الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

يسأل بعضهم : هل الإنسان مخير أو مسير؟

 

فالجواب : أن الإنسان مخير ، أي فاعل مختار لعمله ، سواء كان خيرا ، أو شرا ، فلا يقع فعل مقصود إلا من فاعل مختار ، يقول الله : ( إنا هديناه السبيل إما شاكرا و إما كفورا ) ، و قال: ( قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه و من عمى فعليها ) ، و الله سبحانه يقول عند عرض صحائف الأعمال يوم القيامة ( يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ، ثم أوفيكم إياها،  فمن وجد خيرا فليحمد الله ، و من وجد غير ذلك ، فلا يلومن إلا نفسه ) .

فمن قال : إن الإنسان مسير ، فإن هذه طريقة الجبرية ، القائلين إن الإنسان لا يعدو أن يكون مجبورا محضا في جميع أفعاله ، و تصرفات ، و يصفونه في تصرفه بالريشة المعلقة في الهواء ، تقلبها الرياح اضطرارا ، و لا اختيارا .

و ينشدون في ذلك:

عليه في كل حال أيها الرائي

 

ما حيلة العبد و الأقدار جارية

إياك إياك أن تبتل بالماء

 

ألقاه في اليم مكتوفا و قال له
 

وأقول : إن هذا الشعر هو من الكذب المفترى على الله ، و على رسوله و على القضاء
والقدر ، فما ذنب القضاء و القدر ، و لكنهم المذنبون يجادلونك بالباطل ليدحضوا به الحق، فهو بعيد عن الحق ، فإن الله سبحانه لم يخلق الإنسان في الدنيا مكتوفا عن العمل و السعي ، والأخذ بالأسباب الحول و القوة ، و سائر ا يؤهله من السعادة ، و الوصول إلى الغاية و النعيم في الدنيا
وفي الآخرة ، و يقول الله: ( إنا هديناه السبيل إما شاكرا و إما كفورا  ) ، و قال: ( و الله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا و جعل لكم السمع و الأبصار و الأفئدة لعلكم تشكرون ) ، فهذه هي الوسائل و الأسباب التي تنجيه من عذاب الدنيا ، و عقاب الآخرة ، فيكون سعيدا في حياته،
و سعيدا بعد وفاته .

أما إذا عطل الإنسان هذه المنافع ، و لم يستعملها في سبيل ما خلقت له ، من عبادة ربه،
واستعمالها في مصالحه ، و منافعه المباحة ، فيكون بمثابة الأعمى و الأصم ، أن كالميت المكتوف . كما قال سبحانه : ( و جعلنا لهم سمعا و أبصارا و أفئدة فما أغنى عنهم سمعهم
ولا أبصارهم و لا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله ) ، و قال : ( أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ) ، و حكى ــ سبحانه ــ عن أهل النار
( و قالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير).

فقد خلق الله الإنسان ، و خلق له السمع ، و البصر ،  الأفئدة ، و خلق له أيضا جميع ما يحتاج إليه في الدنيا من المطاعم ، و المشارب ، و اللباس ، و الأدوية .

فكل العقاقير التي يستعملها الأطباء لعلاج الأمراض ، والوقاية من البلاء و الوباء ، فهي بالحقيقة من مخلوقات الله التي أنبتها في أرضه ، رحمة منه لعباده بإيصال نفعها إليهم ،  و خص كل نوع منها بمرض يزاوله و يشفيه ، فهي من قدر الله التي يقدر الله بها دفع البلاء و رفعه، لكون الدواء ، أمانا للصحة وقت المهلة ، فالقائلون : ألقاه في اليم مكتوفا ، هم الجبرية ، الذين يحتجون بالقدر ، و يحاولون أن ينزهوا أنفسهم عن سوء ما فعلوا من المنكرات ، و ترك الطاعات.

قال الخطابي ــ رحمه الله ــ : قد يحسب كثير ممن لا علم عندهم : أن القضاء و القدر من الله ، عبارة عن إجبار العباد و قهرهم على ما قدره و قضاه ، و ليس كذلك . و إنما معناه: الإخبار عن تقدم علم الله بما يكون من أفعال العباد ، و اكتسابهم لأعمالهم ، و الحجة إنما تلزمهم بها،
واللائمة تلحقهم عليها ، لمباشرتهم تلك الأفعال ، و ملابستهم إياها عن قصد و تعمد .

فالقدر بنسبته إلى الله : عبارة عن سبق علم الله بالعباد ، و ما هم فاعلون و ليس علمه بها هو جبر منه لهم على فعلها . انتهى .

و يحيلون جورهم ، و فجورهم، من تركهم الطاعات ، و ارتكابهم المنكرات و شربهم المسكرات ، إلى القضاء و القدر. و ما ذنب القضاء و القدر و لكنهم المذنبون . فلو تعدى ظالم على أحد هؤلاء بضربه ، أو أخذ ماله ، أو انتهاك محارمه ، ثم احتج على سوء فعله بالقضاء
والقدر ، فإنه لن يقبل منه هذا الاحتجاج ، لعلمه أنه احتجاج باطل ، حاول به التوصل إلى باطل ببديهة العقل ، فكيف يقبل على الله في ترك طاعاته ، و ارتكاب محرماته ؟

و لهذا يرى بعض العلماء : أن يجاوب الجبرية بالصفع على الوجه ، و يقال: هذا قضاء الله و قدره ، كما كنت تحتج به .

و لما جيء إلى عمر بن الخطاب بسارق قد سرق ، و اعترف . فقال له عمر: ما حملك على السرقة ؟ فقال: حملني عليها قضاء الله و قدره . فقال : و أنا أقطع يدك بقضاء الله و قدره . ثم. ثم أمر به ، فقطعت يده .

و مثله احتجاج بعضهم بقول الشاعر:

جرى قلم القضاء بما يكون

 

فسيان التحرك و السكون

و هذا أيضا يعد من أفسد الشر ، و يتمشى على عقيدة الجبر ، كما ذكرنا فيما سبق . وهذا القول ، و هذا الاعتقاد ، باطل بمقتضى النقل ، و العقل ، فهم يصورون القضاء و القدر في نفوسهم ، بمثابة الغل في العنق ، و القيد في الرجل ، بحيث لا يتقصى أحد عنه ، و لا محيص للناس منه ، و هو مدفوع بقول النبي صلى الله عليه وسلم ــ في هذا الحديث: » احرص على ما ينفعك و استعن بالله ، و لا تعجز « . و الله سبحانه لم يخلق الخلق في الدنيا سدى مهملين، مضيعين ، كالمكتوفين ، بل خلقهم عاملين ، متحركين ، مختارين .

و من بطأ به عمله ، لم يسرع به اتكاله على قضاء الله و قدره .

و حقيقة القدر : هو الإخبار عن سبق علم الله بالأشياء قبل كونها ، و أنه يعلم ما كان ، و ما سيكون ، كيف يكون . لأنه لا يخفى عليه خافية من أعمال عباده . فعلمه بالأشياء قبل وقوعها شيء ، و الجبر منه عليها شيء آخر . فقد ثبت في صحيح مسلم ، من حديث عبد الله بن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ــ قال : » إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات
والأرض بخمسين ألف سنة
« . و هذه الكتابة هي عبارة عن سبق علم الله بالأشياء قبل أن تقع .
وهذه الكتابة هي من عالم الغيب . فلا ينبغي أن نشبه كتابته بكتابتنا ، و لا قلمه ــ سبحانه ــ الذي يكتب به بأقلامنا .

قال ابن عباس : إن الله خلق الخلق ، و علم ما هم عاملون ، ثم قال لعلمه كن كتابا ، فكان كتابا ، فأنزل ( ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماوات و الأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير ) . ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب » الإيمان « 199.

و ثبت أن الله يدفع القدر بالقدر ، و أن الله يمحو القدر بالقدر ، و سمع من دعاء عمر ، أنه يقول:» اللهم إن كنت كتبتني في أم الكتاب شقيا ، فامحنى ، و اثبتني سعيدا ، فإنك تمحو ما تشاء
وتثبت
« . و الله يقول : ( يمحوا الله ما يشاء و يثبت و عنده أم الكتاب ) ، مما يدل على أن هذا المحو قد أزيل به كتاب سابق. و في حديث ثوبان: أن النبي صلى الله عليه وسلم ــ قال: » لا يرد القدر إلا الدعاء ، و لا يزيد في العمر إلا البر ، و أن الصدقة لتدفع ميتة السوء  « . و في دعاء القنوت » و قنا واصرف عنا شر ما قضيت « ، فأثبت في هذا الحديث ، كون الدعاء يرد القدر
والقضاء ، كما أن الصدقة تدفع ميتة السوء  . و كذا قوله :
» و لا يزيد في العمر إلا البر « ، سواء حملناه على زيادة الأيام و الليالي ، أو على البركة في العمر، و الكل واقع بقضاء الله
وقدره.

فالأنبياء ، و العلماء ، و دينهم الأمر ، و يقدمونه على القدر . فقول الشاعر:

جرى قلم القضاء بما يكون

 

فسيان التحرك و السكون

هو قول باطل قطعا ، فلا يكون التحرك مثل السكون ، إذ أن مدار الشرع على الأمر
والنهي ، و أصدق الأسماء : حارث و همام . فالهمام : هو الذي يهم بقلبه ، سأفعل كذا .
والحارث: هو الذي : هو الذي يسعى بيديه و رجليه إلى تحقيق آماله ، و السعي في أعماله،
و قد قيل :

المسلم الحق يصلي فرضه

 

و يأخذ الفأس ويسقي أرضه

يجمع بين الشغل و العبادة
 

 

ليكفل الله له السعادة

و قد قلنا بأن المرض الذي يصاب به الشخص ، هو من قضاء الله و قدره ، و أن الدواء الذي يعالج به ليشفيه ، هو من قضاء الله و قدره أيضا ، فهم يشربون الدواء الكريه المر ليقيهم من الوقوع في الضر ، كما قيل :

و خذ مرا تصادف منه نفعا

 

و تعدل إلى حلو يضر
 

فإن المر حين يسر حلو

 

و إن الحلو حين يضر مر

و قد ثبت في الحديث : » بادروا بالصدقة ، فإن البلاء لا يتخطى الصدقة « . و في مراسيل الحسن ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » حصنوا أموالكم بالزكاة ، و داووا مرضاكم بالصدقة ، و استعينوا على حمل البلاء بالدعاء و التضرع  « . و الدعاء يتعالج مع البلاء بين السماء و الأرض ، فلا يعجز أحدكم عن الدعاء ، و يقول : إن كان هذا الأمر مكتوبا لي ، فسوف يأتيني ، دعوت ، أو لم أدع . فإن هذه طريقة الملاحدة الذين يحاولون إبطال عبودية الدعاء، و هو مخ العبادة . و قد قدر الله بعض الأشياء ، و لا يحصلها الإنسان إلا عن طريق الدعاء . و إن لم يدع لم تحصل له ( و من يبخل فإنما يبخل على نفسه ) . و سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين و الحمد لله رب العالمين .