![]() |
|
|
الفتح
الأكبر الذي أعز الله به الإسلام ونصر و أذلّ به الباطل وكسر قال الله سبحانه : " انا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر
للك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيما وينصرك
الله نصراً عزيزاً " . المراد بالفتح هنا هو صلح الحديبية لكونه انفتح به ما هو
مغلق بين الرسول وأصحابه وبين كفار قريش . ولما نزلت هذه الآية قال الصحابة :
هنيئاً مريئاً هذا لك يا رسول الله فما لنا ؟ فأنزل الله " ليدخل المؤمنين
والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك
عند الله فوزاً عظيماً " . حاصلها انها لما اشتدت حالة الحرب بين الرسول وبين
كفار قريش وقد كثر أصحاب رسول الله وقويت شوكتهم بتوفر عددهم وعدتهم .. ففي السنة
السادسة من الهجرة رأى رسول الله في منامه أنه وأصحابه يطوفون بالبيت محلقين رؤوسهم
ومقصرين كما قال سبحانه : " لقد صدق الله ورسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد
الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل
من دون ذلك فتحاً قريباً " . أي صلح الحديبية . وكانت الحديبية عيناً تقع على حدود الحرم من جهة جده ونزل
رسول الله بأصحابه خارج الحرم وإذا أراد أن يصلي دخل حدود الحرم لمضعفة ثواب
الصلاة فيه . فعزم رسول الله على العمرة وأنه سيقاتل المشركين إن صدوه عن
البيت ودعا أصحابه إلى بيعة الرضوان تحت الشجرة فبايعوه على الموت بأن لا يفروا
فأحرموا من ميقاتهم للعمرة واستنفر من حوله من الأعراب فاعتذروا قائلين : شغلتنا
أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا ، وذلك لظنهم أن الرسول وأصحابه لن يرجعوا سالمين
فخرج رسول الله بمن معه من المهاجرين والأنصار وعددهم الف وخمسمائة وكان مع رسول
الله زوجته أم سلمة وقلد الهدي معه ليعلم الناس أنه لم يأت للقتال وانما جاء
للاعتمار . وبعد أن وصل إلى عسفان جاءه عنه فأخبره بأن قريشاً أجمعت
رأيها على أن يصدوه عن دخول مكة وأن لا يدخلوها عليهم عنوة أبداً وتجهزوا للحرب
فبعد المراجعة بينهم وبين رسول الله اتفق رأيهم أن يرسلوا سهيل ابن عمرو لإجراء
عملية الصلح فلما أقبل سهيل قال رسول الله : قد سهل لكم من أمركم فبرزوا لعقد
الصلح وكان الكاتب علي ابن أبي طالب رضي الله عنه فقال رسول الله : اكتب بسم الله
الرحمن الرحيم فقال سهيل : لا تكتب بسم الله اكتب باسمك اللهم ثم قال هذا ما صالح
عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو فقال : لا تكتب رسول الله فلو كنا نعلم أنك رسول
الله ما قاتلناك . فقال : امح رسول الله واكتب محمد بن عبد الله والصلح على وضع
الحرب عشر سنين يأمن فيه الناس ويكف بعضهم عن بعض وعلى أن من جاءك مسلماً رددته
الينا ومن جاءنا منكم لم نرده عليكم وعلى انكم ترجعون عامكم هذا فلا تدخلوا مكة
حتى لا يتحدث الناس أنكم أخذتمونا ضغطاً وفي العام القابل تعتمرون بالسيوف في
القرب ، وفي أثناء الكتابة جاء أبو جندل فاراً بدينه من مكة فرمى بنفسه بين
المسلمين فقال سهيل : هذا أول ما نقاضيكم على رده . فطلب رسول الله أن يسمح له به
فأبى فأمر رسول الله برده اليه . وبعد ما تم عقد الصلح أمر رسول الله أصحابه بأن يحلوا من
احرامهم وينحروا هديهم فتلكئوا ووقع الاضطراب بينهم عندما رأوا ابا جندل مردوداً
إلى الكفر فقالوا يا رسول الله كيف من جاءنا مسلماً نرده إليهم ومن جاءهم مرتداً
منا لا يردونه الينا . فقال رسول الله : ان من جاءنا مسلماً فسيجعل الله له فرجاً
ومخرجاً ومن جاءهم مرتداً منا فأبعده الله ثم جاء عمر إلى أبي بكر فقال يا أبا بكر
ألسنا على الحق وعدونا على الباطل قال : بلى . قال : أو ليس قتلانا في الجنة
وقتلاهم في النار . قال : بلى . قال : فلم نعط الدنية في ديننا ؟ فقال انه رسول
الله فاستمسك بغرزه ثم جاء إلى رسول الله فقال له مثل ذاك وقال ألم تقل لنا انكم
ستأتون البيت وتطوفون به فلماذا نرجع عنه . فقال : هل قلت لكم هذه السنة ٌال : لا
. قال فانكم ستأتونه وتطوفون به . وكان رسول الله قد رأى في منامه أنهم يدخلون البيت ويطوفون
به فأخبر أصحابه بذلك فظنوا أن هذا أمر واقع لهذه السفرة وهذا في قوله : "
لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين
رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فجعل من دون ذلك فتحاً قريبا " . وفي الصلح أن من دخل في عقد رسول الله وعهده فانه منه ومن
دخل في عقد قريش وعهدها فانه منهم فدخل في عقد قريش خزاعة ودخل في عقد قريش بكر
وغطفان فنحر رسول الله هديه وحلق رأسه وتتابع الصحابة على ذلك وحلوا من احرامهم
ورجعوا إلى المدينة ثم إن قريشاً مع من أعانهم من عرب الحجاز ونجد هجموا على خزاعة
في حال غفلة منهم فقتلوهم وبذلك انتقض عهدهم وعزم رسول الله على غزوهم وقال : (
اللهم عم الأخبار عن قريش حتى نبغتها في دارها ) . فلما عزم على الخروج كتب حاطب بن أبي بلتعة اليهم يخبرهم
بعزم رسول الله على غزوهم وقال في كتابه : يا معشر قريش ان محمداً قد عزم على
غزوكم بجيش كالسيل يختفي بالنهار ويسير بالليل والله لو جاءكم وحده لنصره الله
عليكم فانظروا في أمركم والسلام . وأرسل الكتاب مع امرأة فنزل الوحي بخبرها . وأرسل علياً والمقداد لذلك وقال انكم ستأتون امرأة ظعينة
بروضة خاخ ومعها كتاب فخذاه منها فوجدوها كما وصفها رسول الله في روضة خاخ فقالا
هات الكتاب فقالت ليس معي كتاب فقالا والله لتخرجن الكتاب أو لنجردن الثياب فأخرجت
لهما الكتاب من عقاص شعرها فقال رسول الله لحاطب ما حملك على ذلك ؟ فقال والله ما
فعلته ردة عن الإسلام وما من أحد من قريش إلا وله قرابة يحمون ماله وليس لي أحد
فأردت أن أجعلها يداً عندهم يحمون بها مالي . فقال رسول الله : قد صدقكم . فقال
عمر دعني أضرب عنقه . فقال انه من أهل بدر وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر
فقال اعلموا ما شئتم فقد غفرت لكم . فصار صلح الحديبية الذي كرهه أكثر المسلمين
ويرون أن فيه غضاضة وهضماً للمسلمين فصار عاقبته فتحاً ونصراً مبيناً وبه فتح الله
مكة لرسوله فدخلها رسول الله والمسلمون عنوة وسلاح أهلها بأيديهم مستعدين لحرب
رسول الله وأصحابه فوسع نطاق الأمن للناس وقال ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن ومن
دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن أغلق بابه عليه فهو آمن – وكانت راية الأنصار مع
سعد بن عباده ولما سمعه يرتجز في تمنيه للقتال ويقول اليوم يوم الملحمة اليوم
تستحل فيه الكعبة فأخذ الراية منه ودفعها إلى ابنه قيس وقال : للصحابة أنه سيلقاكم
أوباش قريش فاياكم تحصدوهم . وكان رجل يصلح سلاحه لمحاربة رسول الله وأصحابه وعنده زوجته
فقالت له ما أرى أحداً يقوم لمحمد وأصحابه فقال إني أرجو أن أخدمك أحدهم ثم أخذ
يرتجز ويقول : ان يقبلوا
اليوم فمالي عله هـذا
سلاح كامـل واله وذو غرارين
سريع السله ثم أخذ سلاحه وخرج ثم رجع سريعاً مذعوراً . وقال لزوجته
اغلقي عليَّ الباب فقالت له ما أسرع ما رجعت فأخذ ينشد : انك لو
رأيت يوم الخندمـة إذ فر
صفوان وفر عكرمــه واستقبلتنا
بالسيوف المسلمه يقطعن
كل ساعد وجمجمــه لهم نهيت
خلفنا وهمهمــه لم تنطقي
في اللوم أدنى كلمـه ولما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة مؤيداً منصوراً
ومحشوداً محفوداً ، ورأى النساء يصرخن بالبكاء ويرمين خمرهن في وجوه الخيل خوفاً
على أولادهن وأزواجهن من القتل . التفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر
فقال ما يقول حسان في مثل هذا . فقال يقول : عدمنا
خيلنا لم تروهــا تثير
النقع موعدها كـداء ينازعن الأعنة مصغيات على اكتافها الاسل
الظماء تظل
جيادنـا متمطرات يلطمهن
بالخمـر النساء ثم ان رسول الله وسع مجال الأمان للناس – فقال : ( من دخل
المسجد الحرام فهو آمن ، ومن أغلق بابه عليه فهو آمن ، ومن دخل دار أبي سفيان فهو
آمن ، ومن وضع سلاحه فهو آمن ) ، فوضعوا كلهم سلاحهم وصدق عليهم قول الشاعر : دعا
المصطفى دهراً بمكة لم يجب وقد
لان منــه جانب وخطاب ولمــا
دعــا والسيف بكفــه لــه
اسلموا واستسلموا وأنابوا ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع قريشاً ، فقال لهم
: ( ما تظنزن أني فاعل بكم ؟ ) فقالوا : أخ كريم وابن أخ كريم ، لقد آثرك الله
علينا وإن كنا لخاطئين فقال لهم ( اذهبوا فأنتم الطلقاء ) وسموا الطلقاء من يومئذ
.. وهم مسلمة الفتح ولم يقتل منهم سوى افراد يعرف أن بقاءهم يفسد بقيتهم . منهم
عقبة بن أبي معيط – الذي وضع سلاء الجزور على رأس رسول الله وهو ساجد . ومنهم
النضر بن الحارث – الذي كان يهجو رسول الله بشعره ، ولما أعلن لهم بالعفو الشامل
قام أبو سفيان ابن حرب – فانشد ابياتاً منها : لعمرك اني
حين أحمــل لتغلب
خيلُ اللاتِ خيلَ محمد لكالمدلج
الحيران اظلم ليلهُ فهذا
أواني حين أهدى فأهتدي هداني هاد
غير نفسي ودلني على الله من
طردته كل مطرد فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال له ( أنت
طردتني كل مطرد ) ! ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك أهل مكة على حالتهم
وعلاَّتهم ولم يثبت التاريخ أنه سأل واحداً منهم عن اسلامه بل تركهم حتى دخلوا في
الإسلام باختيارهم ورغبتهم تدريجا وصدق عليهم قوله سبحانه : " عسى الله أن
يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم " . وقد أمر الله نبيه بأن يقول : " قل يا أيها الناس قد
جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فقل انما أنا من المنذرين " . ولو كان قتال الكفار مشروعاً حتى يسلموا لوجب أن يميز النبي
صلى الله عليه وسلم بين من اسلم فيستبقيه وبين من أصر على كفره فيقتله . وبعد فتح
مكة أخذ الناس يدخلون في دين الإسلام أفواجاً أفواجاً طائعين مختارين لكون عرب
الحجاز ونجد قد استأنوا بإسلامهم فتح مكة . وقالوا إن كان محمد رسولا فسيظهر على
قريش ويفتح مكة . وإن لم يكن رسولا فستظهر عليه قريش ويقتلونه . ولما فتح الله
عليه مكة أقبلت وفود العرب من كل فج عميق يظهرون إسلامهم . وأنزل الله سبحانه " إذا جاء نصر الله والفتح ، ورأيت
الناس يدخلون في دين الله أفواجاً . فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا "
. وفي هذه السورة اشعار باقتراب أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم . |