|
أحكام قصر الصلاة في السفر بسم
الله الرحمن الرحيم الحمد الله رب العالمين وبه نستعين ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ومن
همزات الشياطين. أما بعد: فقد سلم إلى أحد المشايخ الكرام رسالة صادرة
من فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين ، إلى أخ له هو: عبدالرحمن بن الشيخ عبدالله ابن
عقيل ، تتضمن السؤال عن مسائل مرفقة بالجواب عنه ، ومن أهمها: السؤال عن قصر الصلاة للمقيمين في غير بلدهم للدراسة ،
أو لمدة تدريبية تبلغ سنة، أحدها: أن يقيم الشخص إقامة إستيطان ، والثاني: أن
يقيم انتظار لحاجة يريدها، ولم يعين مدة إقامته ، والقسم الثالث: أن يقيم في البلد
إقامة انتظار ، لحاجة مقيدة بمدة ، كسنة، وقد استقصى إحضار ما ثبت عنده فيما يتعلق من الأحاديث
، وآثار الصحابة والتابعين. وقد أجاد فيما أفاد . وقد تركز فحوى قوله على عدم صحة
تحديد مدة الإقامة التي تبيح القصر بأربعة أيام ، وكونه لا أصل لهذا التحديد ،
مستدلاً بأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أقام بمكة عام الفتح تسعة عشرة يوماً
يقصر الصلاة ، وأنه أقام بتبوك عشرين يوماً يقصر ، وهو استدلال واقع في موقعه
الصحيح . وهذان الحديثان هما أصح ما ثبت عن رسول الله ـ صلى
الله عليه وسلم ـ في طول المدة التي تقصر فيها الصلاة . وفتوى الشيخ: تدور على عدم التقيد بمدة في قصر الصلاة
، بل يجوز أن تقصر فيما هو أكثر من ذلك ، لكون المدة المقتضية لجواز القصر هو:
كونه في سفر ، حتى تنقضي لبانته ـ أي حاجته ـ فيزول القصر بانتهاء إقامته . وقد تسامح الشيخ وتساهل في تفريعه على القسم الذي هو
إقامة الإنسان في بلد إقامة طويلة ، غير مقيدة بمدة في انتظار حاجة ، وكونه يجوز
له القصر حتى ولو طالت مدة إقامته إلى سنة ، أو نصف سنة ، وكونه يجوز له القصر ،
والفطر في نهار رمضان . والذي أدركت على فضيلة الشيخ: تساهله في الإقامة ، حيث
جعلها ، وإن طالت مع العزم على الإقامة ، أنها سفر ، حتى ولو أقام سنين ، وهذا من
الترخيص الجافي ، بل هو من الترخص الجائر ، ويفتح للناس ، وخاصة الشباب ؛ باب
الفتنة في التفريط في هاتين العبادتين ـ أي عبادة الصلاة ، وعبادة الصيام ـ
فيتساهلون بتركها اعتماداً على سماع مثل هذه الفتوى. وقد قيل: إنك لم تحدث الناس بحديث لم تبلغه عقولهم إلا
كان عليهم فتنة ، وقالوا: إياك وما يسبق إلى القلوب إنكاره ، وإن كان عندك إعتذاره
. وإن القصر في السفر ، والفطر ، والجمع بين الصلاتين ،
يجب ألا يعارضا بترخص جاف ، ولا يعارضا بتشديد غال ، لا يحملا على علة توهن
الانقياد . كما حقق لذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ، والعلامة ابن القيم . والله يقول
(وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم
الذين كفروا ) . عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب:
(ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) . فقد أمن
الناس ؟ فقال: عجبت مما عجبت منه ، فسألت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: » صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته«
. و الضرب
في الأرض ينافي الإقامة في البلد ، فلا يسمى المقيم بالبلد مدة سنة ، أو نصف سنة ،
أنه يضرب في الأرض ، أو أنه مسافر ، و قد عزم على الإقامة ، و ألقى عنه أعباء
السفر من الزاد ، و المزاد ، عزم على الإقامة الطويلة فإن حكمه كحكم المقيمين في
الحضر ، لزوال حكم السفر عنه ، و كون الرجل مسافرا أو مقيما ، يعرفه الناس بمقتضى
البديهة . و إذا
سأله سائل : هل أنت مسافر أو مقيم ؟ قال : بل أنا مقيم . و النبي صلى الله عليه
وسلم ــ أقام بمكة تسعة عشر يوما من أجل شغله بتنظيم البلد ، فالخيام فوق رؤوسهم ،
و عصا التسيار بأيديهم ، و رواحلهم معقولة عندهم ينتظرون انتهاء المدة ، و قضاء
الحاجة ، فهم في شغل شاغل برواحلهم من العلف ، و السقي ، و الرعاية . فهم في حكم
المسافرين على الحقيقة . و ما إقامتهم هذه المدة ؛ إلا بمثابة الإقامة في البر تحت
الشجر ؛ لانتظار رفيق يلحق بهم ، أو انتظار ضالة يرجون حصولها . و مثله
إقامة النبي صلى الله عليه و سلم ــ بتبوك . فإنها عين الحاجة ، حتى و لو أقام
أكثر من ذلك . فهم مسافرون ، و ما إقامتهم هذه إلا بمثابة إقامتهم في أثناء سفرهم
في البرية . فقول أنس : »
خرجنا مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم ــ في سفر فمنا الصائم ، و منا المفطر ، فلم يعب الصائم على
المفطر ، و لا المفطر على الصائم «
. لا يعني بذلك أنهم فعلوا هذه الرخصة و هم مقيمون في البلد شهرا أو شهرين ، و
حاشا و كلا . و مثله :
سؤال حمزة بن عمرو الأسلمي ، حيث قال : إني أجد بي قوة على الصيام في السفر ، فهل
على جناح ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ »
هي رخصة من الله ، فمن
أخذ بها فحسن ، و من أحب أن يصوم فلا جناح عليه « . فهذه
الرخصة : إنما أفتى بها رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم في حالة سفره ، لا في
حالة عزمه على الإقامة الطويلة ، فإن هذا من عداد المقيمين لا المسافرين ، و لكل
شيء حكمه . و متى ثبت الأمر بعلة ، فإنه يزول بزوالها . و مثله :
ما حكاه ابن عمر من إقامة الصحابة بأذربيجان ، أربعة أشهر ، يقصرون الصلاة ، و قد
حال الثلوج بينهم و بين القفول . و ذلك أن الصحابة غزوا بلدان فارس ، و هم غرباء
بها . و من طبيعة الثلوج ؛ أنها تنزل بالليل ، و تتراكم ، حتى تكون بمثابة الجبال
. كما أن الناس يشاهدونها في كثير من البلدان ، إلى حالة أنها تدفن السيارات .
فالصحابة ــ رضوان الله عليهم ــ وقعوا في مأزق من هذا الثلج الذي حال بينهم و بين
القفول ، لكونه سد عليهم فم الشعب
فهم بوجوده لا يجدون حيلة و لا يهتدون سبيلا ، مع العلم أن الخيام مضروبة
فوق رؤوسهم و مثله :
لو حاصر العدو بلد المسلمين ، و قابلوه لقتاله ، فإنه يجوز لهم أن يصلوا صلاة
الخوف ، بكل طائفة ركعتين ، كقصر السفر ، كما يجوز لهم أن يفطروا رمضان و هم في
بلدهم ، لتقويتهم على القتال . و قد أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية أهل دمشق بالفطر
في رمضان في قتالهم التتار . و كل ما ذكره الشيخ محمد من قصر الصحابة و التابعين ،
مع طول مدة الإقامة فمحمول على ما
ذكرنا من حصارهم للبلدان ؛ إذ أنهم يقيمون في حصار البلد شهرين ، و ثلاثة فهم
باقون في حكم شدة السفر و مشقته ، و لم يحلوا حزامهم منه . أما
الطلاب الذين وصلوا إلى أمريكا ، أو لندن ، و من عزمهم الإقامة سنة أو أقل ، أو
أكثر ، و قد ألقوا عنهم جلباب السفر ،
عزموا و صمموا على الإقامة ، فهؤلاء يعتبرون بأنهم مقيمون لا مسافرون ،
شرعا ، و عرفا ، و لغة . أما كونهم في إقامتهم في حاجة للتعلم ، فليس هذا بعذر ،
فإن كل الناس لا تنقضي حاجاتهم ، كما قيل :
لهذا
ينبغي أن يعطى السفر ، و الضرب في الأرض حقه ، من رخصة في القصر و في الفطر ، و في
الجمع . و هو رخصة ، و ليس بسنة . أما القصر
في السفر : فسنة . فينبغي أن تقيد رخص السفر بالسفر ، و العزم على الإقامة
بالإقامة ، و لكل شيء حكمه . ثم إن
التوسع في رخصة السفر في مدته ، و إباحة القصر ، و الفطر فيه ، مع العزم على
الإقامة تعطي الناس ، و خاصة الشباب شيئا من الاستهانة بالأمر و النهي ، و خاصة
الفرائض المحتمة ؛ من الصلاة ، و صيام رمضان . إذ من المعلوم : أن من استباح الفطر
اعتمادا على مثل هذه الرخصة الجافية ، فإنه لن يستطيع الصيام ، و هو أمر مشاهد
بالتجربة ، يشهد به الواقع المحسوس ، لكون صيام الشخص مع الناس يعطيه شيئا من
القوة و النشاط على الصيام و قد قال
شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الصيام من الاختيارات : إن المسافر متى عزم على
إقامة أقل من أربعة أيام ، جاز له الفطر ــ انتهى . فلم يتوسع
في الرخصة كتوسع هذا الكاتب ــ عفا الله عنه . و
المقيمون من المسلمين في بلاد الغرب ، متى استهلوا هلال رمضان عرفوا تمام المعرفة
أنه يجب عليهم الصيام ، و يحرم عليهم الفطر ، و الله يقول : ( شهر رمضان الذي أنزل
فيه القرآن هدى للناس و بينات من الهدى و الفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه و من
كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ) . فأوجب الله سبحانه صيام رمضان على كل
من شهد هلال رمضان ، و هو مقيم في البلد ، معافى في الجسد ، ثم رخص في فطر المريض
، و فطر المسافر مع العزم على قضاء ما أفطر من عدة أيام أخر . و لا ينبغي أن يحمل
هذا المسافر الذي أبيح له الفطر ، على من عزم على الإقامة في بلد غير بلده المدة
الطويلة ، فإن هذا حكمه حكم المقيمين لا المسافرين . أما الجمع
بين الصلاتين : فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في المتفق عليه من حديث أنس ،
أنه كان إذا ارتحل قبل أن تزول الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ، فإن زالت الشمس
قبل أن يرتحل ، صلى الظهر و العصر ، ثم ارتحل . و في قدوم
النبي صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع إلى مكة كان يصلي كل صلاة في وقتها ،
قصرا ، ما عدا أنه جمع بين الظهر و العصر بعرفة ؛ لاتصال الوقوف ، و جمع بين
المغرب و العشاء بمزدلفة . و ما عدا ذلك ، فإنه يصلي كل صلاة في وقتها . و لهذا
قال ابن مسعود : »
من حدثكم أن رسول الله
ــ صلى الله عليه وسلم ــ كان يجمع بمنى ، فقد كذب و لهذا :
قال العلامة ابن القيم في الوابل الصيب : » أنه رخص للمسافر في الجمع بين الصلاتين عند العذر ، و تعذر فعل كل صلاة في
وقتها لمواصلة السير ، و تعذر النزول ، أو تعسره عليه . فإذا أقام في المنزل
اليومين و الثلاثة ، أو أقام اليوم ، فجمعه بين الصلاتين و لا
ينبغي أن ننسى الفتوح زمن عمر ، و زمن عثمان ، و على ، و ما قبل ذلك ، حين أرسل
النبي صلى الله عليه وسلم ــ معاذا و أبا موسى الأشعري إلى اليمن ، فكانا يتمان
الصلاة ؛ لاعتبار أنهما مقيمان في البلد . و مثله :
الأمراء ، و القضاة الذين يبعثهم الخلفاء الراشدون إلى البلدان ، كما بعث عمر ابن
مسعود إلى العراق يفقههم في الدين ، و كما بعث أبا موسى الأشعري أيضا ، و كما بعث
سعد بن أبي وقاص إلى الكوفة ، و كلهم ليسوا مستوطنين في هذه البلدان . فكانوا
يتمون الصلاة و يحافظون على صيام
رمضان ، و لم يقع ببال أحدهم أنه مسافر مع حالتهم هذه . و مثله :
أمراء الأجناد بالشام ، كانوا يتمون الصلاة في إقامتهم ، مع عزمهم على عدم
الاستيطان ، و لم يقع ببال أحدهم أنه مسافر يستبيح رخص السفر . ثم إن » الشيخ « ــ عفا الله
عنه ــ يستدل على صحة ما ذهب إليه ، بما هو حجة عليه فيستدل على جواز القصر بقوله سبحانه : ( و إذا ضربتم في الأرض
فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ) قال : و الضرب هو السفر . و هذا تفسير صحيح
. ثم قال: و
إذا كان الله قد أباح القصر للضارين في الأرض للتجارة و غيرها ، و هو يعلم ــ
سبحانه ــ أن من التجار من يمكث في البلاد عدة أيام ، لطلب التجارة و عرضها ، علم
أن الحكم عام . و نقول :
إن القرآن نزل بلسان عربي مبين ، فالعرب يعرفون بلاغة القرآن بلغته ثم إن
قياسه للعازمين على الإقامة بالبلد أزمنة طويلة ، كسنة ، أو نصف سنة ، على إقامة
النبي صلى الله عليه وسلم ــ بمكة عام الفتح تسعة عشر يوما يقصر الصلاة ، أنه قياس
فاسد مع الفارق ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ بمكة لم يلق عصا التسيار من
يده ، و الخيام مضروبة على رؤوسهم ، و الرواحل معقولة عندهم ، ينتظرون قضاء مهمة
التنظيم ، ثم يرحلون . فأين عذر هؤلاء من المقيمين سنة أو نصف سنة ؟ . ثم رأيت » الشيخ « نقل كلام
العلامة ابن القيم ــ رحمه الله ــ في فقه غزوة تبوك من صفحة 29/3 من زاد المعاد
قائلا : إن النبي صلى الله عليه وسلم ــ مكث بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة ، و لم
يقل النبي صلى الله عليه وسلم ــ للأمة : لا تقصروا الصلاة أكثر من أربعة أيام ، و
لكن : اتفقت إقامته هذه المدة ، وهذه الإقامة ، في حال السفر ، و لا تخرج عن حكم
السفر ، سواء طالت ، أم قصرت ، إذا كان غير مستوطن ، و لا عازم على الإقامة بذلك
الموضع ــ انتهى . فانظر إلى
كلام » العلامة « حيث قرن المقيم
بالبلد ، بالمستوطن بها ، و كلاهما لا يسوغ لها استباحة رخص السفر ، لاعتبار أنهما
مقيمان بالبلد غير مسافرين . ثم قال
الشيخ : » إن الأصل : أن المسافر باق على سفره ، حقيقة
عرفية و شرعية ، حتى ينتهي برجوعه إلى محل إقامته ــ يعني بلده ــ « . فالجواب :
أن نقول : إن هذه ليست بشرعية ، و لا عرفية ، فإن المسافر مسافر ، و المقيم مقيم ،
فهذه الجملة تعطي كون الإنسان متى أرسل إلى بلد لولاية القضاء بها أو الإمارة ، أو
ولاية أي عمل من أعمال الحكمة ، فإن الكاتب يعتبر هذا المسافر حتى و لو أقام في
وظيفة عمله سنين عديدة ، فإنه يبقيه على حكم سفره ، بحيث يبيح له القصر ، و الفطر
في رمضان و هذا
القول مخالف لإجماع المسلمين ، و ما يعتقدونه من حكم دينهم و كون المسلم متى عزم
على إقامة طويلة ، و لو بدون استيطان ، فإنه يجب عليه أن يتم الصلاة بها ، و يصوم
رمضان ، كفعل سائر أهل البلد ؛ لاعتبار أنه مقيم و ليس بمسافر ، و الناس كلهم
يفرقون بين المقيم و المسافر ، كما قيل :
ثم ساق الكاتب
آثار الصحابة في قصرهم الصلاة بأذربيجان ستة أشهر و قد أسلفنا الكلام عليه ، و
بيان العذر فيه ، و كون الصحابة مرغمين بالثلوج الحائلة بينهم و بين القفول . و قد أكثر
الكاتب من تكرار عدم صحة التقييد بأربعة أيام ، ثم ساق أثرا من مصنف ابن أبي شيبة:
أن رجلا سأل ابن عباس . فقال : إننا نطيل القيام بخراسان . فقال : صل ركعتين ثم ساق من
مسند عبد الرزاق عن الحسن ، قال : كنا مع عبد الرحمن بن سمرة في بعض بلدان فارس
سنين ، فكان لا يجمع ، و لا يزيد على ركعتين . ثم ساق عن
أنس ، و أنه أقام بالشام يقصر الصلاة ، ثم ذكر البيهقي عن أنس بن مالك: أن أصحاب
رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ أقاموا برام هرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة فالجواب
عن هذه الآثار : أن الفتوى تختلف باختلاف الزمان ، و المكان و الأحوال و قد قلنا
: إنها لو حوصرت البلد ، فإنه يجوز لأهلها أن يصلوا صلاة الخوف ــ أي ركعتين بكل
طائفة ــ كقصر الصلاة في السفر ، كما يجوز لهم الفطر . فمتى كان هذا في بلد
الإنسان ، فما بالك ببلدان الأعداء ، البعداء ، الذين لا يتوصلون إليها ، و لا
يحاصرون أهلها ثم قال » الشيخ محمد «: فهؤلاء أربعة
من الصحابة ، و أربعة من التابعين كلهم يرون جواز القصر في المدة الطويلة من
إقامتهم . و أقول :
إن كل أحد يؤخذ من قوله و يترك ، إلا رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ فإن هذه
الآثار التي استدل بها الكاتب على صحة ما ذهب إليه ، هي بالحقيقة مقتطفة من غزوات
الصحابة في فتوح البلدان ، فكانوا ينازلون البلد بالشهرين ، و الثلاثة ، و لا
يستطيعون فتحها ، و حسبك ما جرى لهم من فتوح مدائن فارس و تسمى مدائن كسرى ، و هي
محصنة بكل القوات و الوسائل . كما أشار
الكاتب إلى » رام هرمز « و أنهم مكثوا
فيه سبعة أشهر يقصرون الصلاة . و لا شك
أن القصر و الفطر مع هذه الحالة ، أنه متعين ، لكونهم في غاية شعثاء السفر و في القرن الثاني ، عند ابتداء تدوين
الحديث و الفقه ، نقل بعض الفقهاء قضية قصر الصحابة للصلاة مع أميرهم كل الأشهر
الطويلة بدون أن يذكروا السبب المقتضي لإباحة القصر، الذي يعرف به سببه و علته . ثم أخذ
العلماء من المحدثين و الفقهاء ، يتناقلون هذه الأقوال على علاتها من واحد إلى آخر
، كما الجاري من عادتهم : أن بعضهم ينقل عن بعض ، حتى وصل دور النقل إلى فضيلة
الشيخ » محمد الصالح « فأخرجها كقاعدة
مسلمة ، ترتفع عن مجال الشك و الإشكال ، و سيأتي من بعده من يقتدي به في قوله ، و
هكذا يتسرب الخطأ من عالم إلى آخر . و قد قيل:
فيا سبحان
الله ! هل يقاس هؤلاء ، الذين هم باقون ، و لم يحلوا عقدة سفرهم عنهم أ فيقاسون
بالتاجر المترفه المقيم بالبلد سنة ، و أكثر ، فيسمى مسافرا يستبيح رخص السفر ، و
هو مقيم ؟ . إن من
لوازم هذا القول : أن جميع المعلمين ، و المعلمات ، و الأطباء ، و الطيبات أ فيقال :
إن هؤلاء في حكم المسافرين ، لا المقيمين . و هل يباح لهم استباحة رخصة السفر ؟ و
لو سألت أحدهم : هل أنت مسافر أو مقيم ؟ لقال لك : بل أنا مقيم . و
المؤمنون منهم ، يعتقدون وجوب إتمام الصلاة ، و الصيام ، لا يختلج في قلب أحدهم
الشك في ذلك ؛ لأن كون الإنسان مسافرا ، أو مقيما ، هو مما يدركه كل إنسان ببديهته
و فطرته. و أنا
أنقل لك قضية تاريخية قريبة العهد بالحدوث ، و هي تقرب من فهم قضايا الصحابة في
قصرهم الصلاة الأشهر الطويلة . و حاصل
القضية : هو : أن علماء الدعوة ، ذكروا في كتبهم ؛ بأن الإمام فيصل بن تركي ــ
رحمه الله ــ و معه علماء الرياض ، نزل بجنوده في مكان يسمى » مسيمر « بطرف الدوحة ــ قطر ، من جهة الجنوب ، و هو باق
بتسميته إلى الآن . فمكث بهذا المكان أربعة أشهر ، و هم يقصرون الصلاة ، و معه
العلماء ، فأثبتوا هذا القصر في المدة الطويلة في كتبهم ، بدون ذكر سببه الذي يوضح
موجبه ، و ذلك أن الإمام في ذلك الزمان ، أراد فتح البلاد ، و حاصرها كل المدة
الطويلة ، و كانت الخيل تغير من بينهم ، ثم حصل الصلح و رجع إلى أهله . فنزول
الإمام » فيصل « في هذا المكان
، هو مثل نزول الصحابة في ذلك المكان و الحاصل
أن يقال : إن هذه المدة الطويلة ، التي استباح الصحابة قصر الصلاة فيها ، أنه قد
استعملها الإمام »
فيصل «
في قصر الصلاة ، كل المدة الطويلة ، متأسيا بالصحابة ، إذ عذره في سفره ، مثل
عذرهم ، و كل واحد منهم يستوفي أجره من ربه على حسب عمله ، و نيته . و مثله :
ما لو أرسلت إحدى الحكومات الإسلامية طائفة من الجنود ، لحراسة ثغر مخوف لحمايته مما يترقب دخول الأعداء من جهته ،
كما فعل حاكم عمان في إرسال الجنود دون دخول الشيوعية إلى البلدان الإسلامية ، فإن
هؤلاء الجنود ، يجوز لهم قصر الصلاة ،
الجمع بين الوقتين ؛ لاعتبارهم مسافرين دائما ، لكون نظام الحراس الانتشار
في الجهات للتجسس عن تسرب الأعداء ، و لا يزالون ملازمين لعملية الكشف عن الأمكنة
ليلا و نهارا . و يسمى
مثل هذا بالرباط ، كما أن المحافظين على حراسته ، و حمايته ، يسمون بالمرابطين . و
ورد في فضل الرباط أحاديث كثيرة ، و رباط يوم خير من الدنيا و ما فيها . و كان
الصحابة يتطوعون بالمرابطة ، و أنها أفضل من التطوع بالصلاة ، و الصيام و
المرابطة دون دخول الشيوعية إلى بلدان المسلمين ، هي من الجهاد في سبيل الله.
قال :
فلقيت الفضيل بالكتاب في المسجد الحرام ، فلما قرأه ، ذرفت عيناه . و قال : صدق
أبو عبد الرحمن ، و نصحني . و المقصود : أن الأمر الذي يجب بيانه ، و ننصح بموجبه
: أن كل من أتى بلدا غير بلده ؛ من تاجر أو طالب علم ، و من نيته الإقامة بها مدة
طويلة ، كأربعة أشهر ، أو أقل ، أكثر ، فإنه يجب عليه إتمام الصلاة ، و صيام رمضان
. و لا يحل له أن يترخص برخص السفر ، لكونه معدودا من المقيمين لا المسافرين . أما الذي
دخل البلد لحاجة العلاج له ، أو لقريبه ، أو لحاجة التجارة ، و من نيته عدم
الإقامة ، إنه يجوز له أن يترخص برخص السفر ، من قصر الصلاة ، ما لم يجمع على
إقامة قال شيخ
الإسلام ابن تيمية ــ رحمه الله ــ ص 80 في قصر الصلاة في السفر و الفطر قال : و
أما الإقامة : فهي خلاف السفر . فالناس رجلان : مقيم ، و مسافر . و لهذا كانت
أحكام الناس في الكتاب و السنة أحد هذين الحكمين . إما حكم مقيم ، و إما حكم مسافر
. و قد قال تعالى : ( و الله جعل لكم من بيوتكم سكنا و جعل لكم من جلود الأنعام
بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم و يوم إقامتكم ) ، فجعل للناس يوم ظعن ، و يوم إقامة .
و الله تعالى أوجب الصوم و قال: ( فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر
) فمن ليس مريضا ، و لا على سفر فقرر شيخ
الإسلام حكم السفر ، صفته ، و ما يترتب عليه ، من أحكامه ، و رخصه ثم رد على
فقهاء المذاهب في تحديدهم مسافة السفر ، الذي تقصر فيه الصلاة ، بيومين و ما
يذكره بعض الفقهاء من أنه لهم بمنى : » يا أهل مكة ، أتموا فإنا قوم سفر « كما رد
على الفقهاء في تحديدهم الإقامة التي تقصر فيها الصلاة بأربعة أيام و قال: لا دليل
على هذا التحديد . فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ أقام بمكة عام الفتح ،
تسعة عشر يوما يقصر الصلاة . و إقامته هذه ، لم تخرجه عن حكم السفر ، لأنه جلس
لتنظيم شؤون الفتح و قد بعث
البعوث إلى أطراف الحجاز ، و نجد ، لنشر دعوته ، و انتظر بم يرجع المرسلون . و قد
عزم على غزو هوازن . فخرج إليهم في حنين ، فهو في سفر مستمر كل مدة إقامته . و
مثله يقال في غزوة تبوك ، و أنه بعث بعض أصحابه إلى حول تبوك يبلغهم رسالته و يجوز له
الفطر ، و مسح الخف ثلاثة أيام بلياليها ، و غير ذلك من رخص السفر ، الذي تصدق
الله بها على عباده ، لتخفيف مؤونة السفر و تكاليفه عنهم ، لما روى أحمد ، و أصحاب
السنن و صححه . أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » إن الله وضع عن المسافر الصيام و لما
قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ــ : كيف نقصر و قد أمنا ؟ فقال » إنها صدقة تصدق بها عليكم فاقبلوا صدقته«
. و قد قال النبي صلى الله عليه وسلم: » إن السفر قطعة من العذاب ، يمنع أحدكم عن نومه و لذته ، فإذا قضى أحدكم
نهمته ، فليعجل الرجوع إلى أهله « . أما من
قدم البلد ، و من نيته أن يقيم بها مدة طويلة ، كشهرين و ثلاثة ، أو نصف سنة إن الناس
ينقسمون إلى قسمين : أحدهما
المسافر فيعطى أحكام السفر حتى لو تخلل سفره إقامة لم تخرجه عن حكم السفر القسم
الثاني : المقيم بالبلد طويلة ، كالصيفية و نحوها ، أو كنصف سنة للتجارة ، أو طلب
علم ، فهذه الإقامة حكمها حكم الاستيطان في سائر الأحكام ؛ من وجوب إتمام الصلاة لكون
الأصل في المقيم بالبلد ، الإتمام ، و سائر ما يلزم الحضر المستوطنين . أما
المسافر ، فإن له إباحة سائر رخص السفر . و كونه مسافرا ، أو مقيما ، يعرف
بالبديهة من أمره و تصرفه ، و الحاصل : أم من أحب العصمة في عمله ، و الثقة في
أمره ، فليتمسك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم القولية و الفعلية ، في سفره و
إقامته ، و ليدع عنه التحويلات البعيدة التي يقال فيها : إن فلانا الصحابي أقام
سنتين يقصر الصلاة ، و إن فلانا أقام سنة يقصر الصلاة و إن الصحابة أقاموا بأذربيجان أربعة أشهر يقصرون الصلاة ، و
إنهم أقاموا برام هرمز سبعة أشهر يقصرون الصلاة . فإن هذه
الأقوال كلها تحتاج إلى نظر في صحتها ، ثم إلى نظر في معرفة أسبابها ، لكون معرفة
السبب مما يعين على معرفة طريق الحكم . و أكثر هذه القضايا ، أو كلها ، وقعت في
فتوح البلدان، حيث كان الصحابة يقيمون في منازلة البلد في فتحها الشهرين و الثلاثة
، و هم يقصرون الصلاة . فنقل قدماء الفقهاء قصرهم للصلاة في المدة الطويلة ، و
أهملوا ذكر سببها ، و كونها إقامة لم تخرجهم عن حكم السفر ، بل هم باقون على شدة
السفر و مشقته ، لم يحلوا حزامهم منه . و على فرض
صحة هذه النقول ، فإنها أعمال وقعت من الصحابة و التابعين على سبيل الاجتهاد منهم
، و الصحابي فضلا عن التابعي ، إنما يحتج بروايته لا برأيه ، لكون الرأي يخطئ و
يصيب . هذا : و
إن العصمة و الثقة في التمسك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم القولية |