![]() |
|
|
عمر بن الخطاب و امضاء الطلاق بالثلاث ثم قال الشيخ محمد أمين : الحديث الذي رواه مسلم و أبو داود عن طاووس
أن أبا الصهباء قال لابن عباس هات من هناتك ، ألم يكن الطلاق على عهد رسول e و أبي بكر واحدة ؟ فقال : قد كان ذلك ، فلما كان في عهد
عمر تتايع الناس في الطلاق فأجازه عليهم . و هذا لفظ مسلم في صحيحه و هذه الطريقة
الأخيرة أخرجها أبو داود . و قال بدله عن غير واحد ، ولفظ المتن : » أما علمت أن الرجل كان إذا
طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله e و أبي بكر صدرا من إمارة عمر ؟ قال ابن عباس : بلى كان
الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل جعلوها واحدة على عهد رسول الله e و أبي بكر و صدرا من إمارة عمر ، فلما رأى الناس
، يعني عمر ، قد تتايعوا فيها قال أجيروهن عليهم . و للجمهور عن حديث ابن
عباس هذا عدة أجوبة . الأول : أن الثلاث
المذكورة فيه التي كانت تجعل واحدة ، ليس في شيء من روايات الحديث التصريح بأنها
واقعة بلفظ واحد ، و لفظ طلاق الثلاث لا يلزم منه لغة و لا عقلا و لا شرعا أن تكون
بلفظ واحد ، فمن قال لزوجته أنت طالق أنت طالق ثلاث مرات في وقت واحد ، فطلاقه هذا
طلاق الثلاث ، لأنه صرح بالطلاق فيه ثلاث مرات ، و إذا قيل لمن جزم بأن المراد في
الحديث إيقاع الثلاث بكلمة واحدة ؟ من أين أخذت كونها بكلمة واحدة ؟ فهل في لفظ من
ألفاظ الحديث أنها بكلمة واحدة ؟ و هل يمنع إطلاق الطلاق الثلاث على الطلاق بكلمات
متعددة ؟ فإن قال لا يقال له الطلاق الثلاث إلا إذا كان بكلمة واحدة ، فلا شك في
أن دعواه هذه غير صحيحة ، و إن اعترف بالحق و قال : يجوز إطلاقه على ما أوقع بكلمة
واحدة ، و على ما أوقع بكلمات متعددة ، و هو أسد بظاهر اللفظ ، قيل له : و إذن
فجزمك بكونه بكلمة واحدة لا وجه له . و إذا لم يتعين في الحديث كون الثلاث بلفظ
واحد ، و سقط الاستدلال به من أصله في محل النزاع ، فالجواب : أن الشيخ رحمه
الله ، في تقريره قد تهالك في تقوية رأيه و نصر مذهبه ، على حسب ما يعتقد من جعل
الثلاث متى وقعت بلفظ واحد أو ألفاظ متعددة فإنه طلاق شرعي غير بدعي ، فإنه قوله
سبحانه : ( الطلاق مرتان ) يريد به الطلاق الشرعي ، و كونه يقع عند ابتداء كل طهر
. و هذا معنى قوله : ( يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ) أي في قبل
عدتهن كما قال ابن عباس : إن الطلاق عند كل طهر . ثم إنه حاول إدخال هذه الرواية
الضعيفة التي فيها طلاق غير المدخول بها ، فساق قول ابن عباس : أن الإنسان إذا طلق
امرأته غير المدخول بها ثلاثا جعلوها واحدة ، يوهم الناس أ، الإجماع السابق الذي
كان على عهد رسول الله و أبي بكر و صدرا من خلافة عمر أنه طلاق غير المدخول بها
فسبحان الله ! …. كيف يتم صرف الكلام إلى غير المعنى المراد منه ، فإن غير المدخول
بها تبين بواحدة بقوله سبحانه : ( يا أيها الذين آمنوا إذا
نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها
فمتعوهن و سرحوهن سراحا جميلا ) . فهذه القضية لا خلاف فيها
بين الصحابة و لا عند العلماء الذين ينكرون الطلاق بالثلاث كشيخ الإسلام ابن تيمية
و العلامة ابن القيم و غيرهما . ثم إن قوله : إن الرجل إذا قال لامرأته أنت طالق
أنت طالق أنت طالق فإنها تعتبر ثلاثا ، يريد أن يجعل هذا الطلاق بصفته طلاقا شرعيا
، و نحن إنما نحمل قوله مع جلالة قدره و سعة علمه على عدم التفقه في الطلاق الشرعي
، لكونه قد صرف جل فهمه في الطلاق البدعي ، يحاول جعله شرعيا ، فأنى له برفع أنف
جدعته المخالب . و الطلاق الشرعي يجب أن
يكون عند ابتداء كل طهر ، فمتى قال لامرأته أنت طالق أنت طالق أنت طالق في طهر لم
يجامعها فيه ، فإنها تطلق بواحدة ، و الثنتان تعتبران لغوا . لأن المفروض كون
الطلاق رجعيا فرضا محتما على الناس لقوله سبحانه : ( فطلقوهن لعدتهن ) أي في قبل
عدتهن ، و الرجعية لا يلحقها طلاق . فسنة الطلاق هو إن الإنسان
متى عزم على طلاق زوجته فإنه يجب عليه أن يراعي حدود الله و محارمه و الله يقول : ( تلك حدود الله و مت يتعد
حدود الله فقد ظلم نفسه ) . فمن واجب الإنسان أن يطلق
في طهر لم يجامعها فيه ، ثم يتركها حتى تحيض حيضة ، ( و إذا طلقتم فبلغن
النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ) . قال ابن كثير في التفسير
عن علي بن طلحة عن ابن عباس : نزلت هذه الآية في الرجل يطلق امرأته طلقة أو طلقتين
، فتنقضي عدتها ، ثم يبدو له أن يتزوجها و تريد المرأة ذلك ، فيمنعها أولياؤها من
ذلك ، فنهى الله الأولياء أن يمنعوها . و ذلك أن الطلقة الواحدة
تبين المرأة إذا لم يراجعها زوجها في عدتها ، و مثله الطلقتان المتفرقتان ، و عند
الثالثة إما أن يمسك بمعروف أو يطلق بإحسان ، فإن لم يطلق فإنها تطلق منه و لا تحل
له إلا بعقد جديد. و قد روى البخاري في صحيحه عند تفسير هذه الآية أنها نزلت في
معقل بن يسار و أخته ، أن أخته طلقها زوجها فتركها حتى انقضت عدتها ، فخطبها زوجها
، فأبى معقل ، فنزل قوله سبحانه : ( و إذا طلقتم النساء
فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن ) . و هكذا رواه أبو داود و
الترمذي و ابن ماجه و ابن أبي حاتم و ابن جرير و ابن مردويه من طرق متعددة عن
الحسن عن معقل بن يسار ، و صححه الترمذي أيضا و لفظه عن معقل ابن يسار أنه زوج
أخته رجلا من المسلمين على عهد رسول الله e فكانت عنده ما كانت ، ثم طلقها تطليقة لم يراجعها حتى انقضت
عدتها ، فهواها و هوته ، ثم خطبها مع الخطاب ، فقال له : يا لكع بن لكع أكرمتك بها
و زوجتكما فطلقتها ، و الله لا ترجع إليك أبدا آخر ما عليك . قال : فعلم الله
حاجته إليها و حاجتها إلى بعلها ، فأنزل الله : ( و إذا طلقتم النساء
فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به
من كان منكم يؤمن بالله و اليوم الآخر ذلكم أزكى لكم و أطهر و الله يعلم و أنتم لا
تعلمون ) . فدلت هذه الآية و تفسير
الحديث لها على حسن الأدب مع الله في اختيار الطلاق الشرعي ، و حسن عاقبته ، من
كون الزوج متى ندم على طلاقه و رغب في زوجته و رغبت فيه فإنه يجوز بعقد مستأنف من
جديد . بخلاف الحكم بلزوم الطلاق
بالثلاث ، و كون المقلدين يحرمونها على زوجها إلا بعد زواجها بآخر . فهم كما قال
شيخ الإسلام يحرمونها على زوجها الذي هي حلال عليه ، و روى مسلم في صحيحه و أبو داود و غيرهما عن طاووس عن ابن عباس أنه قال :
كان الطلاق على عهد رسول الله e و أبي بكر سنتين من
خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة . فقال عمر بن الخطاب : إن الناس قد استعجلوا أمرا
كان لهم فيه أناة ، فلو أمضينا عليهم فأمضاه عليهم. و في رواية : أن أبا الصهباء قال لابن عباس : هات
من هناتك : ألم يكن طلاق الثلاث على عهد رسول الله e و أبي بكر واحدة ؟ قال
قد كان ذلك . فلما كان في عهد عمر تتايع الناس في الطلاق فأمضاه عليهم و أجازه . و أقول : إن هذا الحديث على ما دل عليه القرآن في
قوله سبحانه : ( الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ) و المرتان من شأنها
أن تكون مرة بعد أخرى ، و أن تكون كل مرة عند ابتداء كل طهر ، إلا أن تكون المرأة
حاملا أو آيسة . يقول ابن عباس : إن الطلاق عند ابتداء كل طهر ، و هذا هو الإجماع
السابق الذي دل عليه هذا الحديث زمن النبي e و أبي بكر و صدرا من
خلافة عمر . و ما كان شرعا سابقا زمن الرسول ، ولم ينسخه الرسول فإنه شرع الله
الذي لا يتغير و لا يتبدل إلا بسبب يقتضيه الشرع ، و عمر و ابن عباس و سائر
الصحابة بشر ليسوا بمعصومين ، فقد يقع من أحدهم الخطأ على سبيل الاجتهاد ، و له
على خطأه أجر و على صوابه أجران . لكن لا يكون حكمه أو تأديبه شرعا مستمرا دائما ،
فمع فرض كونه أدب الناس زمن ولايته ليرتدعوا عن سوء ما يعملون ، من شأنهم في
الطلاق بالثلاث جميعا ، و هو أمر محرم فألزمهم به تأديبا لهم ، فإنه لا يلزم أن
يستمر هذا التأديب إلى يوم القيامة و شرع الله أوثق و دين الله أحق. و نحن نسوق كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في تفصيله
لهذا الطلاق الذي ألزم عمر الناس به . قال : شيخ الإسلام تعليقا على قول عمر بن الخطاب
رضي الله عنه : إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة ،
فلو أنفذناه عليهم ، فأنفذه عليهم . قال: هو بيان أن الناس أحدثوا ما استحقوا عنده
أن ينفذ عليهم الثلاث . . . . و إن قدر أن عمر رأي ذلك لازما فهو اجتهاد منه
اجتهده . و من جعل قول عمر فيه شرعا لازما قيل له : هذا اجتهاده قد نازعه فيه غيره من الصحابة ، و
إذا تنازعوا في شيء وجب رد ما تنازعوا فيه إلى الله و الرسول . و إما أن يكون عمر جعل هذا عقوبة تفعل عند الحاجة
، و هذا أشبه الأمرين فيه بعمر . ثم العقوبة بذلك يدخلها إنما تكون لمن يستحقها .
فمن كان من » المتقين «
استحق أن يجعل الله له فرجا و مخرجا و لم يستحق العقوبة . و من لم يعلم أن جمع
الثلاث محرم فلاما علم أن ذلك محرم تاب من ذلك اليوم ، أن لا يطلق إلا سنيا ، فإنه
من المتقين في باب الطلاق ، فمثل هذا و الذي يحمل عليه أقوال الصحابة أحد أمرين : إما أنهم رأوا من باب التعزير الذي يجوز فعله بحسب العادة ، كالزيادة على
أربعين في الخمر ، و إما لاختلاف اجتهادهم فرأوه لازما . و أما القول بكون لزوم الثلاث شرعا لازما كسائر الشرائع : فهذا لا يقوم
عليه دليل شرعي . و على هذا فالقول الراجح لهذا الموقع أنه يلتزم طلقة واحدة و يراجع امرأته
. انتهى . فمتى علمنا هذا و كون عمر قد أراد به خيرا ، و قد تربى الناس على صحة إيقاع
الطلاق بالثلاث ، شب عليه الصغير و هرم عليه الكبير ، و لم يجدوا من العلماء من
يبين للناس خطأهم فيها ، و صار العوام و بعض العلماء يظنونها حقا ن و يحكمون بموجب
لزومها ، يعمد الشخص إلى أحد القضاة أو كتاب الوثائق فيوقع طلاق امرأته عنده
بالثلاث ، ثم يرجع إلى بيته فيصيح بامرأته و ورقة الطلاق بيده ، و يقول اخرجي عن
بيتي أنت طالق ، فلا يحل لي أن أرى وجهك فينفذ القاضي صحة قوله و طلاقه ، فلا يحكم لها بنفقة و لا سكنى
، لاعتبار أنها مبتوتة أي مقطوعة . و اعتمد الأئمة لصحة وقوع هذا الطلاق على حديث
فاطمة بنت قيس أن أبا حفص طلقها ثلاثا فلم يجعل لها رسول الله نفقة و لا سكنى . و
أبو حفص إنما طلقها طلقة بعد طلقة و لما استدعاها مروان بن الحكم و سألها عن الطلاق الواقع عليها حيث استفاض
بين الصحابة أنها امرأة قد تحفظ و قد تنشى ، فقالت لمروان : بيني و بينكم كتاب
الله ، إن الله يقول: لهذا التزم المقلدون بالاستدلال بهذا الحديث ، و هو واقع في غير موقعه
الصحيح ، فلا يقاس عليه طلاق المبتوتة التي طلقها زوجها بالثلاث في مجلس واحد و
بلفظ واحد ، فإن هذه في حكم الشرع رجعية ، كما قال ابن عباس : إن الطلاق في أول كل
طهر . و قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : إن الطلاق الشرعي من لوازمه أن يكون رجعيا ، بحيث إذا ندم على طلاقه أرجع
زوجته إلى عصمته ما دامت باقية في عدته. بخلاف من يحكمون بلزوم الطلاق بالثلاث جميعا ، فإنهم يحرمونها عليه و
يسقطون نفقتها و سكناها فيندم حيث لا ينفع الندم كما قيل :
يقول العلامة ابن القيم في كتابه » إغاثة اللهفان « : إن الذين
يفتون بإيقاع الثلاث جميعا أعظم إثما من الذين يفتون بجعلها عن واحدة و كونها تحل
لزوجها ، فإن هؤلاء يبيحونها لزوجها فقط ، أما أولئك الذين يحرمونها بالثلاث ،
فإنهم يحرمونها على زوجها و هي حلال له ،
|