![]() |
|
|
الإيمان بالإسراء بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم قال
الله سبحانه : ( نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن و إن كنت من
قبله لمن الغافلين ) . إن
هذا القرآن الكريم يقص علينا خبر من كان قبلنا ، و نبأ ما سيكون بعدنا ، و هو
الحكم العدل فيما بيننا . يذكر
ــ سبحانه ــ : بأنه أرسل رسله بالبينات ، و بالبراهين و المعجزات يدعون الناس إلى
عبادة الله وحده ، و ترك عبادة ما سواه ، و ليحكموا بين الناس بالقسط . فمن
الناس من استجاب لدعوتهم ، و انقاد لطاعتهم ، و انقاد لطاعتهم ، و صدق نبوتهم فهؤلاء
قد عوقبوا بما تسمعون من قوله سبحانه : ( فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه
حاصبا ، و منهم من أخذته الصيحة ، و منهم من خسفنا به الأرض ، و منهم من أغرقنا ،
و ما كان الله ليظلمهم و لكن كانوا أنفسهم يظلمون ) . إن
الناس في المعجزات و الأمور المغيبات على قسمين: أحدهما
: المؤمنون الذين آمنوا بالله ، و صدقوا المرسلين ، فهم يؤمنون ، و يصدقون بكل ما
أخبر الله به في كتابه ، من معجزات أنبيائه تصديقا جازما ، سواء أدركوا سر معرفته
بعقولهم أو لم يدركوه ، لأن عدم
علمهم بالشيء ليس دليلا على عدمه ، فقد أتت الرسل بمجاراة العقول لأن
المسلم الحق ، متى آمن بالله القادر على كل شيء ، و الذي إذا أراد أمرا قال له كن
فيكون ، فإنه لن يعسر عليه التسليم لكل ما أخبر الله به في كتابه من معجزات
أنبيائه ، فقد أجرى الله سبحانه خوارق العادات في خلقه ، من معجزات أنبيائه التي
تجري على خلاف السنن المطردة والمعروفة و المألوفة عند الناس ، مما يدل على قدرة
الرب الذي أوجدها ، و صدق النبي جاء بها. و إنما سميت معجزة : لكون الناس يعجزون
عن الإتيان بمثلها ، لكونها من صنع الله ، لا من صنع الرسول ، و لا البشر . ( و ما
كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله ) ، و تسمى الآية فمن
المعجزات : خلق آدم من تراب ، ثم قال له كن فكان ، فصار بشرا سويا . و كخلق حواء
من ضلع آدم ، و خلق عيسى من أم بلا أب ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من
تراب ثم قال له كن فيكون ) . و مثله عصا موسى ، و هي عود من الشجر ، يتوكأ عليها ،
و يهش بها على غنمه ، و إنما صارت آية و معجزة ، حين أمره ربه أن يلقيها ، فقال
سبحانه: ( قال ألقها يا موسى: فألقاها فإذا هي حية تسعى . قال خذها و لا تخف
سنعيدها سيرتها الأولى ) . إنه
حين ألقاها صارت ثعبانا عظيما بإذن الله ، و لما أمره ربه أن يأخذها صارت عصا كعصا
أحدنا في يده ، و كمعجزة الريح لنبي الله سليمان ــ عليه السلام حين قال الله : (
فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب . و الشياطين كل بناء و غواص . و آخرين
مقرنين في الأصفاد ) . فكان
يبسط البسط ، و يجلس عليها هو و جميع جنوده على كثرتهم ، فتنقلهم غدوها مسيرة شهر
و رواحها مسيرة شهر . و كمعجزة نبي الله عيسى عليه الصلاة و السلام حين أنطقه الله
في المهد ، فقال : ( قال إني عبد الله آتاني الكتاب و جعلني نبيا و جعلني مباركا
أينما كنت و أوصاني بالصلاة و الزكاة ما دمت حيا . و برا بوالدتي و لم يجعلني
جبارا شقيا ) ، فكان يبرئ الأكمه ، والأبرص ، و يحي الموتى بإذن الله . و أنه لو
لا هذا القرآن النازل على محمد ــ عليه أفضل الصلاة و السلام ــ حين يقص علينا خبر
معجزات الأنبياء ، التي تعزز ينهم ، و تستدعي قبول دعوتهم ، لكذب الناس بهم ، و
بالكتب النازلة عليهم . (
إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون . و إنه لهدى و رحمة
للمؤمنين ) . فالتصديق
بهذه المعجزات ، هي عقيدة المؤمنين ، و من كذب بها فقد كفر . الصنف
الثاني : الماديون الطبيعيون ، الذين ينسبون كل شيء إلى الطبيعة ، بمعنى أنها
الموجدة لها دون الله ، فهم ينكرون ، و يكذبون ، بكل ما لم يدركوه بحواسهم ،
فينكرون وجود الرب ، و يكذبون بالملائكة ، و يكذبون بالبعث بعد الموت ، و يكذبون
بالجنة و النار . و فيهم أنزل الله : ( بل كذبوا بما لم
يحيطوا بعلمه و لما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة
الظالمين . و منه من يؤمن به و منهم من لا يؤمن به و ربك أعلم بالمفسدين ) . فهم
يبادرون إلى إنكار كل ما سمعوه من الخوارق ، و المعجزات ، و الأمور المغيبات، فهذا
دأبهم في نظرياتهم العلمية ، و من لا يؤمن إلا بما يدركه بحواسه ، فإنه يعتبر بأنه
كافر بالكتاب و بما أرسل الله به رسله . أما
معجزات نبينا محمد ــ عليه الصلاة و السلام ــ فإنها كثيرة جدا ، و لسنا بصدد
إحصائها في هذا المقام الضيق . فمنها : نبع الماء من بين أصابعه ، و منها
تكثير الطعام القليل حتى يشبع منه الخلق الكثير ، و منها قصة الأعرابية صاحبة
السطحتين ، أي الراويتين ، و حاصلها ما رواه البخاري في صحيحه عن عمران بن الحصين
، قال : كنا في سفر مع النبي صلى الله عليه وسلم فاشتكى إليه الناس من العطش ،
فدعا عليا و فلانا . فقال : اذهبا فابتغيا الماء ، فانطلقا ، فتلقيا امرأة بين
سطيحتين من ماء على بعير لها ، فقالا لها : أين الماء ؟ فقالت : عهدي بالماء أمس
هذه الساعة . فقالا لها : انطلقي . قالت : إلى أين ؟ قالا : إلى رسول الله صلى
الله عليه و سلم ــ قالت: الذي يقال له الصابئ ؟ قالا : هو الذي تعنين . فجاؤوا
بها إلى رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ و دعا النبي صلى الله و أطلق العزال ،
و نودي في الناس : اسقوا ، و استقوا . فملأوا قربهم و قدورهم و
كان العرب يسمون الرسول ــ صلى الله عليه وسلم ــ : الصابئ ، من أجل أن الناس
يصبون إليه ــ أي يميلون إليه ــ و يدخلون في دينه . و مثله ما جرى له مع شاة أم
معبد ــ و كانت عجفاء هزيلة لا تطيق المشي مع الصحاح ، فسمح ضرعها ، و سمى الله
عليها ، فتشافجت ،
لكن
المعجزة الخالدة الدائمة إلى يوم القيامة هي معجزة القرآن الحكيم ، الذي تحدي الله
به جميع الأولين ، و الآخرين ، على أن يأتوا بسورة من مثله . فعجزوا مع بلاغتهم ،
و شدة فصاحتهم ( قل لئن اجتمعت الإنس و الجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا
يأتون بمثله و لو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) . فهو
معجزة الدهور ، و آية العصور ، و سفر السعادة ، و دستور العدالة ، و قانون الفريضة
و الفضيلة ، و الواقي عن الرذيلة . و في الصحيحين : أن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: » ما من الأنبياء من نبي إلا
و قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ، و إنما كان الذي أوتيت وحيا أوحي
الله إلى فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة « .
إن
معجزات سائر الأنبياء قد وقعت بوقتها ، و مضت بمضي زمانها ، بحيث لا يشاهدوها تبعا
لإيمانهم بسائر المغيبات التي أخبر الله بها . و
إنما المعجزة الخالدة الدائمة و المشاهدة بالأبصار إلى يوم القيامة ، هي معجزة
القرآن ، الذي فيه خبر ما قبلكم ، و نبأ ما بعدكم . يقول الله سبحانه : ( كذلك نقص
عليك من أنباء ما قد سبق و قد آتيناك من لدنا ذكرا من أعرض عنه فإنه يحمل يوم
القيامة وزرا ) . إذ
لا يمكن إثبات معجزات الأنبياء السابقين ، إلا عن طريق القرآن الكريم ، و النازل
على محمد ــ عليه أفضل الصلاة و التسليم ــ فمن هذه المعجزات » معجزة الإسراء و المعراج « ، قال تعالى ( سبحان الذي أسرى بعيدة ليلا من المسجد الحرام إلى
المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير ) . فاستفتح
ــ سبحانه ــ خير هذه المعجزة العظمى بقوله : ( سبحان الذي أسرى بعبده ) و كان من
هدى النبي صلى الله عليه وسلم ــ أنه إذا أعجبه شيء إما سبح ، و إما كبر ، آخذا من
القرآن، و قد استبدل الناس بهما التصفيق بالأيدي ، و التسبيح و التكبير خير لهم لو
كانوا يعلمون . و
الصحيح من أقوال العلماء : أنه أسرى برسول الله ــ صلى الله عليه وسلم بروحه فأثبت
القرآن أن الله أسى ، بنبيه و رسوله محمد ، ليلا من المسجد الحرام . فقيل: أسري به
من الحجر ، و هو الصحيح . و قيل : من بيت أم هانئ ، إلى المسجد الأقصى الذي هو بيت
المقدس ، و هذا الإسراء معجزة عظمى ، خارقة للعادة ، و المعجزة ، كاسمها ، بحيث
يعجز الناس عن معارضتها ، و الإتيان بمثلها ، و هي تدل على صدق نبوة من أتي بها . و
ذكر أنه أوتي بالبراق ، و هو دون الفرس ، و فوق الحمار ، و سمى براقا ، لأنه مشتق
من البرق في سرعته ، ليريه من آياته و عجائب مخلوقاته في المسجد الأقصى ، وفي
السماء، ثم
إنه عرج به إلى السماء في صحبة جبريل عليه السلام ، فاستفتح السماء الدنيا ، فقيل:
من هذا ؟ قال : جبريل . قالوا و من معك ؟ قال محمد . قالوا : أ أرسل إليه ؟ قال نعم ، فقالوا: مرحبا به ، فنعم
المجيء جاء . ثم استفتح كل سماء مثل هذا حتى انتهى إلى سدرة المنتهى ، و فرض الله
عليه الصلوات الخمس مع فرض الوضوء على القول الصحيح . فقال : هي خمس ، و هي خمسون
ــ أي في مضاعفة الأجر ــ و الصحيح من أقوال العلماء ، و من نصوص القرآن يقول
الله سبحانه : ( و ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل
رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء ) . و
لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم ــ : هل رأيت ربك ؟ قال : نور أني أراه ــ أي
حال دون رؤيته نور . قالت عائشة من حدثكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ رأي
ربه فقد أعظم الفرية عليه ، ثم استدلت بقوله : ( لا تدركه الأبصار و هو يدرك
الأبصار و هو اللطيف الخبير). و
أما قوله سبحانه: ( و لقد رأي من آيات ربه الكبرى ) فإنها جبريل حين رآه في صورته
التي خلقه الله عليها ، بمنظر عظيم هائل . و
هذا الإسراء و المعراج ، حصل في ابتداء نبوته ، و ليس عندنا دليل يثبت تعيين يومه
أو شهر بطريق صحيح . فالقول
بأنه في شهر رجب ، هو قول لا صحة له ، و لا يستند إلى دليل ، و لم يكن من عادة
الصحابة ، و لا التابعين ، التجمع للإسراء و المعراج ، و ليس له عندهم أي عمل ، أو
اهتمام و
الحكمة من ذكره لها من القرآن ، هو الإيمان به ، العمل بما أوجب الله من المحافظة
على الصلوات الخمس التي افترضاها ، فهي أول ما افترض من الشرائع ، كما أنها آخر ما
يفقد من دين كل إنسان . و إنما سميت البدعة بدعة ، لكونها زيادة في الدين ، و من
عادة البدعة ، التمدد فاقتصاد
في سنة ، خير من اجتهاد في بدعة ، و محبة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ــ يظهر
حقيقتها في طاعته فيما أمر ، و تصديقه فيما أخبر ، واجتناب ما عنه نهى و زجر ، و
أن فقول
بعضهم إنها بدعة حسنة ، خطأ ، فليس في الإسلام بدعة حسنة بل كل بدعة ضلالة قال
: » و رأيت رجالا على اقبالهم
رقاع ، و على أدبارهم رقاع ، يسرحون كما تسرح الأنعام ، و يأكلون الضريع ، و
الزقوم ، و رضف جهنم . فقلت : يا جبريل من هؤلاء ؟ فقال: هؤلاء الذين منعوا زكاة
أموالهم ، و ما ظلمهم الله و لكن كانوا أنفسهم يظلمون « . قال
: » و رأيت قوما يزرعون في يوم
، و يحصدون في يوم ، فإذا حصدوا ، عاد كما كان فقلت يا جبريل ما هؤلاء ؟ قال : هؤلاء الذين ينفقون أموالهم في
سبيل الله ، فما أنفقوا من شيء فهو يخلفه و هو خير الرازقين « . رواه البزار من حديث أبي هريرة و في سند ضعف . فهذا
ملخص حديث الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم ــ يؤمن به المؤمنون و
سبحان ربك رب العزة عما يصفون ، و سلام على المرسلين و الحمد لله رب العالمين. |