الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

 

دعوة العلماء للعمل بالسنة  

فيا معشر علماء المسلمين يجب علينا أن نحاسب أنفسنا و أن نفكر في أعمالنا و أحكامنا ، هل نحن فيها على هدى أو في ضلال مبين ، و هل نحن متبعون أو مبتدعون ؟

إن الحكم بالطلاق الثلاث المجموعة بكونها طلاقا بائنا لا تحل المرأة لزوجها إلا بعد زوج آخر ، فإن هذا حكم جائر يترتب عليه فنون من المساوئ و السيئات و من الظلم و الظلمات .

فمن مسائه أن العلماء سموه طلاق البدعة ، و نحن معشر المسلمين يجب علينا أن نحارب البدعة أو أن نردها إلى السنة ما استطعنا إلى ذلك سبيلا ، عملا بقوله تعالى :

( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله و الرسول إن كنتم تؤمنون بالله و اليوم الآخر ذلك خير و أحسن تأويلا ) .

و لحديث : » من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد « .

و منها : أن الحكم بلزوم هذا الطلاق البدعي يترتب عليه لوازمه من سقوط النفقة
والسكنى ، حيث إن القائلين به و المتمسكين بمذهبه ، استدلوا على سقوط النفقة و السكنى بحديث فاطمة بنت قيس ، حيث بلغهم بلفظ أن أبا حفص طلقها ثلاثا و لم يجعل لها رسول الله نفقة
ولا سكنى عليه ، و أمرها أن تخرج من بيته إلى بيت ابن أم مكتوم . و قد غلطوا في فهم حديث فاطمة بنت قيس فإن طلاق فاطمة وقع مفرقا حسب الطلاق الشرعي ، و على صفة ما كان عليه رسول الله و أصحابه في الإجماع السابق .

و لفظ الحديث أنه أرسل لها بآخر تطليقة من الطلقات الثلاث هو باليمن ، و طلب و كيله منها أن تخرج من بيته ، و قد قال رسول الله فيما رواه النسائي : إنه لا يجب للمطلقة نفقة إلا إذا كان لزوجها عليها رجعة ، أما إذا لم يكن له عليها رجعة فلا نفقة لها و لا سكنى ، فأئمة المذاهب أخذوا بقوله في الحديث أنه طلقها ثلاثا لم يجعل لها نفقة و لا سكنى على زوجها ، و لم ينظروا إلى تفصيل الحديث و سبب سقوط النفقة ، و هن كونها خرجت من عدتها بالثالثة ، فلم يبق له عليها رجعة ، كما أنه لم يبق لها عليه نفقة و لا سكنى .

فالذين يحكمون بلزوم الثلاث هم يحكمون بسقوط نفقتها زمن عدتها ، و يقولون إن المبتوتة لا نفقة لها و لا سكنى ، و الشرع يوجب النفقة لكل مطلقة ما دامت في العدة ، كما أنهم يحرمون رجوع الزوج عليها زمن عدتها ، و أنها لا تحل له إلا بعد زوج آخر .

و من مساوئ الطلاق بالثلاث مجموعة : كونهم يحكمون بانقطاع الإرث من كل واحد منهما متى مات و هي في عدتها أو ماتت و هي في العدة ، لزعمهم أن المبتوتة لا سكنى لها
ولا نفقة و لا ترث زوجها و لا يرثها .

و الطلاق الذي شرعه ….. من لوازمه و موجباته بقاء المرأة في عدة الزوج حتى تخرج بعد غسلها من الثالثة ، أو بعد وضع حملها أو بعد ثلاثة أشهر في حق الآيسة و الصغيرة . و هذه العدة و الرجعة في خلالها هي فرائض من الله كفريضة الصلاة و الصيام لا يجوز لأحد تبديلها
ولا تغييرها و لا النظر في أمر يخالفها . يقول الله سبحانه : ( و المطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء و لا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله و اليوم الآخر
وبعولتهن أحق بردهن في ذلك ) أي في حالة العدة . لكون الرجعية زوجية ، و الطلاق الشرعي من لوازمه أن يكون رجعيا .
 

لقد مكثنا زمانا و نحن زمانا و نخن نرى كبار علماء المملكة العربية السعودية يفتي بعضهم بجعل الطلاق بالثلاث واحدة ، يحكمون بذلك و لا يتأثمون . منهم مشايخ آل عتيق و منهم الشيخ ابن سالم قاضي بلدان الخرج . و كذا الشيخ عبد الكريم البكرى من أهل البكرية و سكن بعمان و توفي فيها فكان يفتي به لأهل عمان .

و حدثني الشيخ عبد الله بن قاسم الثاني حاكم قطر سابقا ، و هو ثقة صدوق ، قال: حججت أول فريضتي فزرت الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف الشيخ رحمه الله فبحثت معه في الطلاق بالثلاث جميعا ، فقال لي أنا أفتيت بجعلها عن طلقة واحدة ثلاث مرات مع ثلاثة أشخاص.

و آخر من سمعنا عنه بأنه يفتي بها هو فضيلة العالم الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الباز عفا الله عنه ، و أن جميع علماء العرب المسلمين في الأمصار كمصر و السودان و المغرب
وسوريا و الكويت ، قد عمم علماؤهم العمل بجعل الطلاق الواقع بالثلاث عن طلقة واحدة ، فأنقذوا قومهم من التورط في هذه المشكلة و ساروا في طريقهم على وفق السنة المطهرة .

و من مساوئ الحكم بلزوم الثلاث متى وقعت بلفظ واحد أو في طهر واحد: أنها تفتح باب التحليل على مصراعيه ، بحيث إن الرجل متى انفلتت منه هذه الكلمة في حالة الغضب أو التشاجر ثم ندم على ما فرط منه ، و حاول الرجوع إلى زوجته ، و ربما أنها أم عياله ، ثم سأل عن طلاقها العلماء الموجودين في بلده ، و كلهم أفتوه بأنها حرام عليه حتى تنكح زوجا غيره ، فإنه حينئذ تضيق به الأرض بما رحبت ، و يشتد حنقه و قلقه على فراقها ، و يزداد تلهفه على حبها ، كما أنها تبكي على فراق زوجها و قد قيل :

منعت شيئا فأكثرت الولوع به

 

أحب شيء إلى الإنسان ما منعا

فإنه حينئذ يعمل حيلته في توسط المحلل بينه و بين زوجته ، و قد قال النبي e : » لعن الله المحلل و المحلل له « و سماه » التيس المستعار « و أكثر الناس لا يبالي عند وقوعه في هذه الضرورة كما قيل :

ألا قاتل الله الضرورة إنها
 

 

تبيح للمضطر أدنى الضرائر

و قد ذكر في التاريخ أن رجلا من العرب طلق زوجته بالثلاث فندم عليها حيث لم يجد من يفتيه بإرجاعها فأنشد :

ظلمتك بالطلاق بغير جرم

 

ألا بيني بنفسي أن تبيني

فأجابته بقولها :

رحلت إليه من بلدي و أهلي

 

فجازاني جزاء الخائنينا

فمن رآني فلا يغتر بعدي

 

بحلو القول أو يبلو الدفينا

و من طبيعة النفوس أنه متى سد عنها مشروعها فإنها تقتحم منه إلي محظورها .

و من مساوئ الإفتاء بجعل الثلاث متى وقعت بلفظ واحد أو في طهر واحد أنها طلاق بائن ، فإن من شؤم هذا الحكم و هذا الإفتاء ، أنها نقلت أمة ظاهرة قاهرة من مذهب أهل السنة إلى مذهب الشيعة .

و ذلك أن فارس في قديم الزمان غالب سكانه أهل السنة ، و الشيعة فيه قليلون إلى عام 707هـ حيث تولى الحكم الملك خدابنده محمد بعد أخيه غازان ، و قد كان أخوه غازان ميالا لأهل السنة ، وجاء خدابنده و استمر بعض الوقت مقيما على السنة إلى أن كانت سنة 709هـ حينما انتقل إلى مذهب الشيعة .

        يقول الخوانساري في مؤلفه » روضات الجنات « إن لابن المطهر دورا بارزا في تحويل السلطان من مذهب أهل السنة إلى مذهب الشيعة ، و يذكر لنا رواية تظهر هذا الدور الخطير .

و هي أن غضب يوما السلطان خدابنده من زوجته فطلقها ثلاثا ، ثم أراد أن يردها إلى عصمته ، فقال له فقهاء أهل السنة لا سبيل إلى ذلك حتى تنكح زوجا غيره ، و صعب عليه ذلك . فأشار عليه رجال حاشيته من الشيعة أن يدعو فقيها من علماء الحلة هو ابن المطهر ، و أكدوا للسلطان فيما وقع منه من الطلاق ثلاثا ، سأله هل طلقت بحضور شاهدين عدلين ؟ قال السلطان : لا فأفتى له ابن المطهر بأن الطلاق لم تتحق شروطه ، و لذلك لم يقع ، و له أن يعاشر زوجته كما كان يعاشرها قبل الطلاق فسر السلطان بهذه الفتوى ، فتشيع الملك . و بتسويل ابن المطهر كتب خدابنده إلى عماله بالأمصار بأن يخطب باسم الأئمة الإثني عشر على المنابر ، و نقش أسمائهم على نقوده ، و أمر بأن تنقش على جدران المساجد و المشاهد منهم . انتهى .

فعند الشيعة أن الطلاق البدعي لا يصح و لا يلزم مثل الطلاق بالثلاث جميعا ، فإنه لا تصح عن واحدة ، و لا عن ثلاث . و كذلك الطلاق في طهر جامعها فيه ، أو الطلاق في الحيض ، أو الطلاق غير المشهود عليه ، فكل هذا يعدونه غير صحيح و غير لازم ، و يستدلون بحديث » من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد « .