الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

ربط الأسباب بالمسببات

 

و كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم ــ فعل التداوي في نفسه ، و الأمر به لمن أصابه مرض من أهله ، و أصحابه ، و كل ما شرعه رسول الله صلى الله عليه و سلم ــ لأمته ، و أمر به  فإنه من الدين الذي يجب اتباعه و استعماله ، و يدخل في عموم قوله : » احرص على ما ينفعك
واستعن بالله ، و لا تعجز
« .

فالأنبياء و العلماء دينهم الأمر ، وعليه مدار العمل ، مع إيمانهم بالقضاء و القدر ، فهم يقدمون الأمر ، و يحاربون القدر بالقدر ، كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لما بلغه أنه
قد الطاعون بالشام ، فامتنع عن دخول البلد من أجله ، و عزم على الرجوع بأصحابه ، و لما قال له أبو عبيدة : أ فرارا من قدر الله يا عمر ؟ قال : نعم ، نفر من قدر الله إلى قدر الله .

و يقولون : القدر لا يمنع العمل ، و لا يجب الاتكال عليه ، و لا الاحتجاج به ، إلا في حالة بذلة للأسباب التي تقيه ، و ترقيه ، و تحفظه فمتى غلبه الأمر بعد ذلك . فإنه لا يلوم نفسه على تقصيره ، أو تفريطه ، و لن يلومه الناس ، إذ قد ينزل بالشخص من البلايا و المحن ،  ما لا طاقة له به . و لهذا قال : » و لا تقل لو أني فعلت لكان كذا و كذا  « . لأن هذا من اللوم المذموم . فالعاقل يأخذ في أموره بالحذر و الحزم ، و فعل أولي العزم ، فمتى غلبه أمر و لا يطيق دفعه
ولا رفعه ، فعند ذلك يلتجئ إلى قوله : هذا قدر الله ، و ما شاء فعل ، ليسلي بذلك نفسه .

و ليس عليه أن تتم المقاصد

 

على المرء أن يسعى و يبذل جهده

أما إذا غلبه أمر بسبب ضعفه ، و عجزه ، و تقصيره بأخذ الحيطة ، و وسائل الوقاية
والحفظ ، فإنه ملام على عجزه ، و لا معنى لاحتجاجه بقضاء الله و قدره ( ما أصابك من حسنة فمن الله و ما أصابك من سيئة فمن نفسك ) .

 و لما قصر الصحابة يوم أحد في حمايتهم ، و أهملوا الشعب الذي أمرهم النبي صلى الله عليه و سلم بحفظه حتى دخلت عليهم خيل المشركين من جهته ، فقتلوا سبعين من الصحابة
وكانوا يظنون أنهم لن يغلبوا ، من أجل أنهم جند الله ، و المجاهدون في سبيله مع نبيه ، فأنزل الله ( أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أني هذا قل هو من عند أنفسكم ) ــ أي بسبب تقصيركم بحفظ بيضتكم ، و حماية ثغركم .

حتى إذا فات أمر عاتب القدرا

 

و عاجز الرأي مضياع لفرصته

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ــ رحمه الله ــ إن التوكل ، إنما يكون مع الأخذ بالأسباب .
وإن ترك الأسباب بدعوى التوكل ، لا يكون إلا عن جهل بالشرع ، أو فساد في العقل ، فالتوكل محله القلب . و العمل بالأسباب ، محله الأعضاء و الجوارح ، و الحركة ، و الإنسان مأمور بالأسباب ( فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه و اشكروا له ) ، ( هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها و كلوا من رزقه ) .