![]() |
|
|
يسأل بعضهم : هل الإنسان مخير أو مسير؟ فالجواب
: أن الإنسان مخير ، أي فاعل مختار لعمله ، سواء كان خيرا ، أو شرا ، فلا يقع فعل
مقصود إلا من فاعل مختار ، يقول الله : ( إنا هديناه السبيل إما شاكرا و إما كفورا
) ، و قال: ( قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه و من عمى فعليها ) ، و الله
سبحانه يقول عند عرض صحائف الأعمال يوم القيامة ( يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها
لكم ، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد
خيرا فليحمد الله ، و من وجد غير ذلك ، فلا يلومن إلا نفسه ) . فمن
قال : إن الإنسان مسير ، فإن هذه طريقة الجبرية ، القائلين إن الإنسان لا يعدو أن
يكون مجبورا محضا في جميع أفعاله ، و تصرفات ، و يصفونه في تصرفه بالريشة المعلقة
في الهواء ، تقلبها الرياح اضطرارا ، و لا اختيارا . و
ينشدون في ذلك:
وأقول
: إن هذا الشعر هو من الكذب المفترى على الله ، و على رسوله و على القضاء أما
إذا عطل الإنسان هذه المنافع ، و لم يستعملها في سبيل ما خلقت له ، من عبادة ربه، فقد
خلق الله الإنسان ، و خلق له السمع ، و البصر ، الأفئدة ، و خلق له أيضا جميع ما يحتاج إليه في الدنيا من
المطاعم ، و المشارب ، و اللباس ، و الأدوية . فكل
العقاقير التي يستعملها الأطباء لعلاج الأمراض ، والوقاية من البلاء و الوباء ،
فهي بالحقيقة من مخلوقات الله التي أنبتها في أرضه ، رحمة منه لعباده بإيصال نفعها
إليهم ، و خص كل نوع منها بمرض
يزاوله و يشفيه ، فهي من قدر الله التي يقدر الله بها دفع البلاء و رفعه، لكون
الدواء ، أمانا للصحة وقت المهلة ، فالقائلون : ألقاه في اليم مكتوفا ، هم الجبرية
، الذين يحتجون بالقدر ، و يحاولون أن ينزهوا أنفسهم عن سوء ما فعلوا من المنكرات ،
و ترك الطاعات. قال
الخطابي ــ رحمه الله ــ : قد يحسب كثير ممن لا علم عندهم : أن القضاء و القدر من
الله ، عبارة عن إجبار العباد و قهرهم على ما قدره و قضاه ، و ليس كذلك . و إنما
معناه: الإخبار عن تقدم علم الله بما يكون من أفعال العباد ، و اكتسابهم لأعمالهم ،
و الحجة إنما تلزمهم بها، فالقدر
بنسبته إلى الله : عبارة عن سبق علم الله بالعباد ، و ما هم فاعلون و ليس علمه بها
هو جبر منه لهم على فعلها . انتهى . و
يحيلون جورهم ، و فجورهم، من تركهم الطاعات ، و ارتكابهم المنكرات و شربهم
المسكرات ، إلى القضاء و القدر. و ما ذنب القضاء و القدر و لكنهم المذنبون . فلو
تعدى ظالم على أحد هؤلاء بضربه ، أو أخذ ماله ، أو انتهاك محارمه ، ثم احتج على
سوء فعله بالقضاء و
لهذا يرى بعض العلماء : أن يجاوب الجبرية بالصفع على الوجه ، و يقال: هذا قضاء
الله و قدره ، كما كنت تحتج به . و
لما جيء إلى عمر بن الخطاب بسارق قد سرق ، و اعترف . فقال له عمر: ما حملك على
السرقة ؟ فقال: حملني عليها قضاء الله و قدره . فقال : و أنا أقطع يدك بقضاء الله
و قدره . ثم. ثم أمر به ، فقطعت يده . و
مثله احتجاج بعضهم بقول الشاعر:
و
هذا أيضا يعد من أفسد الشر ، و يتمشى على عقيدة الجبر ، كما ذكرنا فيما سبق . وهذا
القول ، و هذا الاعتقاد ، باطل بمقتضى النقل ، و العقل ، فهم يصورون القضاء و
القدر في نفوسهم ، بمثابة الغل في العنق ، و القيد في الرجل ، بحيث لا يتقصى أحد
عنه ، و لا محيص للناس منه ، و هو مدفوع بقول النبي صلى الله عليه وسلم ــ في هذا
الحديث: » احرص على ما ينفعك و استعن
بالله ، و لا تعجز « . و الله سبحانه لم يخلق
الخلق في الدنيا سدى مهملين، مضيعين ، كالمكتوفين ، بل خلقهم عاملين ، متحركين ،
مختارين . و
من بطأ به عمله ، لم يسرع به اتكاله على قضاء الله و قدره . و
حقيقة القدر : هو الإخبار عن سبق علم الله بالأشياء قبل كونها ، و أنه يعلم ما كان
، و ما سيكون ، كيف يكون . لأنه لا يخفى عليه خافية من أعمال عباده . فعلمه
بالأشياء قبل وقوعها شيء ، و الجبر منه عليها شيء آخر . فقد ثبت في صحيح مسلم ، من
حديث عبد الله بن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ــ قال : » إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق
السماوات قال
ابن عباس : إن الله خلق الخلق ، و علم ما هم عاملون ، ثم قال لعلمه كن كتابا ،
فكان كتابا ، فأنزل ( ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماوات و الأرض إن ذلك في
كتاب إن ذلك على الله يسير ) . ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب » الإيمان « 199. و
ثبت أن الله يدفع القدر بالقدر ، و أن الله يمحو القدر بالقدر ، و سمع من دعاء عمر
، أنه يقول:» اللهم إن كنت كتبتني في أم
الكتاب شقيا ، فامحنى ، و اثبتني سعيدا ، فإنك تمحو ما تشاء فالأنبياء
، و العلماء ، و دينهم الأمر ، و يقدمونه على القدر . فقول الشاعر:
هو
قول باطل قطعا ، فلا يكون التحرك مثل السكون ، إذ أن مدار الشرع على الأمر
و
قد قلنا بأن المرض الذي يصاب به الشخص ، هو من قضاء الله و قدره ، و أن الدواء
الذي يعالج به ليشفيه ، هو من قضاء الله و قدره أيضا ، فهم يشربون الدواء الكريه
المر ليقيهم من الوقوع في الضر ، كما قيل :
و
قد ثبت في الحديث : » بادروا بالصدقة ، فإن
البلاء لا يتخطى الصدقة « . و في مراسيل الحسن ، أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال : »
حصنوا أموالكم بالزكاة ، و داووا مرضاكم بالصدقة ، و استعينوا على حمل البلاء
بالدعاء و التضرع « . و الدعاء يتعالج مع البلاء بين السماء و الأرض
، فلا يعجز أحدكم عن الدعاء ، و يقول : إن كان هذا الأمر مكتوبا لي ، فسوف يأتيني
، دعوت ، أو لم أدع . فإن هذه طريقة الملاحدة الذين يحاولون إبطال عبودية الدعاء،
و هو مخ العبادة . و قد قدر الله بعض الأشياء ، و لا يحصلها الإنسان إلا عن طريق
الدعاء . و إن لم يدع لم تحصل له ( و من يبخل فإنما يبخل على نفسه ) . و سبحان ربك
رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين و الحمد لله رب العالمين . |