![]() |
|
|
مقدمــــة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله . وبعد : فإن الاختلاف بين العلماء في فروع
المسائل هو أمر واقع ما له من دافع ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك . وكان
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون لهم باحسان يقع دائماً بينهم النزاع
في الأحكام وأمور الحلال والحرام . لكنهم وان تنازعوا فيما تنازعوا فيه فإن الصحبة والمحبة
ثابتة بينهم لا يزيلها الخلاف ولا ينقصها غلب أحدهم بالحجة فيردون ما تنازعوا فيه
إلى الله والرسول . فبعضهم يصيب الحق فيعظم الله أجره ويرفع في العالمين درجته
وينتشر بين الناس فضله . وبعضهم يخطئ إصابة الحق بعد اجتهاده في طلبه فيحظى بأجر
واحد من ربه ويغفر الله له خطأه ، تحقيقاً لقوله سبحانه : " ربنا لا تؤاخذنا
إن نسينا أو أخطانا " . قال الله قد فعلت . وإن هذه المقدمة قد عملتها لتكون بمثابة الترجمة الواسعة (
للجهاد المشروع في الإسلام ) فهي بمثابة التمحيص والتصحيح لهذه المسألة التي طال
فيها الجدال بين العلماء مع العلماء وبين الأساتذة مع الطلاب وبين أفراد المسلمين
مع أهل الكتاب فكل إنسان يعبر عنها بما يعتقده في نفسه مما عسى أن يتلقاه من فقهاء
مذهبه ، لهذا أحببت أن أبين سبب الجهاد وموجبه وكيف كانت سيرة النبي صلى الله عليه
وسلم وخلفائه وأصحابه فيه ، ومن يستحق القتال ومن لا يستحقه ، وكون الرسول يسالم
من يسالمه ، واثبات الأمر اليقين في ذلك وإزاحة الشك والاشكال والكذب عنه مما عسى
أن لا تجده مفصلا في غيره وعسى أن ينقطع به النزاع ويعيد الخلاف إلى مواقع الاجماع
. هذا وان الانتفاع بكتاب كهذا يحتاج إلى تفقه في سائر فصوله
مع التخلي عن التعصب للشيوخ والمذاهب وأقوال الفقهاء القديمة الخالية من الدليل
والبرهان ولا أقول بعصمته فقد يخفى على قائله ما عسى أن يظهر لقارئه وفوق كل ذي
علم عليم . وان أغرب ما سمعته في هذا الزمان مما يتعلق ، بالجهاد
المشروع في الإسلام هو قول الشيخ صالح اللحيدان في كتابه ( الجهاد في الإسلام بين
الدفاع والطلب ) . قال : ( ان الرسول وأصحابه لم يدافعوا عن أنفسهم في وقعة بدر بل
كانوا مبتدئين بالقتال طالبين للعدو ) ، وقال ( إن حروب الرسول وأصحابه لهواذن
وحصاره للطائف وكذلك الغزوات الأخرى حيث كان الرسول هو الباديء بالقتال لنشر هذا
الدين بين الناس ولم تكن الغزوات منه لأنهم قاتلوه أو اعتدوا عليه فانهم لم يسبق
لهم ذلك إلا في نادر الأحوال ) .. انتهى ،، وأقول أن هذه الغلطة الكبيرة انما نشأت عن نقص علم وقصور
فهم أراد بها تعزيز رأيه فيما يعتقده من أن الرسول وأصحابه يقاتلون جميع الناس حتى
يسلموا وليس لها سبب في عدوان من يقاتلهم لأنه يعتمد في نقله على ما يعتقده في
نفسه بدون رجوع منه إلى صحيح المنقول وبدون فقه منه في سبب غزوات الرسول ، ويظهر
منه أنه بطيء العهد بتعاهد القرآن الذي فيه تفصيل هذه القضية على الجلية بأحسن
تبيان فان به تحقيق بداية المشركين بالعدوان إذ أن هذا الأمر اليقين الذي يرتفع عن
مجال الشك والاشكال لثبوته بمقتضى الدليل والبرهان والسنة والقرآن ، وكلما بعد
الإنسان عن تدبر القرآن ضعفت حجته ، فمن قال ان الرسول هو البادئ بالقتال بدون سبب
يوجبه من المشركين فقد أعظم الفرية عليه وقال بما لم يحط بعلمه ويخشى من تعدي غلطه
إلى بعض من يسمعه من جهلة العوام وضعفة العقول والأفهام فيظنونه حقاً وهو بالحقيقة
باطل . وسنورد من الدلائل النقلية والبراهين الجلية ما يزيل اللبس
عن هذه القضية حتى تكون جلية للعيان وحتى لا يختلف فيها اثنان وليس من شأن الباحث
أن يُفهم من لا يريد أن يفهم فمن دلائل القرآن قوله سبحانه : " أُذن للذين
يُقاتَلون بأنهم ظُلموا وإن الله على نصرهم لقدير . الذين أُخرجوا من ديارهم بغير
حق إلا أن يقولوا ربنا الله " . فأثبت سبحانه في هذه الآية بداية المشركين ، بالاعتداء
بالقتال على الذين أسلموا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأنهم يسومونهم سوء
العذاب ليردوهم عن دينهم كما قال سبحانه : " ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردكم
عن دينكم إن استطاعوا " وهذا القتال يشمل الضرب والتجريح . فقد كان الصحابة يأتون إلى رسول الله منهم المضروب ومنهم
المجروح ، وقد توفيت سمية أم عمار تحت التعذيب لصدها عن دينها كما توفي زوجها ياسر
. وكان رسول الله يمر عليهما وهما يُعذَّبان ويقول : ( صبراً يا آل ياسر فإن
موعدكم الجنة ) ، وكانوا يحمون الحجارة ويضعونها على بطن بلال وظهره ويقولون : قل
واللات والعزى ويقول أحد أحد . ولهذا قال : " أُذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا "
. فأثبت ظلم المشركين في تعذيبهم للمؤمنين بفنون التعذيب والأذى ولا ذنب لهم إلا
أنهم يقولون : ربنا الله ونبينا محمد . " وإن الله على نصرهم لقدير الذين
أخرجوا من ديارهم بغير حق " فقد أخرجوا الصحابة حتى أخرجوهم من بلدهم ،
والإخراج من البلد نظير القتل في كتاب الله ، فقد خرج فوق الثمانين من الصحابة ما
بين رجال ونساء إلى الحبشة يمشون على أرجلهم حتى أتوا ساحل البحر كله فراراً
بدينهم من الفتنة وبأبدانهم من التعذيب وبعضهم خرج مهاجراً إلى المدينة . والنبي صلى الله عليه وسلم خرج مهاجراً خائفاً مختفياً يقول
: ( والله إنك لأحبّ بلاد الله إليَّ ولو لا أن قومي أخرجوني منك لما خرجت )
وكانوا يصادرون أموال كل من هاجر إذا لم تكن له قيبلة تحمي ماله كما صادروا أموال
صهيب الرومي وأنزل الله فيه : " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله
" . ولهذا قال الصحابة : ربح البيع صهيب . ومنها قوله سبحانه : "
للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضواناً
وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون " . فأثبت سبحانه أن المشركين أخرجوا المستضعفين من بلادهم
وأموالهم في سبيل هجرتهم ونصرتهم لرسول الله يبتغون بذلك فضلا من الله ورضواناً ،
ولا ذنب لهم إلا أنهم آمنوا بالله ورسوله . ومنها قوله سبحانه : " إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء
ويبسطوا اليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون " . فبسط اليد بالسوء
هو بالضرب والتجريح والشجاج وبسط الألسنة بالسوء أي بالسب واللعن والسخرية وسائر
الأذية " لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي
صدورهم أكبر " . ومنها أن الله سبحانه أكد ابتداء المشركين بالاعتداء على
النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه في بداية الأمر ونهايته ، فقال سبحانه :
" ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم وهموا باخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة
أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين . قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم
وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبكم " . فأثبت سبحانه بداية
المشركين بالاعتداء على الرسول وأصحابه في بداية الأمر ونهايته وانهم نكثوا
أيمانهم وعهودهم التي أبرموها مع الرسول في صلح الحديبية وأنهم هموا بإخراج الرسول
كما حصروه مع عمه أبي طالب في الشعب يطالبون أبا طالب بتسليمه اليهم ليقتلوه .
وهذا معنى قول أبي طالب في قصيدته : والله لن يصلوا اليك
بجمعهم حتى أوسّدَ في التراب دفيناً وانما اشتد الأذى بالرسول بعد موت أبي طالب ، بل وهموا
بقتله حيث اتفقوا على أن يدفعوا لكل رجل سيفاً فيضربونه جميعاً بسيوفهم فيضيع دمه
بينهم فأطلع الله رسوله على ذلك وأذن له بالهجرة وأنزل الله : " وإذ يمكر بك
الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين
" . ومنها قوله سبحانه " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم
أولياء تلقون اليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول واياكم أن
تؤمنوا بالله ربكم " . أي لأجل إيمانكم بربكم . فأثبت سبحانه شدة عداوة المشركين لله ورسوله وعبادة
المؤمنين وانه يحرم على المؤمنين موالاتهم بإظهار المودة لهم وقد كفروا بما جاءكم
من الحق الذي هداكم الله به . ثم قال يخرجون الرسول من بلده لأنه خرج من مكة
مكرهاً وخائفاً مختفياً كما خرج المؤمنون فراراً بدينهم من الفتنة وبأبدانهم من
التعذيب لأجل إيمانهم بربهم . مثله قوله سبحانه : " إنما ينهاكم الله عن
الذين قاتلونكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن
يتولهم فأولئك هم الظالمون " فأثبت سبحانه قتال المشركين للمؤمنين على دينهم
لأجل إيمانهم بربهم ليردوهم بطريق الإكراه إلى ملة الكفر الذي أنقذهم الله منها . فهذه كلها آيات محكمات لا نسخ فيها ولا تبديل ولا تخصيص ولا
يجوز لأحد تغييرها ولا النظر في رأي يخالفها . وأما الاستدلال بفقه السيرة مما يثبت ابتداء الاعتداء من
المشركين على رسول الله وأصحابه وأنه قاتل فانما يقاتل لصد العدوان عن الدين وكف
الأذى والاعتداء عن المؤمنين وليس هذا بالظن ولكنه اليقين . أما مسألة الجهاد بالدفاع عن الدين وعن أذى المعتدين فقد
اعتنى العلماء المتأخرون بتصحيحها وتمحيصها أشد من اعتناء الفقهاء المتقدمين حتى
ارتفعت عن مجال الاشكال والغموض إلى حيز التجلي والظهور . فضعف فيها الخلاف وكاد
ينعقد عليها الاجماع . وإن غزوات الرسول كلها دفاع عن الدين وكف أذى المعتدين على
المؤمنين وليس هذا بالظن ولكنه اليقين . ونشير الآن إلى غزواته وأسبابها التي أشار الكاتب بأنها
وقعت من الرسول بطريق الابتداء بدون سبق عدوان من المشركين فمنها : حديث العير والنفير حيث خرج رسول الله في بعض أصحابه يريدون
عير قريش ، ومن المعلوم أن قريشاً هم الأعداء الألداء والبادئون بالاعتداء على
الرسول وأصحابه وقد استباحوا تعذيب الصحابة وأخذ أموالهم ، فهم أئمة الكفر الحلال
دمهم وأموالهم ، أفيلام رسول الله وأصحابه عندما حاولوا أخذ العير ليتقووا بها على
حرب عدوهم كما كان عدوهم يفعل ذلك بهم فيأخذون أموال المهاجرين إذ هذا من باب
المقاضاة بالمثل ، وقد قيل : الشر بالشر والباديءُ أظلم . يقول الله : " وإن
عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به " . وقال : " وجزاء سيئة سيئة مثلها
" : وقال : " ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل " . أما وقعة بدر فقد حدثت على غير ميعاد سبق وكان الرسول قد كره
وقوعها وقد نزل بأصحابه بالعدوة الدنيا مما يلي المدينة ونزل المشركون بالعدوة
القصوى مما يلي مكة وقد أرسل أبو سفيان اليهم يطلب منهم أن يرجعوا قائلا ان عيركم
وأموالكم قد سلمت فارجعوا إلى بلادكم لكنهم كما أخبر الله عنهم خرجوا بطراً ورثاء
الناس ويصدون عن سبيل الله ومعلوم قرب بدر من المدينة فهم قصدوا حرب الرسول
وأصحابه بطريق التحرش بهم وكان سبب بداية القتال أن أبا البختري قال والله لأردن
حوض مياه محمد ولأكسرن حوضهم وفعلا اندفع يريد أن يهدم الحوض فتلقاه حمزة بسيفه فقطع
رجله ثم انعقد سبب القتال بين الفريقين . ولما نصر الله نبيه وأصحابه وقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين
ووضعوا عليهم الفدي وبعدها سرحوهم بكفرهم إلى أهلهم وبلدهم امتثالا لأمر الله
سبحانه حيث قال : " فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا اثخنتموهم
فشدوا الوثاق فإما مناًّ بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله
لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض " فذكر سبحانه المن والفدي بعد الأسر ولم
يذكر القتل إلا في حالة التقاء الصفين . فلو كان الكفار يقتلون حتى يسلموا لطالبهم النبي إما
بالإسلام أو بالسيف وهذا واضح جلي لا مجال للشك في مثله ولكنه قال " أستأني
بهم لعل الله أن يهديهم أو يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً "
. ان قتال الرسول لقريش في بدر هو صريح لرد عدوانهم إذ أنهم
محاربون لله ورسوله وعباده المؤمنين والمحارب يقاتل في أي حال وجد كما قال سبحانه
: " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ان الله لا يحب
المعتدين واقتلوهم حيث ثقفتموهم " أي حيث وجدتموهم " وأخرجوهم من حيث
أخرجوكم والفتنة أشد من القتل " وقال : " ولا يزالون يقاتلونكم حتى
يردوكم عن دينكم ان استطاعوا " . فقتال الرسول لهم في بدر هو قتال لدفع شرهم وعدوانهم فهو
جهاد بالدفاع . ولم يكن قتاله لهم لإكراههم على الدين حسبما يظنه الكاتب ، ولم يكن
وقع ابتداء من الرسول بدون عدوان يوجبه منهم بل هم البادئون بالاعتداءوالمعلنون
بالحرب لله ورسوله والمؤمنين . ثم ليعلم أن الكفار منهم المحاربون ومنهم المسالمون وقد نزل
تفسيرهم في تفصيل ما يجب أن يعاملوا به فقال في شأن المسالمين : " لا ينهاكم
الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا
اليهم إن الله يحب المقسطين " . ثم قال في شأن المحاربين : " انما
ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على اخراجكم أن
تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون " . وهذه آيات محكمات لا نسخ فيها ولا
تخصيص وانما نزلت عام الفتح وهي ترد على من جعل الكفار كحالة واحدة وأنه يجب أن
يقاتلوا بطريق الهجوم أي الابتداء حتى يسلموا لا فرق في ذلك بين المحاربين
والمسلمين فهذا لا صحة له قطعاً . ومثله قتال الكفار المشركين للرسول وأصحابه يوم أحد حيث
غزوا الرسول وأصحابه في بلادهم فقتلوا سبعين من أصحاب رسول الله ، وهل قتال الرسول
لهم إلا دفاعاً لشرهم . ثم إنهم تخربوا على حرب رسول الله وأصحابه يوم الأحزاب
ومنهم عرب الحجاز ونجد ونقضت اليهود العهد الذي بينهم وبين رسول الله ودخلوا مع
قريش في حرب الرسول وتبعهم يهود خيبر لظنهم أنها الفاصلة المستأصلة للرسول وأصحابه
حتى ضرب النبي على المدينة خندقاً يمنع تجاوز الخيل وبلغ الخوف مع الرسول وأصحابه
إلى نهاية الشدة وأنزل الله فيه صدر سورة الأحزاب وفيها : " يا أيها الذين
آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم
تروها وكان الله بما تعملون بصيرا إذ جاءوا من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت
الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا . هنالك ابتلي المؤمنون
وزلزلوا زلزالا شديداً " إلى قوله : " ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم
ينالوا خيراً وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزا وأنزل الذين
ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب " . أفيقال إن الرسول هو الباديء بالقتال لأجل كفرهم وهم لم
يبقوا للصلح موضعاً مع الرسول وأصحابه ولم يألوا جهداً في فتنتهم للمؤمنين
وتعذيبهم " ان يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا اليكم أيديهم والسنتهم
بالسوء وودوا لو تكفرون " . ثم حارب الرسول يهود المدينة بعد نقضهم لعهده ومحاربتهم له
مع قريش فقتل بعضهم وأجلى بعضهم ومَنَّ على بعضهم . ثم قاتل يهود خيبر فلما نصره
الله عليهم وفتح خيبر رفع القتل عنهم وأجرى الاتفاق بينه وبينهم على زراعة النخيل
بشطر ما يخرج منها وهذه سنته في فتوح البلدان وهو أنه متى نصره الله عليهم وفتح
البلد فانه يرفع القتل والقتال عن أهلها ولا يسأل أحداً عن عقيدته فكل ما يسمعه
الناس وتبينه كتب السير والتاريخ من القتال في فتح البلدان كفارس والروم فانما يقع
هذا القتال خاج البلد حين يخرج أهلها بسلاحهم وقوتهم يريدون صد المسلمين ودعاتهم
عن نشر دين الله في بلادهم الذي فيه سعادتهم وسعادة البشر كلهم والذي كلف المؤمنون
بإبلاغه الناس مهما كلف الأمر فهم يخوضون كل شدة ويقتحمون كل مشقة في سبيل نشره
وإبلاغه فان أعرضوا أي عن قبول هدايته " فما أرسلناك عليهم حفيظا ، ان عليك
إلا البلاغ " . ولا ينبغي أن ننسى ما فعله رسول الله في فتح مكة وذلك أن رسول
الله صالح قريشاً يوم الحديبية على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم
عن بعض وان من دخل في عقد الرسول وعهده فانه منه ومن دخل في عقد قريش فهو منهم .
فدخلت خزاعة في عهد رسول الله فنقضت قريش هذا العهد بقتلهم لخزاعة على حين غفلة
منهم فغزاهم رسول الله عام الفتح لاعتبار أنهم محاربون له ولمن دخل في عهده فدخل
مكة والسلاح بأيدي أهلها وحذر أصحابه من أن يتعرضوا لقتل أوباش قريش عندما يلقونهم
. ولما سمع سعد بن عبادة يرتجز بتمني القتال وكان معه راية الأنصار ويقول : اليوم
يوم الملحمة اليوم تستحل فيه الكعبة . فأخذ الراية منه ودفعها إلى ابنه قيس . ولما دخل مكة وسّع نطاق الأمان لأهلها ولم يرعهم بقتل ولا
قتال إلا أفراداً عرف أن بقاءهم يفسد بقيتهم منهم عقبة بن أبي معيط الذي هو أشر
قريش والذي وضع سلى الجزور على رأس رسول الله وهو ساجد . ومنهم النضر بن الحارث
الذي يهجو رسول الله بشعره . وقد أسبل المنَّ والعفو على جميعهم وقال : ( اذهبوا
فأنتم الطلقاء ) ولم يسأل واحداً منهم عن دينه حتى دخلوا في دين الإسلام باختيارهم
وصدق عليهم قوله سبحانه : عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة
والله قدير والله غفور رحيم " ... وان أردت تفصيل ذلك بتفسيره فراجع قضية الفتح الأكبر الذي
أعز الله به الإسلام ونصر ، وأذل به الباطل وكسر من كتابنا هذا تجد فيها ما يشفي
ويكفي . وأما قضية هوازن حيث صرح الكاتب عنها قائلا : ( إن حروب
الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه لهوازن وحصاره للطائف حيث كان الرسول هو
الباديء للقتال لنشر هذا الدين بين الناس ولم تكن الغزوات منه لأنهم قاتلوه أو
اعتدوا عليه فانهم لم يسبق لهم ذلك إلا في نادر الأحوال ) . وأقول إن الشيخ رحمه الله يكتب عن القضايا كهذه وغيرها على
حسب ما يضمره في نفسه بدون رجوع منه إلى أصول القضايا والغزوات من مظانها في كتب
السير والتاريخ ، لهذا السبب كثر خلطه وخبطه بدون بصيرة من أمره فيجعل الباطل حقاً
والحق باطلاً ، وقد قيل لي ان كتابه لا يستوجب الرد لأنه معلوم البطلان عند كل
واحد فقلت للمعارض : ان كل من أوصلته خبراً لن تستطيع أن توصله عذراً ولكن وجوب
البيان وتحريم الكتمان يوجب علينا رد هذا البطلان خشية أن يحتج به بعض من يرى صحته
أو بعض من يعتقد اعتقاده لأنه متى قل العلم وساء الفهم ساءت النتيجة وقد قيل :
" خلاصة القول تظهر بالسبك ويد الحق تصدع آراء الشك " سبكناه ونحسبه لجينـــا
فابدى الكير عن خبث
الحديد وقد عقدنا لوقعة الهوازن فصلا مستقلا وذكرنا فيه سبب هذه
الغزوة التي أنزل الله في شأنها : " لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين
إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين
، ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين " . وقد ذكر ابن اسحاق وغيره أنه لما فتح الله مكة على رسوله
والمؤمنين وسمعت هوازن بذلك فشرقوا بهذا الفتح حنقاً وبغضاً للرسول وأصحابه وولاء
ومحبة منهم لقريش فعزموا على أن ينتقموا من الرسول وأصحابه فجمعهم ملكهم مالك بن
عوف النضري فاجتمع اليه مع هوازن ثقيف كلها على بكرة أبيها واجتمع اليه نضر وجشم
كلها وسعد بن بكر وناس من بني هلال وكثير من شتى القبائل ومن عرب الحجاز ونجد ومعه
يومئذ دريد بن الصمة وهو كبير يُحْمَل في هودج ليأخذ من رأيه حيث أنه مجرب في
الحروب فزحفوا بجمعهم من عوالي نجد بأهلهم وعيالهم وأموالهم لقصد الحفيظة حتى لا
يفروا عن القتال ونزلوا بعسفان بين مكة والطائف ليفاجأ الرسول وأصحابه بالهجوم
عليهم من قريب لظنه أن أهل مكة المغلوبين سيكونون عوناً له على القتال معه . ولما سمع رسول الله بخبرهم خرج اليهم بمن معه من أصحابه
وبعض أهل مكة ومنهم مسلمون وبعضهم باقون على شركهم فوصل اليهم رسول الله في عماية
الصبح بعد فتح مكة بعشرة أيام وكانت هوازن قد كمنوا في الشعاب والمضايق وقد تهيأوا
لينفروا جميعاً ، ولم يرع أصحاب رسول الله إلا والكتائب قد شدت عليهم شدة رجل واحد
فشمر الصحابة راجعين لا يلوي منهم أحد على أحد وانحاز رسول الله ذات اليمين وهو
يقول : " إليَّ ايها الناس هلموا إليَّ أنا رسول الله " وقد بقي معه نفر
من المهاجرين وأهل بيته ومنهم أبو بكر وعمر ومن أهل بيته علي والعباس وأبو سفيان
بن الحارث وابنه الفضل ابن عباس وربيعة بن الحارث وأسامة بن زيد وأيمن ابن أم أيمن
وقتل يومئذ . ولم يتراجع القوم إلا وبعض الأسرى عند رسول الله ولم يقتل
أحداً منهم بعد أسرهم وتفرقت هوازن ومن معهم وفرت ثقيف إلى بلدهم . أفيصدق أن يقال
والحالة هذه أن الرسول هو الباديء بقتال هوازن بدون سبب يوجبه منهم ؟ وهل بقي من
هوازن إلا هجومهم على الرسول في مكة ؟ ولا يدري عن سوء عاقبة هذا الهجوم فانه ما
غُزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا وساءت حالهم وقد قيل كل محصور مأخوذ . وأما حصاره للطائف فإن ثقيف على بكرة أبيهم كانوا مع هوازن
في الحرب على رسول الله فلما نصر الله رسوله والمؤمنين فروا إلى بلدهم وتحصنوا فيها
فهم مستحقون للقتل والقتال لثلاثة أمور : أحدها مشاركتهم لهوازن على حرب رسول الله
فهم محاربون لله ورسوله وعباده المؤمنين والله يقول : " وإن عاقبتم فعاقبوا
بمثل ما عوقبتم به " . وقال : " ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من
سبيل " ، والأمر الثاني : أن الرسول جاءهم قبل الهجرة وطلب منهم أن يؤووه
وينصروه حتى يبلغ رسالة ربه وقد قيل إنه مكث عندهم عشرة أيام فلما أحسوا أن بعض
ثقيف مال اليه وصدّق دعوته لهذا أرسلوا عليه سفهائهم فكانوا يرمونه بالحجارة
ورؤساؤهم ينظرون اليهم ويضحكون من فعلهم وهم يقولون : مجنون كذاب . وزيد ابن حارثة
يقيه ببدنه عن وقوع الحجارة فيه حتى رجع كئيباً حزيناً من فعلهم . الأمر الثالث
أنه بعد ما فرغ رسول الله من أمر هوازن ذهب إلى ثقيف رجاء أن يثوب اليهم عقلهم
فيفتحوا له الباب ويسهلوا له الجناب حتى يبلغ رسالة ربه في بلدهم كما فعل أهل مكة
. ومن سيرته أنه لا يعاقب أحداً بجريمة سلفت منه مهما عظمت متى خلوا بينه وبين نشر
دعوته في بلدهم ، لكنهم عصوا وتمردوا وناصيوه العداوة فرماهم بالمنجنيق ونصب عليهم
الدبابة فكانوا يحمون النبال بالحديد ويرمون بها في الدبابة ويرمون الصحابة من
وراء الجدران وفي السطوح حتى قتلوا سبعة من أصحاب النبي ، فانصرف عنهم وتركهم حتى
هداهم الله للإسلام وأتوا اليه طائعين . فهذا ملخص حصاره للطائف وهي مبسوطة بكاملها في كتابنا هذا . وأما غزوة لتبوك حيث أشار اليه الكاتب فان سببه أنه بلغ
رسول الله بأنه اجتمع جنود من بلخ وجزام وغسان وبعض منتصرة العرب وقد اجتمعوا في
تبوك يريدون غزو رسول الله وأصحابه وقد قدموا مقدماتهم إلى البلقاء وذلك عام تسع
من الهجرة فندب رسول الله أصحابه عام العسرة أي زمن جهد ومجاعة وانقطاع ظهر فخرج
في ثلاثين الفاً من أصحابه فكانوا يمرون على قبائل العرب من الحضر والبدو بوادي
القرى والذين لم يدخلوا في الإسلام بعد حتى وصلوا إلى بلد تبوك وبها مَنْ بها من
الناس فلم يرع أحداً منهم بقتل ولا قتال لأنه انما قصد الذين ظاهروه بالعداوة
وبرزوا لحربه وأصحابه لكنه في سفره لم يلق كيداً ووجدهم قد تفرقوا . فرجع إلى بلده
مؤيداً منصوراً . فهذه المقدمة نشير فيها إلى بعض الفواقر من المقتطفات التي
ذكرها الكاتب وكلها مفصلة بأسبابها في ضمن الكتاب . والله الموفق للصواب المؤلف |