![]() |
|
|
حروب
الصحابة لفارس والروم وأما حرب الخلفاء الراشدين لفارس والروم .. فقد اشتبه أمرها
على بعض العلماء المتقدمين من الفقهاء والمفسرين بما فهموه من بعض الآيات وبعض
الغزوات والسرايا مما يوهم أن المسلمين هم البادئون بالحرب لسائر الأمم وخاصة
حروبهم في فتح البلدان زمن الخلفاء الراشدين فيظنون كل الظن أنه هجوم محض ، وخفي
عليهم سبب بداءة الحرب بينهم وبين المشركين وبينهم وبين فارس والروم بتسلط النصارى
على المسلمين بقتلهم كل من أظهر اسلامه في سائر البلدان التي سيطروا عليها في
الشام وغيرها .. فهذا وإن ظنه بعض الناس هجوماً لكنه حقيقة دفع لشرهم . ان الغرض من الحرب ونتيجتها هو دفع الاعتداء والظلم
واستتباب الأمن وعبادة المسلمين ربهم آمنين في دينهم ووطنهم واعلاء كلمة الحق
ودعوة الدين وتنفيذ شريعة الله لكافة البشر والذي قال الله فيه : " وأوحي
إليَّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ " . وقال : " ورضيت لكم الاسلام
ديناً " . إذ لولا هذا القتال الذي شرعه الله .. " لهدمت صوامع
وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره .. ان الله
لقوي عزيز .. الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا
بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور " . ونصر الله هو أن يقصد بالحرب حماية الحق وإعلاء كلمته . أما حروب الصحابة لفارس والروم فان الأصل فيها : انها – لما اجتمعت كلمة أكثر العرب في الجزيرة على الإسلام
وعلى التمسك به ، والعمل بموجبه ، صار أؤلئك الجيران أعداء لكل من أظهر الإسلام
فيؤذونهم ويضربونهم . وقد قتل النصارى بعض من أسلم من المسلمين بالشام .. فهم
بدأوا بحرب المسلمين بغياً وظلماً .. والمسلمون متكافلون كالجسد الواحد إذ اشتكى
بعضه اشتكى كله .. فيجب الدفاع عن أفرادهم كما يدافعون عن أنفسهم وأولادهم
وبلدانهم فيقاتلون في سبيل ذلك حتى تزول الفتنة عن الدين وعن المؤمنين المستضعفين
. فأرسل رسول الله سرية أمّر عليهم زيد بن حارثة ، ثم جعفر بن أبي طالب ثم ابن
رواحة ، وهو أول قتال قاتله المسلمون مع النصارى بمؤتة من أرض الشام . وكان جيران جزيرة العرب من الروم بالشام ومصر وفارس والعراق
اعتدوا على بعض من أسلم من المسلمين .. فأخضعوهم لسلطانهم وكانوا يكتبون لبعض
المسلمين يدعونهم إلى دينهم كما كتبوا لكعب بن مالك لما هجره رسول الله على تخلفه
عن غزوة تبوك . وكان الصحابة يترقبون هجوم غسان عليهم . وهم ملوك الشام لما بلغهم
أنهم ينعلون الخيل لغزوهم حتى أصيبت المدينة بالخوف الشديد من ترقب هجومهم .. وعند
ذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم : بغزوة تبوك لما بلغه أن الروم قد جمعوا جموعاً
كثيرةً بالشام وقدموا مقدماتهم إلى البلقاء لقتال المسلمين وساعدهم على ذلك منتصرة
العرب . ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج في ذلك الوقت الحرج وكان
المسلمون في شدة من العسرة والمجاعة وانقطاع الظهر .. سميت غزوة العسرة وهي الغزوة
التي ظهر فيها صدق المؤمنين ونفاق المنافقين . وقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم
شجاع بن وهب الأسدي بكتابه إلى حارث بن شمر الغساني يدعوه إلى الإسلام . وكانت غسان هم ملوك عرب الشام وكانوا حرباً لرسول الله .
قال شجاع فوجدتهم ينعلون خيولهم لمحاربة رسول الله وأصحابه ... فانتهيت اليه وهو
في غوطة دمشق وهو مشغول بتهيئة الانزال والأبطال لقدوم قيصر . وقد أقبل من حمص إلى
ايلياء ( القدس ) .. قال .. فأقمت على بابه يومين أو ثلاثة فقلت لحاجبه إني رسول –
رسول الله اليه . فقال انك لا تصل اليه حتى يخرج يوم كذا وكذا .. وجعل حاجبه وكان
رومياً يسألني عن رسول الله .. فكنت أحدثه عنه وما يدعو اليه ، فيرق قلبه حتى يغلب
عليه البكاء ويقول إني قرأت الإنجيل فأجد صفة هذا النبي بعينه .. فأنا أومن به
وأصدقه لكني أخاف من الحارث أن يقتلني متى علم باسلامي . قال شجاع – وخرج الملك – أي الحارث الغساني – يوماً فجلس
فوضع التاج على رأسه وأذن لي بالدخول عليه فدفعت اليه كتاب رسول رسول الله صلى
الله عليه وسلم فقرأه ثم رمى به كالكاره له ، وقال : من ينزع مني ملكي .. وقال إني
سائر إلى صاحبك ولو كان باليمن .. ولم يزل تعرض عليه الخيول ويأمر أن تنعل ثم قال لي اخبر
صاحبك بما ترى .. وكتب إلى قيصر يخبره بخبري وما عزم عليه من غزو الرسول وأصحابه
وأجابه قيصر وقال لا تسر ولا تعبر اليه واله عنه .. فلما جاءه كتاب قيصر دعاني ..
فقال متى تريد أن ترجع إلى صاحبك ؟ فقلت غداً فأمر لي بمائة مثقال ذهباً ووصلني
حاجبه بنفقة وكسوة ، وقال حاجبه اقرأ على رسول الله مني السلام . فقدمت على رسول
الله وأخبرته خبره .. فقال رسول الله : باد ملكه . من المعلوم .. أن فارس والروم كانتا أمتي حرب وقتال ،
ولديهما الاستعداد التام بالعدد والعتاد وقد ضربتا بجيرانيهما على ما جاورهما من
بلاد العرب ، وسعيا سعيهما في اضلال العرب وإفساد دينهم ، وفي تنكرهم على رسول
الله وعدم اجابتهم له . والعرب مستذلون تحت سلطانهم وسيطرتهم ولم يستقلوا استقلالا
تاماً إلا بعد الإسلام . فلما علما باسلام العرب .. أخذا يعملان عملهما في التضييق
عليهم وتعذيبهم كي يرجعوا عن دينهم .. لأنه ساءهما دخول أكثر العرب الإسلام ..
وخشوا صولة الدين عليهما مما يخافان أن يقوض ممالكهما .. فكان كل منهم يهدد دعوة
الإسلام في بلاده وبجواره ويمنعون أشد المنع من نشرها في بلادهم .. وكانوا يؤذون
كل من يظنون أنه أسلم .ز فكانت حرب الصحابة كلها لأجل حماية الدعوة وحماية
المسلمين من تغلب القوم الظالمين . لا لأجل الإكراه على الدخول في الدين . إن التنازع بين الناس في مرافق الحياة ووسائل المال والجاه
والسلطان كله غريزة من غرائز البشر ، وقد يقضي التنازع إلى التعادي والاقتتال بين
الجماعات كما هي عادة البشر من قديم الزمان ، وقد يكون التنازع والتقاتل لسبب تملك
الأقطار واتساع العمران وتسخير الناس للسلطة الظالمة والسلطان الجائر .. فيكون
ضرره كبيراً وشره مستطيراً . أما القتال المذكور في القرآن وفي سيرة الرسول
وخلفائه وأصحابه فانه مبني على قواعد العدل والرحمة وعموم المصلحة للبشر كلهم ،
فما كان النبي صلى الله عليه وسلم يطلب بالقتال ملكاً ولا مالا ولا سلطاناً ، وقد
عرض عليه رؤساء قريش كل ذلك على أن يكف عن دعوته فلم يقبل ، وانما يطلب أن تكون
كلمة الله هي العليا ودينه الظاهر . وكان قتاله ودفاعه في سني الهجرة دفاع الضعيف
للقوي إلى أن أظفره الله وأظهره على قريش بفتح مكة عنوة . إن المسلمين في دعوتهم لأمتي فارس والروم لم يستعملوا القوة
في بداية امرهم .. وانما كانوا يطلبون من الممتنعين بأن يسمحوا لهم بنشر دين الله
في بلادهم . دين الحق . دين جميع الخلق والذي أوجب الله بأن ينذروا به ويبلغوه
جميع خلقه يقول الله : " لأنذركم به ومن بلغ " . فهم ينذرون ويحذرون
ويبشرون بقول الله سبحانه : " يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً
مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير .. قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي
به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور باذنه ويهديهم
إلى صراط مستقيم " . لأنه دين الفطرة السليمة والطريقة المستقيمة وان الناس
ينصاعون لاستجابة دعوته ومن لوازمه تقويض دعائم ملكهم وسلطانهم..وحتى النصارى في
هذا الزمان فان أشد ما يقع باسماعهم هو الدعوة إلى الدين . وهذه غاية القتال لأهل الكتاب المشار اليها بقوله تعالى :
" قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله
ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم
صاغرون " . ان قيام الإسلام انما هو بالدعوة والحجة ، وانتشاره السريع
على بلدان العالم انما هو بموافقته للفطرة والمصلحة .. ان الدين عند الله الإسلام
ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين . فكان
الصحابة في فتوحهم لا يتقدمون خطوة إلا والدعاة أمامهم يبينون للناس حقيقة الإسلام
وما يترتب عليه من الفضل في الدنيا والسعادة في الآخرة وبسبب هذا القتال في سبيل
حرية الدعوة حصل ما ترتب عليها من الفتوح للأقطار وسائر الأمصار حتى انتشر فيها
الاسلام وصار أكثر النصارى من الأمم حنفاء لله يعبدونه ولا يشركون به شيئاً . ثم إن المسلمين عاملوا من دخل تحت سلطانهم معاملة حسنة
بمقتضى العدل والإنصاف حيث ساووهم بأنفسهم في جميع معاملات الحياة وأقاموا أنفسهم
مقام الحماة لهم دون دمائهم وأموالهم فلا يتعرض لهم أحد بسوء ، ولا إلى معابدهم
ومقدساتهم . وقد أوصى عمر بأهل الذمة خيراً بأن يقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم
.. وهذا مما تواترت به الأخبار تواتراً صحيحاً لا يقبل الشك والجدل . " يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من
الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير .. فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل
شيء قدير .. قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا
الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فان تولوا
فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون " . وحيث أمر الله بابلاغ القرآن والانذار به والدعوة إلى دينه
بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال مع المخالفين بالتي هي أحسن .. فمتى منع المسلمون
من ذلك وهدد الدعاة أو منعوا من نشر دعوتهم في البلاد فان المانعين لهم يعتبرون
بأنهم معتدون على الدين وعلى الخلق أجمعين بقطع سبيل الدعوة إلى ربهم وإلى ما فيه
صلاحهم وصلاح البشر كلهم . فبسبب منعهم عن نشر دين الله في بلادهم فعند ذلك يعتبر
المسلمون بأنهم مكلفون من الله باقتحام كل شدة ومشقة وخوض كل خطر وضرر في سبيل نشر
دين الله فيقاتلون في سبيل الله دفعاً لشرهم .. فإن الاعتداء على الدين أضر من
الاعتداء على الأنفس والأموال والفتنة أشد من القتل . يقول الله : " وقاتلوهم
حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله " . فالإسلام لم يدع إلى قتال الكفار إذ هم أذعنوا ولم يعتدوا
على الإسلام والمسلمين بشركهم ولا تشكيكهم ولم ينقصوا المسلمين شيئاً ولم يظاهروا
عليهم عدوهم .. فان أجابوا الدعوة قبل منهم . وإن امتنعوا طلب منهم الجزية وهي نزر
حقير ترمز لخضوعهم للإسلام وارتباطهم بعهده وعقده وكف الأذى والاعتداء على الدين
وعلى المسلمين مع بقائهم على دينهم . ثم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على
المسلمين . والحقيقة أن المسلمين انما شهروا سيوفهم لضرورة الدفاع عن
أنفسهم وكفاً للعدوان عنهم وعن دين الله الذي أمروا أن يبلغوه . فهم لم يستعملوا
القوة إلا عند الحاجة وفي حالة الضرورة وقد فتحوا بعض البلدان بدون قتال لموافقة
أهلها لدخولهم ونشر دعوتهم فيها . وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في
القتال مبنية على قواعد العدل والرحمة وعموم المصلحة لكافة البشر من غير اعتداء
على دين أحد أو ماله .. ما دام محافظاً على ذمته وعهده . |