الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

التفاوت بين الكفار المحاربين وبين الكفار المسالمين للمسلمين

ان الله سبحانه حكم عدل ، يعطي كل ذي حق حقه غير مبخوس ولا منقوص ولا يظلم ربك أحداً ، والاختلاف بين الناس واقع ما له من دافع فمنهم المسلم ومنهم الكافر " هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير " . " ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك " . وقد فصل القرآن الكريم الحكيم بين الفريقين . فأمر بقتال المحاربين حيث وجدوا سواء كانوا قائمين أو نائمين بطريق الهجوم أو الدفاع .

كما أمر بأن يعامل المسالمون بما يستحقون من العطف والبر والصلة والإحسان وأن الله سبحانه يبيح ذلك ولا ينهى عنه . يقول الله سبحانه : " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا اليهم إن الله يحب المقسطين "

فأمر سبحانه ببر المسالمين – والبر هو من أجمع أفعال الخير وضده الفجور .. وهو التوسع في أعمال الشرور .. ويقول الله تعالى : " إن الأبرار لفي نعيم وان الفجار لفي جحيم " .

وقد سأل الصحابة عن الصدقة على أقاربهم من المشركين .. فأنزل الله سبحانه : " ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير يوف اليكم وأنتم لا تظلمون " . فأمروا بالصدقة عليهم جزاء على مسالمتهم للمسلمين وعدم تعرضهم لقتالهم أو الطعن في دينهم .

نظيره قوله سبحانه : " فان اعتزلوكم فلم يقاتلوكم والقوا اليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا " . وهذه الآية هي من سورة النساء وهي مدنية .. كما أن الآية الأولى من سورة الممتحنة وانما نزلت عام حجة الوداع .. فلا نسخ في كلتيهما ولا تخصيص ولا تقييد بل الحكم بمدلولهما ثابت معمول به إلى يوم القيامة ..

ثم قال في شأن المحاربين : " انما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين واخرجوكم من دياركم وظاهروا على اخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون " . فهذه من سورة الممتحنة .. نزلت يوم فتح مكة بسبب الكتاب الذي كتبه حاطب بن أبي بلتعة يخبرهم بمسير رسول الله اليهم وصفة الكتاب على ما ذكره يحي بن سلام في تفسيره أن لفظ الكتاب الذي كتبه حاطب لقريش : ( أما بعد – يا معشر قريش ان رسول الله قد جاءكم بجيش كالسيل يختبيء بالنهار ويسير بالليل .. فوالله لو جاءكم وحده لنصره الله وأنجز له وعده فانظروا لأنفسكم والسلام ) .

فنزل الوحي بخبر الكتاب بما يتضمن معاداتهم وعدم موالاتهم لاعتبار انهم محاربون لله ورسوله وعباده المؤمنين . نظيره – قوله سبحانه : " فإن لم يعتزلوكم ويلقوا اليكم السلم ويكفوا ايديهم .. فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم " أي – حيث وجدتموهم " وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطاناً مبيناً " – أي حجة بينة تبيح قتلهم وقتالهم .. وضدهم المسالمون حيث قال في حقهم : " فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا اليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا " – يعني إلى قتالهم .

فالآيات المطلقة التي تأمر بقتال الكفار تحمل على هذه الآيات المقيدة لجواز حمل المطلق على المقيد لكون الكافر المسالم ما مضرة كفره إلا على نفسه ، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته " السياسة الشرعية " :-

" إن القتال هو لمن يقاتلنا إذا أردنا اظهار دين الله كما قال سبحانه : " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين "

وذلك أن الله سبحانه – أباح من قتل النفوس ما يحتاج اليه في صلاح الخلق كما قال تعالى : " والفتنة أكبر من القتل " .. أي أن القتل وإن كان فيه شر وفساد ففي فتنة الكفار للمسلمين من الشر والفساد ما هو أكبر منه .

فمن لم يمنع المسلمين من إقامة دين الله لم تكن مضرة كفره إلا على نفسه – يعني .. فلا يقاتل . ( انتهى ) .

أما الكافر المحارب فإن مضرة كفره تتعدى على الناس في دينهم وأبدانهم فهذا حكم العدل من الله بين عباده ومن أحس من الله حكماً لقوم يوقنون .

يؤيده أن أكثر أهل الأرض كفار كما قال سبحانه : " وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين " .. وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما أنتم في الأمم المكذبة للرسل إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود ) .. وهذا يؤيد ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن القيم من أن الإسلام يسالم من يسالمه وما ورد في القرآن من الشدة والغلظة على الكفار وكون المؤمنين أشداء على الكفار رحماء بينهم فهذه وأمثالها محمولة على حالة قتال المؤمنين للمحاربين كقوله سبحانه : " فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم خلفهم لعلهم يذكرون " ، وقوله : " فإذا لقيتم فإما مناً بعد واما فداء حتى تضع الحرب أوزارها " . فأمر الله عباده المكؤمنين متى لقوا أعداءهم المحاربين بأن يضربوهم الضربة القاسية التي تثخنهم وتكون عبرة لأمثالهم ولكل مقام مقال . والنبي صلى الله عليه وسلم كان يعامل الكفار المقدور عليهم غير معاملته للمحاربين منهم .

ففي قوله : " لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي " ، وقوله : " ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين " . وقوله : " فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إن عليك إلا البلاغ " . وهذا دليل على صحة ما ذكرناه .

الجهاد بالحجة والبيان والسنة والقرآن قبل الجهاد بالسيف والسنان :-

ان دين الإسلام قام واستقام على الكتاب الهادي والسيف الناصر وكفى بربك هادياً ونصيراً .

إن الأمة الإسلامية مكلفة من قبل الله بنشر هذا الدين والتبشير به جميع خلقه ، وإزالة ما غشيهم من الظلم والاضطهاد والفتنة فيه وإزالة معابد الشرك ، والدعوة إلى الله بالحجة والبيان والسنة والقرآن وإن تعذر فبالسيف والسنان .

فوظيفة الكتاب أي القرآن هو ابلاغ الناس بما أنزل اليهم من ربهم ودعوتهم إلى دين الله الذي فيه صلاحهم وفلاحهم وسعادتهم في دنياهم وآخرتهم ودعوتهم بالحكمة والموعظة الحسنة وجدالهم بالتي هي أحسن .

وهذا هو حقيقة ما رسمه القرآن لأهله في أدب البحث والمناظرة مع المخالفين لهم في الدين . " قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين " .

قال مجاهد " الذين ظلموا منهم " هم من قاتل المسلمين ولم يعطهم الجزية ، وفي رواية عنه قال - : الذين ظلموا منهم أهل الحرب ممن لا عهد لهم فالمجادلة لهم تكون بالسيف ، وفي رواية عنه قال : لا تقاتلوا إلا من قاتلكم ولم يعط الجزية .

فوظيفة السيف هي كف العدوان عن الدين وعن المؤمنين . إذ لا بد للدين ونشره والدعوة اليه من قوة تؤيده وتحميه وتعين على تنفيذه .

وعن أنس – أن النبي صلى الله عليه وسلم .. قال ( جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم والسنتكم ) رواه أحمد والنسائي وصححه الحاكم .

وقد شرط العلماء في الجهاد المشروع أن تتقدمه الدعوة في حق من لم تبلغه على الوجه المطلوب بخلاف المحاربين المعاندين ، فان جدالهم بالجلاد حتى يذعنوا لتعاليم الإسلام وهو آخر ما يعامل به الكفار المعاندون على حد ما قيل :

فيا أيُها النّوام عن ريق الهــدى       وقد جاءكم من ديمه بعدُ وابل

هو الحق ان تستيقظوا فيه تغنموا       وان تغفلوا فالسيف ليس بغافل

وما هو إلا الوحي أوحد مـرهف       يقيم ظبــاه اخدعي كل مائل

فهـذا دواء الداء من كل عــالم       وذاك دواء الداء من كل جاهل

ومتى أوجبت الحاجة والمصلحة الجهاد بالقتال فإنه يجب قبله اعداد القوة المماثلة أو المقاربة لقوة العدو مع الإيمان بالله عز وجل .

يقول الله سبحانه : " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم " .

فنص بالذكر على الخيل لأنها مراكب المقاتلين الشجعان في ذلك الزمان ولكل زمان قوة تناسبه .. فانما يرمى الجندل بالجندل والحديد بالحديد .

وفسر النبي صلى الله عليه وسلم القوة فقال : - ( الا أن القوة الرمي الا أن القوة الرمي ) لكنه لم يفسر المرمي به وليست القوة مقصورة عليه وقد حارب النبي صلى الله عليه وسلم بالمنجنيق ونصب الدبابة على أهل الطائف .

ومفهوم الآية أن الله سبحانه أمر المسلمين بأن يستعدوا لأعدائهم بما يستطيعونه من القوة . ولفظ القوة عام يشمل كل ما يتقوون به على حرب عدوهم ويشمل كل ما هو آلة للحرب من أسلحة البر والبحر والجو على اختلاف أنواعها وأشكالها بحسب الأزمنة والأمكنة .

والوسائل لها أحكام المقاصد وكل ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب لهذا يجب تعلم ما يفيد المسلمين في اصلاح حالهم في حالة حربهم لعدوهم من إنشاء معاهد لتعليم الجنود وتدريبهم فنون القتال واستعمال آلات الحرب حسبما يستجده الزمان من الصنائع إذ هذا من أسباب القوة التي يتقى بها وقوع البلاء .

قالت الخنساء في الحجاج الثقفي :

إذا سمــع الحجاج رزء كتيبة         أعد لها قبل القدوم قراهــا

إذا هبط الحجاج أرضاً مريضة          تتبع أقصى داءها فشفاهــا

أنه متى تعذر سبيل الجهاد بالقتال فإنه يجب الجهاد بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، وقد فتح الله المسلمين كثيرا من البلدان بالدعوة إلى الله بدون قتال كبلدان اليمن على كثرتها وتعدد مدنها ، فإن المسلمين فتحوها بمجرد الدعوة وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري ومثله بلدان البحرين .. فقد فتحت بدون قتال ، وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم اليها أبا العلاء بن الحضرمي ثم أرسل اليها أبا عبيدة بن الجراح ومثله بلدان عمان ، فقد فتحها الإسلام بدون قتال فكل هذه البلدان دخل فيها الإسلام زمن النبي صلى الله عليه وسلم بمجرد الدعوة والابلاغ بدون قتال ثم سارت الفتوح على نحو ذلك ففتح العلم والبيان والسنة والقرآن من البلدان مالم يصل اليها السيف والسنان .

وقد دخل المهاجرون والأنصار في الإسلام بمجرد الدعوة بدون قتال لكون الجهاد هو بذل الجهد والطاقة في الدعوة إلى الله باعلاء كلمته ونشر دينه وهو قولي وفعلي . يكون باللسان والحجة والقرآن ويكون بالقوة والسنان .

وأكثر الأنبياء لم يفرض عليهم القتال ولكل قوم حالة تناسب دعوتهم بالقوة أو بالحكمة والموعظة الحسنة .

وكان النبي صلى الله عليه وسلم في حالة عجزه وعدم قدرته على المقاومة من أجل قلة عدد قومه وضعفهم مأموراً بكف اليد عن القتال .. وأن يجاهد الكفار بالقرآن فيدعوهم ويعظهم كما قال سبحانه : " ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً " .

وكما قال سبحانه : " وقل لهم في أنفسهم قولا بليغاً " .

وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينصب لحسان منبراً ويقول : ( اهجهم يا حسان .. فان شعرك أشد عليهم من رشق النبل ) .

فمتى كان هجو المشركين بالشعر مشروعاً ، كما سبق ، وأين منفعة الهجو من منفعة إقامة الدلائل والبراهين على صحة الإسلام وابطال حجج الكفار والمشركين وأهل الكتاب ؟ فجهاد الكفار باللسان والحجة والبيان ما زال مشروعاً من أول الأمر إلى آخره .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – في الجواب الصحيح .. انه من المعلوم أن ظهور الإسلام بالعلم والبيان قبل ظهوره بالسيف والسنان .. فان النبي صلى الله عليه وسلم ، مكث بمكة ثلاث عشرة سنة يظهر الإسلام بالعلم والبيان والآيات والبراهين فآمنت به المهاجرون والأنصار طوعاً واختياراً بغير سيف .. لما بان لهم من الآيات والبينات والبراهين والمعجزات من أن دينه الحق . ( انتهى ) .

ثم قال الكاتب رحمه الله : ( أن حروب الرسول صلى الله عليه وسلم كان هو الباديء فيها بالقتال لنشر هذا الدين ولم تكن الغزوات منه لأنهم قاتلوه أو اعتدوا عليه فانه لم يسبق منهم ذلك إلا في نادر الأحوال ) . انتهى

فالجواب أن هذا الخطاب وقع منه على سبيل الخطأ حيث صده الهوى عن رؤية الهدى ويغفر الله له .

يقول الله سبحانه : " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون اليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق زز يخرجون الرسول واياكم أن تؤمنوا بالله ربكم " – أي لأجل إيمانكم بربكم – إلى قوله .. " ان يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا اليكم أيديهم والسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون " .

فبسط اليد بالسوء هو ضربهم وشجاجهم وجروحهم وأنواع الأذى منهم للصحابة وبسط السنتهم .. هو بالشتم واللعن والسخرية وغير ذلك من أنواع الأذية .

وحسبك أن الصحابة رجالهم ونساؤهم فارقوا وطنهم العزيز عليهم إلى الحبشة فراراً بدينهم وأبدانهم عن التعذيب والافتتان . فالمشركون هم المحاربون لله ورسوله – يقول الله : " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين " .. فأمر سبحانه عباده المؤمنين بأن يقاتلوا كل من تصدى لقتالهم حتى لو تتصدى المرأة لقتال المسلمين لاستحقت أن تقتل وتقاتل كالرجال ثم قال ولا تعتدوا . وفسر الاعتداء بقتل النساء والصبيان والرهبان والعميان وفسر بإحراق الشجر وقتل الحيوان . وفسره بعضهم بقتال من لا يقاتل المسلمين .

ثم قال : " واقتلوهم حيث ثقفتموهم واخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ، ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه ، فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين .. فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم ." وقال : " وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة " ولم يقل قاتلوا المشركين حتى يسلموا بل قال : " كما يقاتلونكم كافة " . وهذا فيه المقاضاة بالمثل – وهو أن المسلمين يقاتلون كل من تصدى لقتالهم فيقتلون بطريق الطلب أي الهجوم أو الدفاع سواء وجدوا قائمين أو نائمين .. يقول الله : " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم .. " وجزاء سيئة سيئة مثلها وقال سبحانه : "ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا " ، وهذا هو غاية ما يبتغي المشركون من الرسول وأصحابه .

ثم قال سبحانه : " أذن للذين يقاتلون – بفتح التاء – بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير ، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله . " فأثبت سبحانه بدء المشركين بالقتال للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه .

نظيره قوله سبحانه : " الا تقاتلون قوماً نكثوا قوماً نكثوا أيمانهم وهموا باخراج الرسول وهم بدأوكم أول مرة ، أتخشونهم فالله أحق تخشوه إن كنتم مؤمنين ، قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم " .. وهذه شهادة من الله سبحانه في حقيقة بداءتهم بالاعتداء والقتال على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وقد قيل الشر بالشر والباديء أظلم .

فأثبت سبحانه في هذه الآيات بداءة المشركين بالقتال للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأنهم لم يألوا جهدا في الأذى والاعتداء وتعذيب كل من آمن بالله ورسوله . والمؤمنون متكافلون كالجسد الواحد إذا اشتكى بعضه اشتكى كله . يجب أن يدافعوا عن أفرادهم كما يدافعون عن أنفسهم وأولادهم وبلادهم .

فدعوى الكاتب بأن الرسول الكريم هو الباديء بالقتال لنشر هذا الدين . فإن هذا يعد من الخطأ المبين . وقد استباح الكاتب القول به لنصرة رأيه واعلاء كلمته ليثبت بذلك ما ذهب اليه من أن الجهاد الشرعي هو قتال الكفار حتى يسلموا لا فرق في ذلك بين الكفار المسالمين والكفار المحاربين ، وهذا الاعتقاد هو أكبر ما يشنع به النصارى على المسلمين بحيث أن المبشرين والقسيسين يلقنون الطلاب هذا القول ويقولون بأن المسلمين يوقفون الرجل على حرف السيف ويقولون له اما أن تسلم وإلا قلناك . وإن لم يسلم قتلوه !

ونقول .. ما يكون لنا أن نتكلم بهذا .. سبحانك – هذا بهتان عظيم .. فان الإسلام هداية اختيارية لا إكراه فيها ولا إحبار .. فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً .

يقول الله : " لا لإكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي " . وقال : " ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً . أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين " .

وهذه آيات محكمات لا نسخ فيها ولا تخصيص ولا تقييد ، وقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة التي هي أحب البقاع اليه خائفاً مختفياً حين تمالأوا على قتله بصورة يضيع بها دمه وذلك بأن يعطوا كل رجل سيفاً فبضربوه جميعاً بسيوفهم فأطلع الله نبيه على ذلك . وأذن له بالهجرة ، قال تعالى : " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين " – وكان يقول : ( والله إنك من أحب بلاد الله إلي ولولا أن قومي أخرجوني منك لما خرجت ) .

يقول الله : " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون اليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول واياكم ان تؤمنوا بالله ربكم " أي من أجل إيمانكم بربكم . ومثله قوله " للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون " .

فأثبت سبحانه شدة عداوتهم للمسلمين حيث أخرجوهم من بلادهم وأموالهم وأنه يجب جهادهم أينما ثقفوا وتحرم موالاتهم ببرهم .

بخلاف من لم يقاتل المسلمين ولا يكون مع قوم يقاتلونهم فانه يباح برهم والإحسان اليهم لقول الله سبحانه : " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا اليهم إن الله يحب المقسطين انما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون " . وهذه آيات محكمات لا نسخ فيها ولا تخصيص ولا تقييد وهي انما نزلت عام الفتح .