![]() |
|
|
تحقيق
معنى الجهاد بالدفاع ان الجهاد بالدفاع ليس ببدع من القول وزور وليس بغريب مهجور
وانما هو امر مشهور بالكتاب والسنة واللغة العربية . والأصل فيه قوله سبحانه : " ولو لا دفع الله الناس
بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين " . وقوله : " ان
الله يدافع عن الذين آمنوا " . وقوله : " ادفع بالتي هي أحسن السيئة
" . والجهد بالدفاع هو ضد الهجوم وحقيقته صد العدوان لكون
الجهاد بالهجوم هو البدء ؟ بالعدوان بدون أن يكون له سبب من المهجوم عليهم فان سبق
منهم عدوان فإنه المقاضاة بالمثل وفيه أنزل الله : " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل
ما عوقبتم به " . وقوله : " وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره
على الله " . فهذا وان لم يكن له سبق ذكر بهذا اللفظ من العلماء
المتقدمين لكنه معروف عندهم كمقابلة من الهجوم الذي هو المبادأة وقد قالوا الشر
بالشر والباديء أظلم . وان العلماء المتأخرين الذين بحثوا عن حقيقة غزوات النبي
صلى الله عليه وسلم فأثاروا مسألة جهاده وسببها وحققوا بأن غزواته كلها دفاع عن
الدين وكف أذى المعتدين وليس هذا بالظن ولكنه اليقين حتى كثر في موضوعها الجدل بين
العلماء مع العلماء وبين الأساتذة مع الطلاب وبين أفراد المسلمين مع أهل الكتاب . وقد جعل النصارى غزوات الرسول بأنها هجوم على المخالفين له
في الدين بدون أن يكون لها سبب من العدوان وقد جعلوها لهم عقيدة في التنفير عن دين
الإسلام في ضمن ما يفعلونه من التبشير بدينهم فكانوا يلقنون الطلاب وكافة العامة
بأن الإسلام دين اكراه وحرب يكرهون الناس على الخروج عن عقائدهم ، يوقفون الشخص
ويرفعون السيف فوق رأسه ويقولون أما أن تسلم وإلا قتلناك وإن لم يسلم قتلوه وهذا
هو نفس اعتقاد الشيخ صالح في قوله ونقله وهو كذب مفترى على الإسلام وأهله ما يكون
لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم فإن الله يقول : " لا إكراه في
الدين قد تبين الرشد من الغي " . وقال : " ولو شاء ربك لآمن من في الأرض
كلهم جميعاً . أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين " . وهي آيات محكمات لا
نسخ فيها في قول الجمهور لكون الإسلام هداية اختيارية . وقد قال بعض
العلماء من المتأخرين أن دعوى القتال للإكراه على الدين انما دخل على المسلمين عن
طريق النصارى حيث كانوا يجادلون دائماً ويشنعون به على الإسلام والمسلمين لقصد
التنفير عن الدين واحتقاب العداوة لأهله ويجعلونه في مقدمة تبشيرهم إلى دينهم
وينشرونه في كتبهم وفي مدارسهم فهو أكبر مطاعن النصارى على المسلمين وعلى الدين
فسرى هذا الاعتقاد إلى بعض العلماء وأكثر العامة لظنهم أنه صحيح واقع وهو باطل بلا
شك ومن طبيعة البشر كراهية اسم الإكراه والإجبار والنفرة منه مهما كانت عاقبته ،
واننا متى قلنا بهذا القول فقد اشتركنا مع القسيسين والمبشرين في التنفير عن الدين
ومتى تخاطب النصارى مع رجل من أفراد المسلمين غير العارفين بحقيقة الأمر ثم قال
لهم أن الرسول يقاتل الناس حتى يسلموا فانهم بذلك يزدادون فتنة بالمؤمنين . ( ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ) . وبما أن الحاجات هي أم الاختراعات ولكل حادث حديث لهذا تصدى
كثير من العلماء المتأخرين إلى بيان هذه المسألة وأن حقيقة الجهاد الشرعي هي
الدفاع عن الدين ودفع أذى المعتدين عن المؤمنين وأن الإسلام يسالم من يسالمه ولا
يقاتل إلا من يقاتله أو يمنع نشر دعوته أو يلقي الفتنة بين أهله بتعذيب من أسلم أو
تغريبه كما كانت قريش تفعل ذلك واثبات الأمر اليقين في ذلك وإزالة الشك والاشكال
والكذب فيه مما عسى أن لا تجده مفصلا في غير هذا الكتاب . وقد رأينا غلط الشيخ في
فهم الجهاد بالدفاع حيث عبر عنه أسوأ تعبير فجعله كنطاح البهائم قائلا ( اننا إذا
قلنا بالدفاع فما الفارق بين الانسان وبين بهائم الحيوان الذي همه أن يدافع عن
نفسه لا غير ) انتهى .. ففسره بهذا لعدم فقهه بشمول حكمه . وأن هذه المسألة قد يشوبها شيء من الخفاء والغموض في باديء
الرأي لكنها بتصحيح الباحثين وتمحيص الكاتبين من أهل العلم ترتفع عن مجال الاشكال
والغموض إلى حيز التجلي والظهور فتلتحق بعلم اليقين والبصيرة في الدين . وأن الخلاف في هذه المسألة يدور بين أمرين أحدهما : أن سبب
الجهاد المشروع هو الدفاع عن الدين وعن حوزة المسلمين . وحدودهم وحقوقهم وجماعتهم
وأفرادهم حتى ولو في غير بلادهم كما يدافعون عن أنفسهم وأولادهم وبلادهم لاعتبار
أن المسلمين متكافلون كالجسد الواحد إذا اشتكى بعضه اشتكى كله وكذلك الدفاع عن
الدين بمنع الطعن فيه أو فتنة من أسلم ليرتد عنه أو منع نشره في البلد بين الناس
أو في سبيل المستضعفين والمضطهدين في بلادهم من المسلمين . قال تعالى : " وما
لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من النساء والولدان الذين يقولون ربنا
أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل من لدنك نصيراً
" . فالجهاد في سبيل ذلك هو جهاد بالدفاع أي قتال من يقاتلنا أو يمنع نشر
ديننا أو يلقي الفتنة بيننا وهذا هو حقيقة جهاد رسول الله وخلفائه وأصحابه لقوله
سبحانه : " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب
المعتدين . واقتلوهم حيث ثقفتموهم واخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل
ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء
الكافرين فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم " . أي إن انتهوا عن قتالكم فانتهوا
عن قتالهم . وقال تعالى : " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن
انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين " . أي إن انتهوا عن فتنتكم فانتهوا عن
قتالهم . ولم يقل سبحانه وقاتلوهم حتى يسلموا بل قال : " حتى لا تكون فتنة
" . فكل هذه الآيات نزلت في المحاربين الذين يقاتلون المسلمين
ويفتنونهم في دينهم . الأمر الثاني : قول من يقول أن الجهاد سببه الكفر فيجب قتال
الكفار حتى يسلموا وهذا هو اعتقاد الكاتب ، وقد بنى كتابه على تصحيحه واعتقاد
العمل بموجبه ، كما أنه اعتقاد بعض الفقهاء المتقدمين وأكثر العامة . وقد استغل هذا القول القسيسون والمبشرون من النصارى وجعلوه
عمدة لهم في دعوتهم واستغلوه في التنفير من الدين . فلو ظفر النصارى بكتاب الجهاد بين الدفاع والطلب للشيخ صالح
لأحلوه محل التقديس والتكريم ونصبوه في كنائسهم ومدارسهم وعمموا بتعليمه جميع
طلابهم وعامتهم لكونه غاية بغيتهم . بحيث أنه يصدق مفترياتهم في إكراه الناس على
الدين . ثم قال الكاتب أنني أعجب من كتاب الفقه الإسلامي الذين
قالوا بالدفاع في الجهاد . جرياً وراء التقليد بالأعداء الممقوتين وهم – والله
أعلم – يدركون خطأ هذا الرأي البعيد عن الصواب وأدلة الأحكام انتهى . وأقول سبحان الله ما أغفل هذا الكاتب عن تحقيق معنى الجهاد
بالدفاع فلأجل جهله بحكمته وقع في نفس ما عاب به من الجري وراء الكفار الممقوتين
فكان كما قيل ( رمتني بدائها وانسلت ) . يقول الله تعالى : " ومن يكسب خطيئة
أو اثماً ثم يرم به بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً " . وأن النصارى
الآن ينفردون ويكرهون من يقول أن غزوات الرسول كلها دفاع لكف العدوان عنه وعن
الدين الذي جاء به لعلمهم بأنه معذور في دفعه ودفاعه لكنهم يفرحون بمن يقول أن
غزوات الرسول كلها هجوم يقع منه بطريق الابتداء بدون سبق اعتداء عليه من أحد فهذا
هو غاية ما يبغون ، لكن الكاتب لا يدري ولا يدري أنه لا يدري . وأن أكبر شيء حمل الشيخ على التهالك وعدم التمالك فيمن قال
بالدفاع هو أنه لم يفقه معنى الدفاع على الحقيقة حيث حصرع في أضيق التعبير ، وفسره
بأسوأ التفسير فحمله على القعود والخمول والعجز وعدم الحركة والاستعداد إلى حين
هجوم العدو فيقومون بالدفع له وشبههم بالحيوان الذي يدافع عن نفسه ! ثم قال الكاتب : ( لقد قلت هذا بعد أن رأيت عشرين بحثاً
كلها تبحث عن مسألة الجهاد بحثاً اختلف الباحثون فيه ، فالذين قالوا بالدفاع من
المتأخرين من الكتاب والمؤرخين وكتاب السيرة كلهم ليسوا بشيء كعباس العقاد وعزام
وشيت خطاب وعبد الحميد جودة السحار وأحمد أمين ومحمد حسنين هيكل والشرقاوي والحكيم
فكلهم ليسوا بشيء ) . ثم ألحق بهم في الذم غيرهم قائلا: والظن بغيرهم من علماء الفقه والحديث من أمثال يوسف
القرضاوي في كتابه الحلال والحرام ، ومحمد ناصر الألباني في كتابه حجاب المرأة
المسلمة والظن بهم العودة إلى الحق واتباع سبيل المؤمنين . انتهى فالجواب أن نقول : حنانيك قد أفتيت فاستبق بعضنا فلسنا بالحديد
ولا الجبال . ونحن نعتقد اعتقاداً جازماً يرتفع عن مجال الشك والاشكال بأن الجهاد
المشروع في الإسلام هو الدفاع عن الدين ودفع أذى المعتدين على المؤمنين وأن
الإسلام يسالم من يسالمه ولا يقاتل إلا من يقاتله أو يمنع نشر دعوته أو يلقي
الفتنة بين أهله ، وليس هذا بالظن ولكنه اليقين الذي تدل عليه نصوص القرآن المبين
وسيرة محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في السياسة
الشرعية : ( ان من لم يمنع المسلمين من اقامة دين الله لم تكن مضرة كفره إلا على
نفسه ) أي فلا يُقاتل وما فهمه الكاتب بما قاله في صفة الدفاع فإنه ليس من خُلق
أهل الدين وقد قيل : ( ما آفة الأخبار إلا رواتها ) وقالوا : ويل للشعر من رواة
السوء . وما يشعرني أن لهؤلاء الجماعة الذين مقتهم وعدّهم ليسوا
بشيء أنهم أسعد بالحق والصواب منه – وأكبر ما ينقم عليهم فيه هو مخالفتهم لرأيه في
مثل هذه المسألة لكونه جعل رأيه بمثابة الميزان الذي يزن به أقوال الناس . وكل يدعي وصلا لليلى وليلى
لا تقر لهم بذلك ونحن نسوق اعتقادنا في صفة الجهاد بالدفاع :- ان الله سبحانه أمر نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بابلاغ
هذا الدين والتبشير به جميع خلقه فقال سبحانه : " وأوحي إلي هذا القرآن
لأنذركم به ومن بلغ " . وذكر العلماء بأن من شرط صحة الجهاد بالقتال هو أن تتقدمه
الدعوة إلى الله لفتح القلوب بالإيمان قبل فتح البلدان ، فمتى أقبل دعاة الإسلام
على بلد ليدعوا أهله إلى دين الله بالحكمة والموعظة الحسنة ويجادلوهم بالتي هي
أحسن فإن فتح لهم الباب وسهل لهم الجناب وسمح لهم بالدخول ونشر دين الله والدعوة
اليه والاتصال بمن يرغبون اسلامه وتعليمه فهذا غاية ما يبتغون وبذلك فليفرح
المؤمنون فلا قتل ولا قتال ولا إكراه فيه ولا إجبار اما إذا خرج أهل البلد بقواتهم
وسلاحهم فنصبوا المدافع ووجهوا أفواه البنادق وسلوا السيوف ومنعوا المسلمين
ودعاتهم عن دخول البلد لنشر دين الله فانهم يعتبرون بأنهم معتدون على الدين وعلى
الخلق أجمعين بمنعهم دخول الإسلام في بلدهم الذي فيه سعادة البشر كلهم في دنياهم
وآخرتهم لهذا يعتبر المسلمون بأنهم مكلفون من الله باقتحام كل شدة ومشقة وخوض كل
خطر وضرر في سبيل نشر دين الله فيقاتلون في سبيل الله اشترى من المؤمنين أنفسهم
وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويُقْتَلُون وهذا القتال
يعتبر دفاعاً لشرهم حتى تزول الفتنة والاضطهاد عن الدين وقتالهم انما هو بسبب منعهم
لنشر الدين لا لسبب إكراههم على الدين . يقول الله تعالى : " لا إكراه في
الدين قد تبين الرشد من الغي " . وقال سبحانه : " ولو شاء ربك لآمن من
في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تُكْرِه الناس حتى يكونوا مؤمنين " . وقال :
" وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين " . وقال : " فذكر انما أنت
مذكر لست عليهم بمسيطر " . أي لست بمسلط على إدخال الهداية قلوبهم – إن عليك
إلا البلاغ . قل : " يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فلنفسه
ومن ضل فقل انما أنا من المنذرين " . وقال : " وإن اعرضوا فما أرسلناك
عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ " . وهذه آيات محكمات لا نسخ فيها فمتى دخل الدعاة أو الفاتحون
في البلد بهذه الصفة ونشروا دين الله بدون مانع فقد صارت كلمة الله هي العليا ،
ودينه الظاهر والهداية من الله . وقد فتح الصحابة رضي الله عنهم كثيراً من البلدان بالقرآن
بهذه الصفة وهي نفس ما فعله رسول الله في فتح مكة . فإن قريشاً لما نقضوا العهد
الذي أبرمه رسول الله معهم في صلح الحديبية بهجومهم على خزاعة وقتلهم لهم على حين
غفلة منهم وكانت خزاعة قد دخلت في عقد رسول الله وعهده . فانتقض بذلك عهد قريش مع
رسول الله فعزم على غزوهم وقال : ( اللهم عم الأخبار عن قريش حتى نبغتها في دارها
) فسار بالصحابة نحوهم عام ثمان من الهجرة وأعطى راية الأنصار سعد بن عبادة ولما
سمعه يرتجز بتمنيه للقتال ويقول : ( اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل فيه الكعبة )
فأخذ الراية منه ودفعها إلى ابنه قيس . وقال للصحابة : ( أنه سيلقاكم أوباش قريش
فاياكم أن تحصدوهم ) كما سيأتي الكلام موضحاً في فتح مكة حيث منّ رسول الله على
جميع أهلها . يقول الله : " وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة
من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا " . والمقصود أن السيف لم يصل إلى كافة الأمم التي اعتنقت
الإسلام وانما وصل اليها هداية القرآن حيث خرج الصحابة من بلادهم والقرآن بأيديهم
يفتحون به ويسودون . فهو السبب الأعظم الذي به نهضوا وفتحوا وسادوا وبلغوا المبالغ
كلها من المجد والرقي وتحولوا بهدايته من الفرقة والاختلاف إلى الوحدة والإئتلاف ،
ومن الجفاء والقسوة إلى اللين والرحمة ومن البداوة والجهالة والهمجية إلى العلم
والحضارة والمدنية واستبدلوا بأرواحهم الجافية الجاهلية أرواحاً جديدة دينية
صيرتهم إلى ما صاروا اليه من عز ومنعة وعلم وعرفان . وقد أنجز الله لهم ما وعدهم
في القرآن في قوله : " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم
في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم
من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئا " وصدق الله وعده . |