الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه الكريمة

ان الله سبحانه بعث نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم على حين فترة من الرسل وقد استحكمت في الناس الضلالة وخيمت عليهم الجهالة ، وسادت بينهم عبادة الأصنام والأوثان والقبور .. فأنقذهم الله ببعثته وبركة رسالته .. فجاهد في الله حق جهاده .. فجاء بدين كامل ، وشرع شامل ، يهذب أخلاقهم ، ويطهر عقائدهم ، ويزيل كفرهم ، وشقاقهم ، ويهديهم للتي هي أقوم ، وابتداأ نزول الوحي عليه وهو ابن أربعين سنة من عمره ، ومكث بمكة ثلاث عشرة سنة يدعو بين القبائل في المواسم ويقول : أنا محمد رسول الله من يأويني من ينصرني حتى ابلغ رسالة ربي .. فيلقى من قومه أشد الأذى .. ويعذبون كل من آمن به . غير أنم أبناء قبيلته وخاصة عمه أبا طالب يحمونه ويذبون عنه العدوان .. وقد دخلوا معه في الشعب حين تمالأت قريش على مقاطعتهم حتى يسلموا لهم محمداً ، وكتبوا بذلك صحيفة القطيعة والمقاطعة ، وعلقوها على الكعبة .. وفيها يقول أبو طالب في قصيدته الشهيرة :

جزى الله عنا عبد شمس ونزفلا                 عقوبة شر عاجلاً غير آجل

وقد أخبره ورقة بن نوفل بمقتضى فراسته بأنه سيؤذي ويمتحن ويخرج من بلده فقال : أو مخرجي هم من بلدي قال : نعم .. إنه لم يأت أحد بمثل ما أتيت به إلا عوديَّ وأُوذيَ وان يدركني يومك انصرك نصراً مؤزرا . ثم لم يلبث أن توفى – أي ورقة – ز
ثم توفيت خديجة وكانت تنفق على رسول الله من مالها .. ثم تبعها أبو طالب شيخ قريش وسيدهم ، وكان يحب رسول الله أشد الحب ، يحميه وينصره ، وكانت قريش تتحاشى من أذى الرسول خشية أن يغضب أبو طالب فيسلم .

ولما توفي أبو طالب اشتد الأذى برسول الله صلى الله عليه وسلم وبمن آمن به وخاصة المستضعفين من أصحابه .... كبلال وصهيب وسمية .. فأمر رسول الله أصحابه بأن يهاجروا إلى الحبشة ، وقال إن فيها ملكاً لا يُظْلَمَ أحد بجواره .

فهاجر إلى الحبشة جماعة من الصحابة .. رجال ونساء .. فراراً بدينهم من الفتنة ، منهم عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت رسول الله ، ومنهم الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف جعفر بن أبي طالب – فخرجوا من مكة يمشون على أرجلهم حتى وصلوا إلى سيف البحر .. فاستأجروا سفينة وركبوا فيها حتى انتهوا إلى الحبشة وهذه هي الهجرة الأولى .. فآواهم النجاشي وأكرمهم . وقال لهم : أنتم سيوم بأرضي .. اذهبوا حيث شئتم من رامكم بسوء غرم ، ثم تتابعوا إلى الهجرة ، وكان عددهم يزيد على الثمانين بين رجل وامرأة .

وكان المسلمون في ابتداء الإسلام مأمورين بالصلاة والعفو والصفح والصبر على أذى المشركين ، وكانوا يحبون أن يُؤمَروا بالقتال لينتصروا وأتى عبد الرحمن بن عوف وأصحاب له إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة فقالوا يا رسول الله كنا أعزاء ونحن مشركون فلما أسلمنا صرنا أذلة ، فقال رسول الله ( إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم ) . فلما أمروا بالقتال كرهه بعضهم وودوا لو تأخر فرضه عنهم .. وأنزل الله : " ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاةو وآتوا الزكاة .. فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية .. وقالوا ربنا لما كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب .. قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا .. أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة " .

فلما اشتد الأذى برسول الله وعظم البلاء كما قال : لقد أو>يت في الله وما يؤذى برسول الله وعظم البلاء كما قال : لقد أوذيت في الله وما يؤذي أحد ولقد أُخفت في الله وما يخاف أحد .. خرج إلى الطائف يطلب من ثقيف النصرة والتأييد والحماية فلم يجد عندهم قبولا وأرسلوا عليه سفهاءهم . فكانوا يرمونه بالحجارة ويقولون ساحر كذاب وزيد بن حارثة يقيه ببدنه من وقوع الحجارة به حتى أدموا عقبه .. فرجع عنهم حزيناً كئيباً حتى أتى وادي نخلة ، وهي موضع ميقات أهل نجد فتوضأ وصلى وعا بدعائه المشهور : ( اللهم أشكو اليك ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس أنت رب المستضعفين وأنت ربي ، إلى من تكلني إلى قريب يتجهمني أو إلى عدو ملكته أمري ، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي غير أن عافيتك هي أوسع من ذنوبي . أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي سخطك أو يحل علي عقابك .. لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك ) .

ثم أن رسول الله أراد دخول مكة بعد رجوعه من الطائف فمنعه قريش من الدخول فأرسل إلى المطعم بن عدي وقال : إن قريشاً منعتني من دخول بلدي وإني أريد أن أدخل في جوارك ، فلبى دعوته وأمر بنيه واخوته أن يلبسوا سلاحهم فخرج إلى المكان الذي وعده فيه فدخل مكة فطاف بالبيت وهم محدقون به .. ولهذا كان رسول الله يقول في قتلى بدر : والله لو كان المطعم بن عدي حياً فسألني هؤلاء القتلى لتركتهم له .

فلما استجاب الأنصار لدعوته ، والتزموا حمايته بأن يمنعوه ويمنعوا كل من هاجر اليهم من أصحابه مما يمنعون منه أهلهم وأولادهم وتواثقوا معه على ذلك ليلة العقبة فعند ذلك أمر رسول الله كل من أسلم بأن يهاجر إلى المدينة فكانوا يخرجون ارسالا ويهاجرون على سبيل الاختفاء من قريش . وكانت قريش تصادر أموال كل من هاجر منهم ، وأنزل الله سبحانه : " أذن للذين يقاتلون بأنهم ظُلِمُوا وان الله على نصرهم لقدير ، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله " . وهذه هي أول آية نزلت في الإذن بالقتال .

ولما علمت قريش بأن أصحاب الرسول قد كثروا وانهم سيمنعونه أعلمت حيلها وآراءها في الإيقاع به . ثم اتفقوا على أن يختاروا من كل قبيلة فيضربونه جميعاً بسيوفهم في وقت واحد حتى يضيع دمه من بينهم .. فأطلع الله نبيه على كيدهم ومكرهم وأنزل الله : " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين " .

وعلى أثر هذه الممالأة على قتله حصل مع رسول الله في تلك الليلة شيء من الخوف من هجومهم عليه . اذ سمع حركة سلاح فاطلع فقال من هذا .. فقال أنا ربيعة بن كعب الأسلمي احرسك يا رسول الله لتنام فقال له سل .. فقال أسألك مرافقتك في الجنة .. فقال أو غير ذلك . فقال هو ذاك .. قال فأعني على نفسك بكثرة السجود .. رواه مسلم .

ثم ان الله سبحانه أمر رسول الله بالهجرة في شهر ربيع الأول على القول الصحيح وكان رسول الله لا يخطئه يوم إلا ويأتي بيت أبي بكر أما بكرة أو عشية حتى إذا كان اليوم الذي أذن الله فيه بالهجرة والخروج من مكة . أتى إلى أبي بكر بالمهاجرة في ساعة كان لا يأتي فيها فلما رآه أبو بكر قال والله ما جاء رسول الله في هذه الساعة إلا لأمر حدث . فلما دخل تأخر له أبو بكر عن سريره فجلس رسول الله عليه . فقال رسول الله : أخرج عني من عندك . فقال : انما عندي ابنتاي .. عائشة وأسماء . وما ذلك فداك أبي وأمي فقال : إن الله قد أذن لي في الهجرة .. فقال أبو بكر : الصحبة يا رسول الله . فقال : نعم . فبكى أبو بكر فرحاً فقال يا نبي الله إن عندي راحلتين أعددتهما لهذا الشأن .. وأخذت اسماء بنت أبي بكر تجهز لهما جهاز السفر فصنعت سفرة في جراب وشقت نطاقها نصفين فربطت فم الجراب بنصفه وربطت أسفل الجراب بالنصف الثاني فسميت " ذات النطاقين " .

ثم أنهما استأجرا عبد الله بن أريقط هادياً خريتاً وكان مشركاً على دين قومه فخرج رسول الله على حين غفلة من قومه ولم يعلم بخروجه إلا علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – فإن رسول الله أمره أن يتخلف حتى يؤدي الودائع التي عند رسول الله للناس ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعى – الأمين – وليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده لما يعلم من صدقه وأمانته . فخرج رسول الله صحبة أبي بكر وعمدا إلى غار ثور وهو جبل بأسفل مكة ، فدخلاه وأمر أبو بكر مولاه عامر بن فهيرة بأن يرعى غنمه بالنهار ثم يريحها عليهما إذا أمسى في الغار لتخفي أثرهما ويشربان من لبنها .

وخرج بعض أشداء قريش في طلب رسول الله عليه وسلم ومروا بالغار فقال ابو بكر : يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى شراك نعله لأبصرنا ، فأجابه الرسول قائلاً : لا تحزن إن الله معنا ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟ .

يقول الله تعالى : " إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا .. فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم " .

فمكثا في الغار ثلاثة أيام ثم خرج منه لانشاء سفرهما إلى المدينة ونظر رسول الله إلى مكة وقال والله إنك لأحب بلاد الله إلي ولو لا أن قومي أخرجوني منك لما خرجت .

ثم إن المشركين من قريش ذهبوا في طلبهما كل مذهب وجعلوا لمن يرشد عنهما مائة من الإبل عن كل واحد منهما .. فجاء رجل إلى قوم جلوس – فيهم سراقة بن مالك بن جعشم – فقال : يا سراقة إني رأيت أسودة بالساحل ولا أراها إلا – محمداً وأصحابه . فقال سراقة : فعرفت أنهم هم . فقلت له انهم ليسوا بهم ولكنك رأيت فلاناً وفلاناً أريد أن أعمي خبرهما حتى أفوز بالإبل .. ثم قمت فدخلت بيتي وأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي وأخذت رمحي وركبت فرسي حتى إذا قربت منهما إذ سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكر يكثر الالتفات ورسول الله لا يلتفت .

ويقول أبو بكر : يا رسول الله لقد لحقنا الطلب .. ورسول الله يقول : لا تحزن إن الله معنا .. فأرسل رسول الله عليه سهماً من سهام الدعاء .. فساخت قوائم فرسه في الأرض حتى بلغت الركبتين قال : فخررت عنها .. فناديتهم بالأمان فوقفوا وعرفت حينئذ أنه سيظهر أمر رسول الله على الناس . فقلت له : لله علي أن أرد كل من جاء في طلبك فادع الله لي أن يخرج فرسي . فدعا الله وخرجت فرسه وصدق في قوله فكان لا يجيء أحد من الطلب إلا رده ويقول قد كفيتم ما هنالك .

ولما سمع أبو جهل بخبر سراقة بن مالك أخذ يلومه ويعنفه حيث لم يرده . فقال سراقة بن مالك مجيباً له :-

أبا حكم والله لو كنت شاهداً لأمر جوادي حين ساخت قوائمه

علمت ولم تشكك بأن محمداً رسول ببرهان فمن ذا يقاومه

وسار رسول الله في طريقه فمر بخيمتي أم معبد الخزاعي وكانت امرأة برزة جلدة تحتبي وتجلس بفناء الخيمة فتطعم وتسقي الناس . فجاء رسول الله وأبو بكر فسألوها هل عندك من لحم أو لبن نشتريه ؟ . فلم يجدوا عندها شيئاً . وقالت لو كان عندنا من ذلك شيء ما أعوزكم القرى . وكان القوم مجدبين مسنتين فنظر رسول الله إلى شاة في كسر خيمتها فقال ما هذه الشاة يا أم معبد . فقالت هذه شاة خلفها الجهد عن الغنم . فقال : هل فيها من لبن؟ فقالت : هي أجهد من ذلك . فقال : أتأذنين لي أن أحلبها .. فقالت إن كان بها حليب فاحلبها فدعا رسول الله للشاة ومسحها وذكر اسم الله عليها فدرت واجترت وتنافجت . ودعا بإناء لها يربظ الرهط فحلب فيه حتى ملأه فشربوا عللاً بعد نهل ثم حلب فيه ثانياً فغادره عندها ثم ارتحل . فجاء زوجها أبو معبد فسألها عن هذا اللبن فأخذت تخبره خبره وتقص عليه صفته وتقول أنه مر بنا رجل مبارك صفته كيت وكيت فاستقصت في أوصافه . وقالت له رفقاء يحفون به إن قال استمعوا قوله وإن أمر تبادروا أمره وهو أحسن الثلاثة منظراً .فقال : والله هذا صاحب قريش الذي تطلبه .

ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة بعد الزوال فتنازعه القوم كلهم يريد أن ينزل عنده فقال سأنزل على بني النجار أخوال جده عبد المطلب ليكرمهم بنزوله عندهم فنزل على أبي أيوب الأنصاري فأقام بقباء يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وصلى بالناس الجمعة وهي أول جمعة صلاها بالمدينة وأسس مسجد قباء . ثم ركب ناقته فجعلت قبائل الأنصار يعترضونه في طريقه كل منهم يطلب نزوله عنده ويقولون هلمَّ إلينا فعندنا العدد والمنعة ورسول الله يقول خلوا سبيلها فإنها مأمورة حتى أتت موضع مسجده الآن فبركت به ناقته .

ومن كريم شعر الأنصار في الهجرة قول قيس بن صرمه :

ثوى في قريش بضع عشرة حجة       يذكـر لو يلقى حبيبـاً مؤاتيا

ويعرض في أهل المواسم نفسـه        فلم ير من يؤوي ولم ير داعياً

فلما أتانا واستقرت بـه النــوى      وأصبح مسروراً بطيبة راضيا

وأصبح لا يخشى ظلامــة ظالم       بعيد ولا يخشى من الناس باغياً

بذلنا له الأمـوال من جل مالنـا        وأنفسنا عند الوغى والتآسيــا

 نعادي الذي عادى من الناس كلهم      جميعاً وإن كان الحبيب المصافيا

ونعـلم أن الله لا رب غيـــره       وأن كتاب الله أصبح هاديـــا