الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

حوار الصلح والمعاهدة والمهادنة بين المسلمين والمشركين

إن دين الإسلام هو دين الصلاح والآصلاح يقول الله تعالى : " لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس " .

فليس الدين بحرج ولا اغلال دون الكمال .... يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم به لعلكم تذكرون ... وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقصوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا ، إن الله يعلم ما تفعلون .. ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة انكاثاً أيمانكم دخلا بينكم ان تكون أمة هي أربى من أمة .

ولا يزال الصلح والمعاهدة والمهادنة جارياً بين المسلمين وبين أضدادهم من المشركين من لدن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين وأصحابه وسائر حكام المسلمين . لأن أحوال الأمم تدور بين السلم القريره والحرب المبيرة والمداجاة الغفيرة أي المهادنة مع العداوة .

ولا ينبغي أن ننسى اجراء الصلح من رسول الله مع قريش في صلح الحديبية عام ست من الهجرة  ونهايته .. فإن فيه ظاهر الأمر نوع هضم وضيم على الإسلام والمسلمين وفي عاقبته نصر من الله وفتح قريب .

وحاصله أن النبي صلى الله عليه وسلم صالح مشركي قريش في صلح الحديبية على وضع الحرب عشر سنين .. يأمن فيه الناس ويكف بعضهم عن بعض وعلى أن يرجع بأصحابه هذه السنة فلا يدخلوا البيت ، وكان هو وأصحابه قد احرموا بالعمرة وعلى أن من دخل في عقد الرسول وعهده فهو منه ومن دخل في عقد قريش وعهدهم فهو منهم . فدخل في عقد الرسول وعهده خزاعة فكانت عيبة نصح لرسول الله .. مسلمهم وكافرهم ودخل في عقد قريش بنو بكر وغطفان والأحابيش . وكان متولي الصلح عن قريش هو سهيل بن عمرو . ولما قال الرسول : اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو فقال : لا تكتب رسول الله فاننا نعلم أنك رسول ما قاتلناك . اكتب محمد بن عبد الله . فأمر النبي صلى الله عليه وسلم علياً أن يكتب محمد بن عبد الله . وفي أثناء الكتابة جاء أبو جندل بن سهيل فاراً بدينه من الشرك والمشركين فرمى بنفسه بين أصحاب رسول الله ، فقال سهيل هذا أول ما نقاضيك عليه أن ترده علينا . فقال : اتركه لي فقال : لا . فأمر رسول الله برده فعند ذلك وقع الاضطراب من الصحابة حتى جاء عمر إلى أبي بكر فقال : يا أبا بكر أ لسنا على الحق وعدونا على الباطل . قال : بلى . قال : أو ليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار . قال : بلى . قال : فلم نعط الدنية في ديننا ؟ فقال أبو بكر : انه عبد الله ورسوله ولن يضيعه فاستمسك بغرزه . ثم جاء عمر إلى رسول الله وقال : يا رسول الله : ألم تقل لنا اننا داخلون البيت ونطوف به . قال : بلى ، وهل قلت لكم هذه السنة ؟ قال : لا . قال : فانك ستدخل البيت وتطوف به . ثم أن رسول الله أمر أصحابه بأن يحلوا من احرامهم وينحروا هديهم فتلتكأوا واستبطأوا ظناً منهم أنه سينزل الوحي بخلع هذا العقد فدخل رسول الله على ام سلمة فقال : ألم تري إلى قومك أمرتهم أن يحلوا من احرامهم وينحروا هديهم فاستبطأوا . فقالت أم سلمه : يا رسول الله انحر هديك واحلق رأسك ولا تكلم أحداً فانهم سيتابعونك على فعلك وفعلا نحر هديه وحلق رأسه فأخذوا يتزاحمون على ذلك طاعة له .

وقد ذكر العلامة ابن القيم- رحمه الله – في كتابه زاد المعاد في بيان الحكم والمصالح التي اشتملت عليها هذه المصالحة .. وأن الله سبحانه هو الذي أحكم اسبابها .. فوقعت بالغاية على الوجه الذي اقتضته حكمته وحمده ورحمته .. وسماها الله فتحاً .. فقال سبحانه : " انا فتحنا لك فتحاً مبينا " – يعني صلح الحديبية – فمنها أنها كانت مقدمة بين يدي الفتح الأعظم الذي أعز الله به رسوله وجنده ودخل الناس في دين الله أفواجاً .. فكانت هذه الهدنة باباً له مفتاحاً ومؤذناً بين يديه ، وهذه حكمة الله سبحانه في الأمور العظام التي يقضيها قدراً وشرعاً أن يوطيء لها بين يديها مقدمات وتوطئات تؤذن بها وتدل عليها ... ومنها أن هذه الهدنة كانت من أعظم الفتوح .. فان الناس آمن – بعضهم بعضاً واختلط المسلمون بلكفار ونادوهم بالدعوة وأسمعوهم القرآن وناظروهم على الإسلام جهرة آمنين . وظهر من كان مختفياُ بالإسلام ، ودخل فيه في مدة الهدنة من شاء الله له أن يدخل .. ولهذا سماه الله فتحاً .. فقال سبحانه : " انا فتحنا لك فتحاً مبينا" . والمراد به " صلح الحديبية " .

- وقال ابن قتيبة – قضينا لك قضاء عظيما . وقال مجاهد : هو ما قضى الله له بالحديبية . وحقيقة الأمر أن الفتح في اللغة فتح المغلق ، والصلح الذي حصل مع المشركين بالحديبية كان مسدوداً مغلقاً حتى فتحه الله ، وكان من أسباب فتحه صد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن البيت ، وكان في الصورة الظاهرة ضيماً وهضماً للمسلمين وفي الباطن عزاً وفتحاً ونصراً .

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى ما وراءه من الفتح العظيم والعز والنصر من وراء ستر رقيق وكان يعطي المشركين كلما طلبوا سألوه من الشروط التي لم يتحملها عقول أكثر الصحابة ورؤوسهم . ورسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم ما في ضمن هذا المكروه من الأمر المحبوب .. وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم .

وربما كان مكروه النفوس إلى           محبوبها سبباً ما مثله سبب