى على سبيل الاختصاص بدون مشارك ثم يتفق الثاني معها كذلك إلا أنهم لا يذكرون فيه نكاح المتعة . و لهذا قال علي رضي الله عنه : » لا أوتي بمستمعين إلا رجمتها « .

فقوله : » فما استمتعتم به منهن « أي تمتعتم ، و الزوجة تسمى متاعا كما روى الإمام أحمد و الدارمي أن النبي صلى الله عليه وسلم » الدنيا متاع و خير متاعها الزوجة الصالحة
التي إذا نظر إليها سرته ، و إن أمرها أطاعته ، و إن غاب عنها حفظته في نفسها و ماله 
« .

ثم إن النكاح الشرعي المؤبد يخالف نكاح المتعة المقدر بيوم أو أسبوع أو شهر ، فإن نكاح المتعة ليس فيه سوى قضاء وطر الشهوة فقط بحيث يسفح ماءه في فرجها فهو يزيد الولوع
و الشغف في التنقل في اللذات ، فكلما سفح ماءه في امرأة انصرف عنها إلى غيرها ، لكون الحب إذا نكح فسد ، و لكون المتمتع بنكاح المتعة لا يقصد الإحصان و إنما يقصد مجرد السفاح التنقل في اللذات بين المشتهيات فتزداد به المرأة جنونا لا إحصانا بحيث تنصرف برغبتها عن النكاح الشرعي ، و من شروط النكاح الشرعي هو أن يكون عن رغبة في استدامة بقائها لإحصانه بها
وطلب النسل منها ، أما إذا تزوجها على عزم أن يطلقها بعد يوم أن يومين أو أسبوع أو على نية أن يبيحها لزوجها الأول فإن هذا نكاح باطل و لا ينعقد و لا تحل به المرأة لزوجها الأول و يسمى
» التيس المستعار « .

عن ابن مسعود قال : » لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل و المحلل له  « . رواه أحمد و النسائي و الترمذي و صححه .

و من صفة المؤمنين ما أخبر الله عنهم بقوله : ( و الذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت إيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء فأولئك هم العادون ) أي المتجاوزون ما أحل الله لهم إلى ما حرم عليهم .

إن متعة النساء في استئجار المرأة لوطئها يوما أو أسبوعا أو شهرا كانت من عمل الجاهلية ، ثم بقيت على حالة الإباحة في أول الإسلام حيث كان الناس في شدة و حاجة ، فلما وسع الله عليهم بالمال يوم فتح خيبر أي عام ستة من الهجرة حرمها رسول الله عن الله تحريما مؤبدا إلى يوم القيامة ، و قال : » إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء و إن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة فمن عنده منهن شيء فليخل سبيلها و لا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا  « .

فلقد أبيحت متعة النساء لهم في أول الإسلام كحالتهم في الجاهلية حيث كانوا مصابين بالفقر الشديد و الفاقة و بالجوع و العراء حيث كانوا يتقاسمون في بعض أسفارهم بالتمرة الواحدة  و حيث كان يوجد من بينهم سبعون رجلا ما منهم رجل عليه إزار و رداء ، بل إزار و إما رداء قد ربطوها في أعناقهم .

و في الصحيحين : » أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله صلى الله جئت أهب لك نفسي فنظر إليها ثم صوب نظره ، ثم طأطأ رسول الله رأسه ، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئا جلست . فقام رجل فقال يا رسول الله إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها ، فقال : هل عندك من شيء ؟ فقال : لا و الله فقال : انظر و لو خاتما من حديد ، فقال
و الله ما عندي و لا خاتم من حديد ، و لكن هذا إزاري فلها نصفه ، و ليس عليه سوى إزار
فقال رسول الله : ما تصنع بإزارك إن لبسته لم يكن عليها منه شيء و إن لبسته لم يكن عليك منه شيء ، و لكن هل معك شيء من القرآن ؟ فقال : نعم معي سورة كذا و كذا فقال اذهب فقد زوجتكما بما معك من القرآن
« . مما يدل على أن متعة النساء قد أبيحت في زمان أبيح فيه أكل الميتة ، و هذا معنى الفتوى التي قيل إن ابن عباس أفتى بها على أنه ليس بمعصوم ، و قد زجره الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال : ما أراك تاركا هنياتك أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد حرمها !!! .

و جاء سعيد بن جبير إليه فقال ما هذه الفتوى التي سمعت الناس يتحدثون بها ، فقال: ما يقولون ؟ قال : يقولون : » إنك أبحت متعة النساء ، و قد سمعت الركاب الإبل يتغنون بها فقال: ما يقولون . قلت يقولون :

أقول للشيخ لما طال مجلسه
 

 

يا صاح لك في فتوى ابن عباس
 

هل لك في خصرة الأطراف آنسة

 

تكون مثواك حتى مصدر الناس

فقال : و الله ما قلت إلا أنها محرمة كحرمة الميتة و الدم و لحم الخنزير و ليس تأخير تحريم متعة النساء إلى زمن خيبر ببدع من القول للحكمة و المصلحة فإن الله يحدث من أمره ما يشاء . و كانت الأحكام من ا لأمر و النهي و الحلال و الحرام تنزل على النبي صلى الله عليه وسلم شيئا بعد شيء كما كان بعضهم يكلم بعضا في نفس الصلاة فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : » إن الله يحدث من أمره ما يشاء و إن مما أحدث من أمره أن لا تتكلموا في الصلاة يقول الله سبحانه : ( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ) . فقد أبيح للناس شرب الخمر في أول الإسلام فكان أول آية نزلت في التمهيد لتحريمه هي قوله سبحانه : ( لا تقربوا الصلاة
و أنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ) ثم أنزل الله بعدها ( و يسألونك عن الخمر و الميسر قل فيهما إثم كبير و منافع للناس و إثمهما أكبر من نفعهما )
.

و متى كان الشيء إثمه أكبر من نفعه وجب اجتنابه . ثم أنزل الله في السنة التاسعة من الهجرة قوله سبحانه : ( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر الميسر و الأنصاب و الأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ) . و هذه من سورة المائدة التي هي من آخر القرآن نزولا فأحلوا حلالها و حرموا حرامها . و هذا تحريم مؤبد يكفر مستحله ، حتى إن الصحابة حزنوا على من قتل شهيدا و هي في بطنه ، فأنزل الله : ( ليس على الذين آمنوا و عملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا و آمنوا و عملوا الصالحات ) لكون الشرائع لا تلزم إلا بعد بلوغها لقوله سبحانه : ( و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) و مثله صلاة الصحابة إلى جهة المشرق
وهو قبلة اليهود و النصارى ، حتى أنزل الله : ( قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام و حيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره ) . و أتي رجل إلى بني عبد الأشهل و هم يصلون الفجر مستقبلين المشرق ، فقال أشهد بالله لقد أنزل الله على رسوله قرآنا و أمر أن نستقبل القبلة فاستداروا و هم في صلاتهم إلى جهة القبلة .

إن الله سبحانه لا يحرم شيئا من المحرمات كالخمر و الميسر و متعة النساء إلا و مضرته واضحة و مفسدته راجحة ، و لهذا أوجب العلماء إقامة الحد على من يستحل النساء لإجماع الصحابة و التابعين و سائر علماء المسلمين على تحريمها إلى يوم القيامة ، و لا عبرة بشذوذ الشيعة في هذا . و ما نسبوه إلى أحد الصحابة كأبي و ابن مسعود من أنهما فعلا المتعة زمن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه على فرض صحته محمول على فعله قبل تحريمه . و إلا فحاشا و كلا أن يستبيحا فعلها بعد تحريم النبي صلى الله عليه وسلم لها و انعقاد إجماع الصحابة على تحريمها بالنصوص الصحيحة الصريحة . و مثله ما نسبوه إلى علي من قوله : » لو لا نهي عمر عن المتعة لما زنى إلا شقي « فإن هذا من الكذب المفترى صريحا على علي و عمر بشهادة علي على ذلك ، فإنه له في البخاري حديثين يبين فيهما أن رسول الله حرم المتعة و الحمر الأهلية عام خيبر ، و لم يحرمها عمر من تلقاء نفسه كما يقوله أعداؤه .

فقد أخرج البيهقي عن طريق عبد الله بن لهيعة عن موسى بن أيوب عن اياس بن عامر عن علي رضي الله عنه قال : » نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المتعة قال وإنما كانت لمن لم يجد فلما أنزل النكاح والطلاق والعدة والميراث بين الزوج والمرأة نسخت  « . وأما احتجاج الشيعة بما روى مسلم عن جابر بن عبد الله كنا نستمع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر حتى نهى عنها عمر فدعوى اسناد انشاء التحريم إلى عمر هو باطل قطعا ، فما كان نهي عمر إلا بمثابة التبليغ والتنفيذ لحكم رسول الله في تحريمها إذ هو من واجبه ، والنبي صلى الله عليه وسلم قال فليبلغ الشاهد منكم الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع .

ثم قوله كنا نتمتع على عهد رسول الله و أبي بكر فإن هذا مخالف للأحاديث الصحيحة التي رواها البخاري و مسلم عن علي و عن سلمة بن الأكوع و عن ابن عمر ، و لا يبعد أن يكون حديث جابر مكذوب عليه أو أنه دخل فيه شيء من زيادة بعض الرواة .

و الصحيح هو ما رواه مسلم عن ربيع بن سبرة عن أبيه أن النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : » إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء و أن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة فمن كان عنده شيء منها فيخل سبيلها و لا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا « . فهذا الحديث فيه ذكر الناسخ و المنسوخ ، و كون التحريم صدر عن رسول الله عن الله و لم يقع من عمر ابتداء إلا على سبيل التبليغ و التنفيذ عن الله .

و مثله الحديث الذي احتج به صاحب المقالة عن ابن مسعود رضي الله عنه و هو في الصحيحين قال : » كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس لنا نساء فقلنا : يا رسول الله ألا نختصي فنهانا عن ذلك ، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل ثم قرأ ابن مسعود
( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم و لا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) .

إن من عادة صاحب المقالة أن يحتج بالمنسوخ الذي زال حكمه و بطل العمل به و يترك الناسخ المحكم الذي يجب العمل به و الحكم بموجبه .

و نحن لا ننكر إباحة متعة النساء في أول الإسلام على حسب حالتهم في الجاهلية و كونهم يستأجرون المرأة في أسفارهم الطويلة بالثوب و بالقبضة من التمر و بالقبضة من الدقيق ، فابن مسعود و جابر على فرض صحة حديثهما يتحدثان عن حالتيهما في الجاهلية قبل تحريمها ، كما يتحدث الصحابة عن شربهم الخمر قبل أن تحرم عليهم ، و كما يتحدثون عن صلاتهم إلى المشرق قبل أن يحولوا إلى جهة الكعبة و كما يتحدثون عن كون أحدهم يكلم صاحبه بحاجته
وهو في صلاته جهة الكعبة و كما يتحدثون عن كون أحدهم يكلم صاحبه بحاجته و هو في صلاته زمن النبي صلى الله عليه وسلم حتى أنزل الله ( قوموا لله قانتين) أي ساكتين فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم :
» إن الله يحدث من أمره ما يشاء . و إن مما أحدث من أمره أن
لا تتكلموا في الصلاة
« . لكون أحكام الشرائع من الفرائض و المحرمات تنزل شيئا بعد شيء
وإنما يؤخذ بالأخير فالأخير من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم و أفعاله و أحكامه ، و ملاك الأمر خواتمه ، و كل الصحابة مجمعون على تحريمها كالزنا سوى ما نسب إلى ابن عباس للمضطر ، و قد تحامل عليه الإمام علي رضي الله عنه باللؤم و التعنيف و قال له إنك امرؤ تائه  فرجع ابن عباس عن فتواه و الصحابة كغيرهم يخطئ أحدهم في فتواه و يصيب .

قال في » الروضة الندية « .

( نكاح المتعة ) قال في الحجة : رخص فيها عليه الصلاة و الصيام أياما ثم نهى عنها . أما الترخيص أولا فلمكان حاجة تدعوا إليه كما ذكره ابن عباس فيمن يقدم بلدة ليس بها أهله . أشار ابن عباس أنها لم تكن يومئذ استئجارا على مجرد البضع بل كان ذلك مغمورا في ضمن حاجات من باب تدبير المنزل ، كيف و الاستئجار على مجرد البضع انسلاخ عن الطبيعة الإنسانية
و وقاحة يمجها الطبع السليم .

و أما النهي عنها فلارتفاع تلك الحاجة في غالب الأوقات ، و أيضا ففي جريان الرسم به اختلاط الأنساب لأنها عند انقضاء تلك المدة تخرج من حيزه و يكون الأمر بيدها فلا يدري ماذا تصنع . و ضبط العمدة في النكاح الصحيح الذي بناؤه على التأبيد في غاية العسر فما ظنك بالمتعة و إهمال النكاح الصحيح المعتبر في الشرع فإن أكثر الراغبين في النكاح إنما غالب داعيتهم قضاء شهوة الفرج ، و أيضا فإن من الأمر الذي يتميز به النكاح من السفاح التوطين على المعاونة الدائمة و إن كان الأصل فيه قطع المنازعة فيها على أعين الناس ــ انتهى و في شرح السنة اتفق العلماء على تحريم المتعة هو كالإجماع بين المسلمين ……