الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

 

آداب عقد النكاح و إثبات الطلاق 

إن من الأمر المؤكد هو أن يوجد مقر يجتمع فيه الناس لعقد الأنكحة و إثبات الطلاق
و يتولى هذا المجلس أناس فقهاء يعرفون أحكام النكاح و الطلاق ، و أن العلم بالتعلم و كثرة المزاولات تعلي الملكات أي الحذق في المعرفة .

هذا و إن عقد النكاح أيسر في نفوسنا من إثبات الطلاق ، لكون الأنكحة يعرفها كل العوام  و أنها تدور على الإيجاب و القبول ، و الولي و شاهدي عدل ، و رضا الزوجة و إزالة الموانع  كصحة خروجها من عدة طلقها و عدم الإكراه ، و هذا كله معروف بلا إشكال ، و إنما الأمر المشتبه على أكث العلماء و كل العوام هو الطلاق و كيفية آدابه و حلاله و حرامه ، و الإسلام
و إن كان يجعل الطلاق مفوضا للزوج و حقا من حقوقه ، لكنه لم يجعله حقا مطلقا يستعمله كيفما شاء ، و يوقعه في أي وقت أراد . و إنما وضع له قيودا إذا راعاها الزوج كان إيقاع الطلاق مباحا لا إثم فيه ، و إذا فقدت أو فقد واحد منها  كان إيقاعه محظورا .

و إن من الواجب على الفقيه أن يعلم الناس كيفية ما يجب عليهم من الطلاق عند حاجتهم إليه ……

أولا : أن الطلاق بدون سبب يوجبه يعد من الأمر المكروه عند الله و عند رسوله ، و الله تعالى نهى الأزواج عن التعرض للزوجات إذا استقام أمرهن و صلح و حالهن في قوله سبحانه: ( فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ) و النبي e قال : » أبغض الحلال إلى الله الطلاق « . فلوا طلق الرجل زوجته بدون سبب يدعو إلى طلاقها كان آثما ، و لكن الطلاق الذي أوقعه يكون معتبرا و معتدا به شرعا .

ثانيا : يشعر الزوج بأنه لا يحل له أن يطلق زوجته في طهر جامعها فيه ، كما لا يحل للفقيه و كاتب الوثائق أن يثبت بهذه الصفة لكونه أمرا محرما فيكون شريكا له في الإثم فيقول أخر الطلاق حتى تحيض ثم تطهر .

ثالثا : أن تكون الزوجة غير حائض ، فإن الطلاق في حالة الحيض محرم لا يحل إثباته و لا الشهادة عليه حتى تزول عنها الحيضة ، ثم يستقبل الطلاق في الطهر .

رابعا : لا يجوز أن يطلقها بالثلاث مجتمعة ، سواء كانت بلفظ واحد أو بألفاظ متعددة ، كما يجب على الفقيه بألا يثبت طلاق هذا إلا عن طلقة واحدة .

و صفة الإثبات لهذا الطلاق هو أن يقول :

إنه بتاريخ يوم …… / ……… / من ……… عام ………

حضر فلان بن فلان و طلب مني سماع طلاقه لزوجته فلانة بنت فلان ….. و أنه طلقها بالثلاث بلفظ واحد أو بألفاظ متعددة ، و قد أشعرته بحكم الشرع بأن هذا الطلاق يقع عن طلقة واحدة بالكتاب و السنة . كما أشعرته بأن المرأة تبقى زوجة له رجعية كحالتها السابقة ، و يجوز أن ينظر إليها بلا محظور ، و أن ينفق عليها ما دامت في العدة. فإن طلقها طلقة ثانية في طهر
لم يجامعها فيه فهما طلقتان ، ثم يفكر في نفسه فإن رغب في إمساكها فإنه يراجعها و الأفضل أن يشهد على رجعتها ، و تكون عنده زوجة له كحالتها السابقة ، حتى إذا حاضت من حيضتها الثالثة بانت منه و حرمت عليه .

لكنه لو ندم عليها جاز له أن يتزوجها بعقد جديد ، أما إذا طلقها الثالثة فإنها تحرم عليه حتى تنكح زوجا غيره .

و إن هذا الأحكام يجب تعليمها للعوام حتى يتربوا على العلم بأحكام الطلاق الشرعي .

ثم الحكمة من هذا التشريع هو رغبة المشرع الحكيم في تحاشي وقوع الطلاق ، و إبقاء الزوجين على حالة الحياة الزوجية ما أمكن ، لأن الزوج إذا أراد الطلاق و منعه الشارع من إيقاعه في فترة الحيض و في حالة الطهر الذي واقع زوجته فيه ، و طالبه بالانتظار حتى ينتهي الحيض ، ثم يوجد الطهر الذي لم يخالطها فيه ، وجد أمامه مدة من الزمن يتروى فيها ويفكر في الأمر العظيم الذي سيقدم ، عليه و قد يدعوه ذلك إلا العدول عن الطلاق و الإبقاء على الزوجية
و يحل الوفاق محل القطيعة و الشقاق …. و بذلك تصان الحياة الزوجية و تحفظ الأسر من التفكك و الانحلال لكراهة الشارع التسرع إلى الطلاق و التوسع فيه .

ثم إن الطلاق الذي يجوز سماعه و إثباته هو أن يطلق زوجته طلاق السنة أو بالطلقة الواحدة في طهر لم يجامعها فيه ولم تكن حائضا ، فيثبت هذا الطلاق رجعيا ، بمعنى أن يشعر الزوج و كذا الزوجة بتريثهما إلى حين أن تحيض الحيضة الأولى ، فإن طلقها ثانيا جاز ذلك
و تعتبر طلقتين . ثم هو مخير بين أن يمسكها بالمعروف و ذلك بارتجاعه لها و الأفضل أن يشهد على رجعتها ، فتبقى زوجة له كحالتها السابقة ، فإن تركها و لم يراجعها حتى حاضت الحيضة ، فإنها تطلق منه و تحرم عليه ، لكنه لو ندم على طلاقها جاز له ذلك بعقد مستأنف من جديد . أما إذا طلقها الثالثة فإنها لا تحل له إلا بعد نكاح زوج غيره ، و يكون نكاح رغبة لا نكاح تحليل . لقوله تعالى : ( فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ) ويكون بالطلقة الثالثة كمن أغلق الباب بينه و بين الاتصال بزوجته .

و قد ذكر الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله في كتابه الأحوال الشخصية ص 357 ( أن الطلاق المتعددة بلفظ الثلاث ، أو بإشارة مقترنة بالثلاث ، أو بثلاث طلقات متتابعات في مجلس واحد ، يقع طلقة واحدة ، لأن السنة أن يطلق طلقة واحدة في طهر لم يجامعها فيه ، و لا في الحيض قبله ، فإذا خالف السنة و طلق اثنتين أو ثلاثا بلفظ واحد ، إنه يمضي عليه ما أذن الشارع و هو وقوع طلقة واحدة و يكون الباقي لغوا . و أيضا أن الطلاق كما هو صريح الآية الكريمة
( الطلاق مرتان ) لا يقع إلا في دفعات فلا يقع مرة واحدة . فإذا أوقعه دفعة واحدة بلفظ الثلاث
أو بالنطق ثلاث مرات ، فإنه لا تقع إلا واحدة و العدد لغوا أو ما يجيء بعد ذلك لغو لا يلتفت إليه.

و قد جاء القانون المعمول به في مصر رقم 25لسنة 1929 و عالج هذه الحال باعتبار أو الطلاق المتعدد لا يقع إلا واحدة ، و هو مذهب طائفة من السلف وتبعهم بعض الفقهاء . و نصت على ذلك الحكم المادة الثالثة و هي » الطلاق المقترن بعدد لفظ أو إشارة لا يقع إلا واحدة  « .

كما أن غالب بلدان الإسلامي اليوم تأخذ بهذا ، أي تجعل الطلاق المقترن بعد لا يقع إلا طلقة واحدة .

و إن المقصد من الحكم الشرعي في الطلاق هو حمل المطلق على ألا يسير إلا في الطريق الذي رسمه القرآن الكريم ، فلا يطلق دفعة واحدة و الطلاق في المجلس الواحد و لو متتابعة يعد دفعة واحدة .