![]() |
|
|
الحكم الشرعي في الطلاق السني و البدعي قال في المقنع في باب ( سنة الطلاق و بدعته ) ج 3 ص 137 . ( السنة في الطلاق أن يطلقها واحدة في طهر لم يصبها فيه ، ثم يدعها حتى
تنقضي عدتها. و إن طلق المدخول بها في حيضها ، أو طهر أصابها فيه ، فهو طلاق بدعة
محرم و يقع و الأصل في ذلك قوله سبحانه : ( يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن
لعدتهن مما يدل بطريق الوضوح على أن لكل مطلقة عدة و أن للزوج الحق في ارتجاعها في
مدة ( و لا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ) ثم قال : ( و بعولتهن أحق
بردهن في عدتها ، لقوله سبحانه : ( و المطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ) أي
ثلاث حيض ، ذلك ) . أي في زمن العدة . و هذه الرجعة حق للزوج حيث جعلت امرأته
بمثابة المحادة في بيته زمن عدتها رجاء مراجعتها ، فإبطال هذه الرجعة فيما يسمونه
المبتوتة لا صحة له ، فلكل مطلقة الحق في النفقة و الكسوة و السكنى ، و كذا مراجعة
الزوج لها مدة عدتها ، فكل هذه من الحقوق التي أوجبها الله سبحانه فلا حق لأحد في
أن يحتال لإسقاطها أو يحكم ببطلانها فقضاء الله أحق و حتى الآيسات من العجائز أو البنات الصغيرات اللائي لم يحضن فقد أوجب الله
عليهن العدة بثلاثة أشهر لقوله سبحانه : ( و اللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن
ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر و اللائي لم يحضن ـــ كالبنات الصغيرات ـــ فعدتهن ثلاثة
أشهر ــ أيضا ــ ) . و هذه العدة جعلت في مصلحة الزوجين بحيث تكون المرأة المحادة في بيته مدة
العدة أي ثلاثة أشهر رجاء مراجعته لها ، فتبقى في منزله و ينفق عليها من ماله
لاعتبار أن الرجعية زوجية . و فيها أنزل الله : ( أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم و لا تضاروهن لتضيقوا
عليهن ) فتبطلوا حق الله فيما حكم به لهن . و قد حكم رسول الله ، و حكمه حق و عدل ، أن للزوجة النفقة و السكنى ما دام
للزوج حق الرجعة عليها و إذا لم يكن له رجعة بأن خرجت من عدته فلا نفقة لها و لا
سكنى . و حتى لو مات أحدهما في أثناء العدة فإنه يرثه الآخر . قال في الفروج ج 5 ص 538 : و إن مات زوج رجعية في عدة طلاق سقطت و ابتدأت عدة وفاة من حين موته ، لكونها
وارثة ، ثم قال : و يلزم الحداد في العدة كل متوفي عنها في نكاح صحيح فقط . انتهى
. لكون الرجعية زوجية فتدخل في عموم قوله سبحانه : ( و الذين يتوفون منك و
يذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر و عشرا ) . إلا الحامل فإن عدتها في الطلاق و في وفاة الزوج بوضع حملها ،
سواء قصرت مدتها أو طالت . لقوله سبحانه : ( و أولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن
) من سورة الطلاق و هي إنما نزلت بعد سورة البقرة . و في الصحيح أن سبيعة الأسلمية نفست بعد وفاة زوجها بأربعين يوما فتجملت
للخطاب . فقال لها أبو السنابل بن بعكك و الله ما أنت بناكحة حتى يمر عليك أطول
الأجلين قال : فأخذت على ثيابي فأخبرت رسول الله e بقول أبي السنابل ،
فقال : كذب أبو السنابل ، فقد حللت فانكحي من شئت . متفق عليه ، و لهذا كان ابن
مسعود يقول : من شاء لاعنته من كون الحامل عدتها في الطلاق و في الوفاة بوضع حملها
، سواء قصر أو طال . فكيف تجعلون عليها التطويل و التثقيل و لا تجعلون لها الخفيف
. و قد علمنا مما سبق قول الموفق أن من طلق زوجته في حيضها أو في طهر أصابها فيه
فإنه بدعة ، و يقع ، ويستحب مراجعتها ، و في الرواية الثانية أنه يجب مراجعتها . فقد عرفت من هذه الرواية للإمام أحمد أنه متى وقع
الطلاق عن الطريق البدعي كالطلاق في الحيض أو في طهر جامعها فيه أو بالثلاث جميعا
÷، فإنه يجب رجعتها في إحدى الروايتين . و هذا هو الرأي الأخير من الإمام أحمد كما
حكى شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله ــ أن الإمام أحمد أفتى في أول عمره بالإلزام
بالثلاث ، ثم رجع عنه إلى القول بجعل الثلاث عن طلقة واحدة، و قال إني تدبرت
الكتاب و السنة فلم أر فيهما إلا الطلاق الرجعي . و صدق في ذلك فإن الإلزام
بالثلاث مع ما يترتب عليه من سقوط النفقة و السكنى و الرجعة أنه قول مبتدع ليس له
دليل من الكتاب و السنة . و بمعناه الطلاق بالثلاث جميعا بلفظ واحد أو في
ألفاظ متعددة في طهر واحد فإنه طلاق بدعة أيضا ، لما روى النسائي عن محمد بن لبيد
قال أخبر رسول الله e عن رجل طلق امرأته
ثلاثا جميعا ، فقام رسول الله غضبان و قال : أيلعب بكتاب الله و أنا بين أظهركم ،
حتى قال رجل أ فلا أضرب عنقه يا رسول الله من شدة غضب رسول الله . و هو لا يغضب
إلا إذا انتهكت محارم الله . و قد رد رسول الله e طلاق أبي ركانة الواقع
منه بالثلاث في مجلس واحد فحزن عليها فقال رسول الله e : » إنها واحدة راجع امرأتك «
. و نص الحديث عن ابن عباس رضي الله عنه قال طلق أبو ركانة أم ركانة فقال له
رسول الله e راجع امرأتك ، فقال
إني طلقتها ثلاثا قال قد علمت راجعها . رواه أبو داود و في لفظ لأحمد : طلق أبو
ركانة امرأته في مجلس واحد ثلاثا فحزن عليها فقال له رسول الله e : »
فإنها واحدة «
. و روى أبو داود من وجه آخر أن أبا ركانة طلق امرأته سهيمة البتة ، فقال و الله
ما أردت بها إلا واحدة ، فردها إليه النبي e ….. و قد أسلفنا
الكلام على طلاق أبي ركانة و قضية المبتوبة من رسالتنا هذه فليراجع . لكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : إن
الإمام أحمد و البخاري و أبا عبيدة ضعفوا حديث البتة ، و قالوا إنه ليس بشيء و
رواته مجاهيل فسقط الاستدلال به . و قد قيل إن أهل المدينة يسمون الثلاث البتة ،
فدل الحديثان الأولان أن الطلاق بالثلاث جميعا أنها ترد إلى واحدة. و قال في المغني في الرواية الثانية : (» إن جمع الثلاث طلاق بدعة
محرم «
اختارها أبو بكر و أبو حفص و روى ذلك عن عمر و علي و ابن مسعود و ابن عباس و ابن
عمر و هو قول مالك و أبي حنيفة . قال علي رضي الله عنه لا يطلق أحد للسنة فيندم ،
و في رواية قال : يطلقها واحدة ثم يدعها ما بينا و بين أن تحيض ثلاث حيض فمتى شاء
راجعها ، و عن عمر أنه كان إذا أتي برجل طلق ثلاثا أوجعه ضربا ….. ) انتهى . و تطليقة واحدة في طهر لم يجامعها فيه و ليست بحائض هي السنة بالإجماع
امتثالا لأمر الله سبحانه ، و موافقة لقول السلف ، و أمنا من الندم ، فإنه متى ندم
راجعها ، فإن فاته ذلك بانقضاء عدتها فله نكاحها بعقد جديد . قال مجمد بين سيرين
إن عليا كرم الله وجهه قال لو أن الناس أخذوا بما أمر الله من الطلاق ، ما يتبع
رجل نفسه امرأة أبدا ، يطلقها تطليقة ثم يدعها ما بينها و بين أن تحيض ثلاثا فمتى
شاء راجعها . و إذا قال أنت طالق للسنة فيطهر لم يجامعها فيه و لم تكن حائضة فإنها تطلق
واحدة و إن كل من تأمل نصوص الفقهاء في الطلاق و في غير الطلاق ، وجد بعضهم ينقل
عن بعض القول على علاته ، كما استدلوا على جواز الطلاق بالثلاث جميعا بلفظ واحد أو
بألفاظ في طهر واحد و كونه طلاقا بائنا لا تحل لزوجها إلا بعد نكاح زوج غيره . مع
اعترافهم بأنه طلاق بدعة و حرام ، و كون الحكم بينونتها يخالف حكم الله و رسوله في
قوله : ( فطلقوهن لعدتهن ) و في حكم النبي e على طلاق أبي ركانة
الواقع منه بالثلاث جميعا فقال له النبي e راجع امرأتك و في قول
النبي e : » من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد «
. و كل الأحاديث التي استدلوا بها جواز الطلاق بالثلاث كلها تدور بين صحيح
ليس بصريح و بين صريح ليس بصحيح ، كاستدلالهم بطلاق الملاعن عويمر العجلاني ، و قد
وقعت الفرقة الأبدية بمجرد اللعان ، فوافق طلاقة لغوا . و مثله استدلالهم بطلاق
أبي ركانة البتة . و من عجيب شدة التعصب للمذهب مع العلم بضعفه ما
ذكره الكاتب عن الإمام ابن العربي رحمه الله في قوله : ( و قد اتفق علماء الإسلام و أرباب الحل و العقد
في الأحكام على أن الطلاق الثلاث في كلمة و إن كان حراما في قول بعضهم و بدعة في
قول الآخرين فإنه طلاق لازم ) انتهى . فالجواب : أن نقول إننا لا نعلم في شريعة الإسلام
حكما من الأحكام يقول فيه علماء الإسلام بأنه بدعة و حرام ، ثم يحكم فيه القضاة
بالصحة و الإلزام ، إلا هذا الطلاق البدعي الواقع بالثلاث جميعا ، مع ما فيه من
الحرج و المشقة ، بدلا من الطلاق الشرعي الذي فهي الراحة و الرحمة و السعة، فكانوا
فيه كما قيل في المثل: »
اعط صاحبك تمرة فإن لم يقبلها فأعطه
و إنه ما من أحد من كبار العلماء إلا وقد عرف حقيقة
الطلاق الشرعي و الطلاق البدعي. لكن بعضهم يختار الحكم بالطلاق البدعي لأن فيه
شدة و غلظة على العوام ، مما يحبون عدم التسرع إليه و التوسع فيه ، فصار العمل
بهذا عقيدة لهم و طريقة ، و هي نفس ما فعله عمر رضي الله عنه من إلزام الناس
بالثلاث جميعا . لكن هنا أمر ينبغي أن يفطن له ، و هو أن الصحابة
كلهم و التابعين و أئمة المذاهب و العلماء المتقدمين و المتأخرين ، فكل هؤلاء
ليسوا بمعصومين ، فقد يقع الخطأ من بعضهم في قول مرجوح قاله ، أو رأي انتحله على
سبيل الاجتهاد الخطأ ، و له على خطأه أجر . لكن لا يكون المنتصر لخطئه أو المقلد
له في رأيه بمثابته في حصول الأجر ، و حتى الوزر ، بل فرضه الاجتهاد و النظر و
البحث و التفتيش عن الحق في مظانه حتى يقف على عينه ، فيأخذ به ويحكم بموجبه ،
لأنه لو اغتفر التقليد في حق العوام فلن يغتفر في حق العلماء الأعلام ، الذين
أوقفوا نفوسهم في الاشتغال بالعلم بكتاب ربهم و سنة نبيهم ، لكون العلم هو معرفة
الحق بدليله مع بيان صحيحه من عليله ، فمن علم بشيء منه فليقل به و من لم يعلم
فليقل الله أعلم فما عالم بدينه كمقلده. و قد اتفق جميع علماء الإسلام و أرباب الحل و العقد
للأحكام على إن من استبان له سنة رسول الله لم يكن له أن يدعها لقول أحد كائنا من
كان . |