الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

معاملة المسلمين للمخالفين لهم في الدين

ان النبي صلى الله عليه وسلم : أعطى أمته مثلا عالياً في تصرفاته ومعاملته مع المخالفين له في الدين من أهل الكتاب وغيرهم من سائر المسالمين لهم .. فقد كان يجيب دعوتهم ويعود مرضاهم ويرد السلام عليهم .

ففي البخاري ومسلم – عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم .. حتى إنهم في تحريفهم الكلم عن مواضعه يقولون السام عليكم .. يعني الدعاء بالموت .. فيرد عليهم النبي صلى الله عليه وسلم .. فيقول وعليكم .

كما في البخاري عن عائشة قالت : إن اليهود اتوا النبي صلى الله عليه وسلم : فقالوا .. السام عليكم .. فقلت بل وعليكم السام واللعنة .. فقال يا عائشة .. ان الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله .. فعليك بالرفق واياك والعنف والفحش . قالت أو لم تسمع ما قالوا . قال أو لم تسمعي ما قلت رددت عليهم فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم في .

لقد سعى رسول الله عليه الصلاة والسلام بشريعته السمحة وعدله الشامل إلى أسس علاقات المسلمين بغيرهم من المخالفين لهم في الدين فسمى الله الإسلام – سلماً – لأنه مبني على المسالمة والأمان .. فقال سبحانه : " يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة " .. فسمى الله الاسلام سلماً .. فهو يؤثر السلم على الحرب .. كما قال سبحانه : " وان جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله " .. أي إذا كنت في حرب مع أعدائك ومالوا إلى السلم والمصالحة فأجبهم إلى ذلك .

وقد جعل الله السلام تحية أهل الإسلام يتبادله المسلمون في صلواتهم وفيما بينهم وخيرهم الذي يبدأ بالسلام فتسلم على من عرفت ومن لم تعرف .

والسلام هو دعاء بالسلامة وبمعنى الأمان فمتى سلم انسان على آخر فرد عليه السلام ... فكأنه قد دخل معه في عهد وأمان .

يقول الله سبحانه - : " يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا " . – أي تثبتوا – " ولا تقولوا لمن القى اليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا وعند الله مغانم كثيرة . كذلك كنتم من قبل فمنَّ الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيراً " .

وسبب نزول هذه الآية .. أن سرية من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جاءوا إلى صاحب غنم .. فلما اقبلوا عليه قال لهم السلام عليكم فلم يردوا عليه وقالوا انه ليس بمسلم وانما سلم علينا ليحرز عنا غنمه بالسلام .. فسبقهم القرآن يخبرهم .. وفيه الأمر بالتثبت حيث كرره مرتين متى ضربوا في الأرض غزاة خشية أن يصيبوا قوماً بجهالة ولأن أعمال الناس يجب أن تجري على حسب ما ظهر منهم ويرشد القرآن الحكيم إلى أنكم كنتم كفاراً مثلهم فهداكم الله إلى الاسلام .. فاشكروا الله على نعمة الهداية فان ربكم يحب الشكر .

ومن سماحة الإسلام ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من أخلاقه ومعاملته مع المخالفين في الدين .. فمن ذلك ما روى أبو داود .. حدثنا سليمان بن حرب .. انبأنا حماد بن زيد عن ثابت عن أنس أن غلاماً من اليهود كان مريضاً .. فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده .. فقعد عند رأسه فقال له أسلم .. فنظر إلى أبيه .. فقال له أبوه .. أطع أبا القاسم .. فأسلم .. فقال النبي صلى الله عليه وسلم الحمد لله الذي أنقذه من النار . وتوفي رسول الله ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين وسقا من شعير .

وروى الطبراني من حديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الجيران ثلاثة .. جار له حق .. وهو الجار الكافر .. له حق الجوار فجعل للكافر حقاً بجواره .ز وجار له حقان .. وهو الجار المسلم .. له حق الجوار وحق الإسلام وجار له ثلاثة حقوق .. وهو الجار الرحم .. له حق الجوار وحق الإسلام وحق القرابة .

وكان ابن عباس يقول .. هلا أهديتم إلى جارتنا اليهودية .. حتى قال له غلامه .. كم تقول لنا هذا من كثرة ما يكرره عليهم .. فقال ان النبي صلى الله عليه وسلم أوصانا بالجار حتى ظننا أنه سيورثه ..

ومن سماحة الخلفاء الراشدين مع المخالفين لهم في الدين ما ذكر الموفق بن قدامه في رسالته " الرد على الموسوسين "

وحاصله أن عمر لما قدم الشام .. صنع أهل الكتاب له طعاماً فدعوه فقال أين هو .. قالوا في الكنيسة ، فكره دخولها وقال لعلي : اذهب بالناس فذهب علي بالمسلمين .. فدخلوا وأكلوا وجعل علي ينظر إلى الصور وقال : ما على أمير المؤمنين لو دخل وأكل .

فالإسلام والرسول عليه الصلاة والسلام يحث على الإحسان على المسلم والمخالف له في الدين وقد سأل الصحابة عن الصدقة على أقارب لهم من المشركين .. فأنزل الله : " ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله .. وما تنفقوا من خير يوف اليكم وأنتم لا تظلمون " .

فأمروا بالصدقة عليهم . كما يدل قوله سبحانه : " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا اليهم إن الله يحب المقسطين "
انه لما امتد سلطان المسلمين على البلدان الأجنبية واتسعت فتوحهم على الأقطار الأجنبية صاروا يعاملون أهل الكتاب بأحسن معاملة من العطف واللطف والمساواة في الحقوق .. لأن شريعة الإسلام توجب على المسلم أن يتواضع مع خصمه من أهل الكتاب في الجلوس للقضاء مهما كانت منزلته ورئاسته .. كما جلس علي بن أبي طالب رضي الله عنه مع اليهودي صفاً بصف بين يدي عمر بن الخطاب فقضى بينهما .. حتى إن علياً رضي الله عنه أدرك على عمر قوله له .. قم يا أبا الحسن واجلس مع خصمك ، فمن بعد الفراغ من الخصومة .. قال عمر : أكرهت يا علي أن تجلس مساوياً لخصمك .. فقال علي رضي الله عنه كلا .. ولكني كرهت حين قلت يا أبا الحسن .. يريد أن الكنية تشير إلى التعظيم أمام الخصم .

وكان أهل الكتاب يعيشون مع المسلمين متجاورين متساعدين .. لكم دينكم ولي دين " .. فلا يتعدى بعضهم على بعض ولا يجعلون اختلاف عقائدهم سبباً لمثار النزاع بينهم .. وصار النصارى يعيشون مع المسلمين في أمان واطمئنان . لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين .. وسموا أهل الذمة من أجل أنهم في ذمة الله وذمة المؤمنين من رامهم بسوء غرم وأثم .

وفي صحيح البخاري .. أن عمر بن الخطاب أوصى في مرضه بأهل الذمة وقال : أوصى الخليفة من بعدي بأهل الذمة خيراً بأن يقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم .. فصار الجميع يتعاونون على الكسب والسعي والعمران وفنون العلم والعرفان .. وأخذ الخلفاء الراشدون والصحابة والتابعون ينشرون عليهم ظلا ظليلا من الرعاية والاحترام .. فيحترمون معابدهم وكنائسهم ، فلا يتعرض لها أحد منهم بضرر ولا يمنع أهلها من دخولها .. ثم إن المسلمين يعولون سائر العجزة والعميان ومن لا كسب له فيقومون بكفايته من المعيشة والكسوة كسائر ضعفة الملمين .

وفي الصلح الذي أجراه رسول الله مع وفد نجران ما يدل على ذلك . فقد روى أبو عبيد – رحمه الله – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صالح أهل نجران فكتب لهم كتاباً : بسم الله الرحمن الرحيم – هذا ما كتبه محمد النبي لأهل نجران وحاشيتها .. لهم ذمة الله ورسوله على دمائهم وأموالهم وملتهم وصلبانهم وبيعهم – أي كنائسهم – ورهبانهم وأساقفتهم – أي علمائهم – على أن لا يغير لهم أسقفاً ولا راهباً من رهبانيتهم وعلى أن لا يخسروا ولا يعشروا ومن ملك منهم حقاً فالنصف بينهم على أن لا يأكلوا الربا .. فمن أكل الربا منهم فذمتي منه بريئة وعليهم الجهد فيما استقبلوا غير مظلومين ولا معسوف عليهم .. شهد عثمان بن عفان ومعيقيب والاقرع بن حابس وغيلان بن سلمه وأبو سفيان ابن حرب .

وقد قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم فرش لهم عباءته وأجلسهم عليها .

وقد عمل الخلفاء الراشدون مع المخالفين لهم في الدين كل ما أوصى به رسول الله في هذا الصلح الواقع بينه وبين أهل نجران .. فأبقوهم على عقيدتهم وملتهم وصلبانهم وكنائسهم فلم يكرهوا أحداً على الخروج عن دينه وبسبب هذا التسهيل وعدم الإكراه في الدين أخذ النصارى يدخلون في دين الله أفواجاً طائعين مختارين .. ومن أقام منهم على دينه فانه آمن على نفسه وماله وعياله .

وقد أساء النصارى الصنيع مع المسلمين في هذا الزمان وفي كثير من البلدان ضد ما فعله بهم المسلمون وضد ما كان عليه قدماء النصارى . فان من تعاليم المسيح .. الأمر بالهدوء والعفو والصفح وعدم الانبعاث بالشر .. لكنهم لما تباعدوا عن تعاليم المسيح أخذوا يتميزون بالحقد والشحناء على المسلمين ، وسفك الدماء والتمثيل وتشويه الأبرياء وخطف الأولاد والنساء وهدم المساجد المشيدة للعبادة وقتل الرهبان في كنيستهم .. ودين الإسلام وسائر الأديان تحرم قتل الرهبان وهدم المساجد والكنائس وسائر المواضع المشيدة للعبادة وناهيك بحوادث لبنان في هذا الزمان فانها لم تشهد لبنان ولا غيرها من البلدان أبشع ولا أشنع منها .. حتى صارت لبنان نيراناً مستعرة وأنقاضاً مستقذرة .

وهذا العمل بهذه الصفة ينذر بشر العواقب وأسوأ النتائج عليهم وعلى كافة الناس معهم .. " ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً " .

والفقهاء المتقدمون لم يهملوا حقوق أهل الذمة .. فقد نصوا على وجوب الرفق بهم ودفع من يتعرض لأذيتهم .. فقال الشهاب القرافي – وهو من كبار أئمة التشريع في الإسلام ، في كتابه الشهير " الفروق " ..

ان عقد الذمة يوجب لهم حقوقاً علينا لأنهم في جوارنا وفي حفادنا وفي ذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم ودين الإسلام .. فمن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء أو غيبة في عرض أحدهم أو أي نوع من أنواع الأذية أو أعان على ذلك .. فقد ضيع ذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم وذمة دين الإسلام .

وقال الإمام ابن حزم في مراتب الاجماع .. إن من كان في الذمة وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح ونموت دون ذلك فان تسليمه اهمال لعقد الذمة وقد شهد المؤرخون من سائر الأمم بأنه ما عرف فاتح أعز ولا أقوى ولا أسرع سيراً في الفتوح من المسلمين حين دخل الإيمان قلوبهم بل ولا أعدل ولا أرحم منهم .. وإنهم لم يتوصلوا إلى ما تحصلوا عليه إلا بالإيمان بالله وحده والسياسة بالعدل والإصلاح .. وان جميع الشعوب لم يخضعوا لهم ويدينوا بدينهم ويتعلموا لغتهم إلا لما ظهر لهم من أن دينهم هو دين الحق الكفيل بسعادة البشر كلهم الصالح لكل زمان ومكان الذي نظم حياة الناس أحسن نظام .

فهو السبب الأعظم الموجب لدخول الناس من جميع الأمم في دين الله أفواجاً أفواجاً طائعين مختارين وهذا أمر مشهور ومشهود به من بين سائر الأمم . يعرفه كل من عرف الإسلام وأهله ..

قال لوثروب ستود آرد – الأمريكي – في كتابه " حاضر العالم الإسلامي " .

كان لنصر الإسلام هذا النصر الخارق للعادة عوامل ساعدت عليه أكبرها أخلاق العرب وماهية تعاليم صاحب الرسالة وشريعته السمحة .

وقد عرف العرب بدورهم كيف يسوسون الحكم ويوثقون السلطان حتى دانت لهم أمور الملك واستقرت نقطة دائرية في أيديهم .

فالعرب السملمون في فتوحهم لم يكونوا قط أمة تحب إراقة الدماء وترغب في الاستلاب والتدمير . بل كانوا على الضد من ذلك .. أمة موهوبة جليلة الأخلاق والسجايا تواقة إلى ارتشاف العلوم محسنة في اعتبار نعمة التهذيب .. تلك النعمة التي انتهت اليها من الحضارات السالفة.. وإذ شاع بين الغالبين والمغلوبين التزاوج ووحدة المعتقد كان اختلاط بعضهم ببعض سريعاً وعن هذا الاختلاط نشأت حضارة جديدة .. الحضارة العربية الإسلامية .

فسارت الممالك الإسلامية في القرون الثلاثة الأولى من تاريخها أحسن سير .. فكانت أكثر ممالك الدنيا حضارة ورقياً وتقدماً وعمراناً مرصعة الأقطار بجواهر المدن الزاهرة والحواضر العامرة والمساجد الفخمة والجامعات العلمية المنظمة طول هذه القرون الثلاثة .

قال الدكتور جوستاف لوبون : في كتابه " حضارة العرب " .. سيرى القاريء حينما نبحث في فتوح العرب وأسباب انتصاراتهم أن القوة لم تكن هي العامل في انتشار الإسلام ولكن العرب تركوا المغلوبين أحراراً في أديانهم .. فانتحل بعض الشعوب من النصارى دين الإسلام واتخذوا العربية لغة لهم وديناً لما يتصف به العرب الغالبون من ضروب العدل الذي لا عهد للناس بمثله ولما كان عليه دين الرسول من السهولة التي لم تعرفها الأديان الأخرى قبله .

وقال أيضاً في موضع آخر : يمكن أن تُعمِي فتوح العرب الأولى أبصار أناس فيقترفون ما يقترفه الفاتحون عادة ويسيئون معاملة المغلوبين ويكرهونهم على اعتناق دينهم الذي كانوا يرغبون في نشره في أنحاء العالم .. ولو فعلوا ذلك لتألبت عليهم جميع الأمم .

ولكن الخلفاء السابقين – أي الراشدين الذين كان عندهم من العبقرية ما يندر وجوده في عادة الديانات .. أدركوا أن النُظم والأديان ليست مما يفرض قسراً على الناس .. فعاملوا أهل سورية ومصر وأسبانيا وكل قطر استولوا عليه بلطف عظيم تاركين لهم قوانينهم ونظمهم ومعتقداتهم فارضين عليهم جزية زهيدة في مقابل حمايتهم لهم وحفظ الأمن بينهم .

والحق إن الأمم لم تعرف فاتحين راحمين متسامحين مثل قدماء المسلمين فرحمتهم وتسامحهم كان من أسباب اتساع فتوحهم واعتناق الكثير من الأمم لدينهم ونظمهم ولغتهم التي رسخت وقاومت جميع الغارات وبقيت قائمة ومخلدة حتى بعد تواري سلطان العرب عن مسرح العالم وان أنكر ذلك المؤرخون .

وقال ميشود – في كتابه " تاريخ الحروب الصليبية " .

ان الإسلام الذي أمر بالجهاد – هو متسامح نحو الأديان الأخرى وقد أعفى البطاركة والرهبان وخدمهم من الضرائب وقد حرم قتل الرهبان على الخصوص لعكوفهم على العبادات .. ولم يمس عمر بن الخطاب النصارى بسوء حين فتح القدس .. وقد ذبح الصليبيون من المسلمين العدد الكثير وحرقوا اليهود عندما دخلوها ..

 فهذه المقالات من المؤرخين الذين يعتنون بضبط الحوادث وتشخيصها على صفتها وهم لا يمتون إلى الإسلام بصلة وانما يعطون الحوادث حقها من العناية والتفصيل .. وكفى بالله شهيدا .