الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

التذكير بحديث » المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن         الضعيف« و فيه بيان القضاء و القدر على الوجه الصحيح

 

و بما أنه بقي الكلام على موضوع حديث جبريل ، و فيه » أن تؤمن بالقدر خيره
و شره
«. فقد يشكل على أكثر الناس حقيقة هذا القدر الذي يجب الإيمان به ، فيتخبطون في وصفه و تفسيره ، بما يبعد عن حقيقة ، و يبعد القلوب عن فهمه .. لهذا وجب أن نبين للناس حقيقة القدر الذي يجب الإيمان به ، و نقدم قبله الكلام على » المؤمن القوي خير و أحب إلى الله من المؤمن الضعيف « .إذ فيه بيان حقيقة القدر ، و محاولة محاربته ، و عدم الاتكال عليه .

فقد روى مسلم في صحيحه ، عن أبي هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم ــ قال:
» المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف ، و في كل خير، احرص على ما ينفعك و استعن بالله و لا تعجز و إن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا و كذا ، ولكن قل : قدر الله . و ما شاء فعل ، فإن لو تفتح عمل الشيطان « .

و أقول : إن هذا الحديث ، هو من جوامع الكلم ، ومهمات الحكم . فهو بمثابة الموعظة الفصيحة ، و النصيحة الصحيحة ، التي حث النبي صلى الله عليه وسلم ــ عليها أمته ، و أحب منهم أ، يتخلقوا بمدلوله الذي فيه سعادتهم في دنياهم و آخرتهم .

بدأه بقوله : » المؤمن القوي خير و أحب إلى الله من المؤمن الضعيف  « ، لكون القوي يزيد على الضعيف بقوته ، و القوة في سبيل الحق و العدل مطلوبة شرعا ، و محبوبة طبعا .

و لهذا يستحبون الغزو مع الأمير القوي الفاجر ، و يفضلونه على الغزو مع الأمير المؤمن الضعيف . و يقولون : إن إيمان ضعيف لنفسه ، و ضعفه يضر الناس ، و إن فجور الأمير لنفسه  و قوته تنفع الناس .

و لهاذ كان من سيرة عمر بن الخطاب : أنه كان يفضل الأمير القوي و يقدمه في الولاية على الضعيف . كما ولى زياد بن أبيه و أمثاله . و كان يقول » اللهم إني أعوذ بك من جلد الفاجر  وعجز الثقة « .

و يستحبون في القاضي : أن يكون قويا من غير عنف ، لينا من غير ضعف ، حليما ، ذا أناة و فطنة . وقد قيل :

نجح الأمور بقوة الأسباب

 

ما أنت بالسبب الضعيف و إنما

فالقوة الممدوحة هنا، شاملة للقوة في الدين و الدنيا ، لكونه يقوم في أعماله بجد و عزم
ويأخذ بأسباب الحزم . و قد قيل :

فما انقادت الآمال إلا لصابر

 

لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى

و لهذا قال : » احرص على ما ينفعك ، و استعن بالله ، و لا تعجز « .

فهذه من أجمع الكلمات ، و أفصح العظات ، ترشد الإنسان إلى الحرص فيما ينفعه في أمر دينه ، و دنياه ، و بدنه . فمتى احتاج إلى علاج يزيل به ضرره ، و يدفع به مرضه ، فإنه يبادر إلى الأخذ بأسبابه ، والدخول عليه من بابه ، لأن دين الإسلام ، و يجمع بين مصالح الروح
والجسد ، و بين مصالح الدنيا و الآخرة .

ففي الحديث ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » ما نزل من داء ، إلا و له دواء
وعلمه من علمه ، و جهله من جهله 
« . و قال » تداووا و لا تداووا بحرام  « . فيستعمل الدواء الكريه المر ، خوفا من الوقوع في الضر . كما قيل :

نحن في دار بليات

 

نعالج آفات بآفات

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ــ رحمه الله ــ : » إن الطعن في الأسباب قدح في الشرع
والإعراض عن الأسباب نقص في العقل
« و الله ــ سبحانه ــ يحب الكيس ــ أي الحزم ــ و يلوم على العجز . و في الحديث : » كل شيء بقضاء و قدر حتى العجز الكيس « . فالعجز هو التواني  والكسل في الأمور ، و عدم الأخذ بالثقة ، و عمل الحيطة في كل ما يقيه و يرقيه . و لهذا قيل:

الحزم أبو العزم أبو الظفرات

 

و الترك أبو الفرك أبو الحسرات

فقول النبي صلى الله عليه و سلم ــ : » احرص على ما ينفعك « ، يشمل هذا كله ، كما يشمل الحرص على أمر دينه ، من المحافظة على فرائض ربه التي ينتظم بها أمر حياته و آخرته ، فإنها نعم العون على ما يزاوله من أمر الدنيا . وفي الدعاء المأثور » اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري ، و أصلح لي دنياي التي فيها معاشي  « . و قد مدح الله الذين يقولون: ( ربنا آتنا في الدنيا حسنة و في الآخرة حسنة و قنا عذاب النار ) .

فلا ينبغي للإنسان أن يعجز عما يعود عليه نفعه ، من أمر دينه ، و دنياه فإن العجز نتيجته الحرمان . و قد قيل :

دع التكاسل في الخيرات تطلبها

 

فليس يسعد بالخيرات كسلان

و من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : » اللهم إني أعوذبك من الهم و الحزن ، و أعوذبك من العجز و الكسل ، أعوذبك من الجبن و البخل ، و أعوذبك من غلبة الدين و قهر الرجال   « .

إن أضر ما ابتلي به الشخص ، هو العجز و الكسل ، و أكثر الناس يجعلون عجزهم توكلا  وفجورهم قضاء و قدرا .

فمتى صارحت الشخص ، و نصحته عن ترك الطاعات ، كالصلاة مثلا ، أو نهيته عن شيء من المنكرات ، كشرب المسكرات ، اعتذر إليك قائلا : إنه أمر مكتوب على . فهو كما قيل: عند ترك الطاعات قدري ، و عند ارتكاب المنكرات جبري ، نظير ما حكى الله عن المشركين، حيث قالوا : ( لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن و لا آباؤنا و لا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ) .

فالمحتج بالقدر حجته داحضة عند ربه ، لأنه باحتجاجه بالقدر ، يريد أن يبطل الأمر
والنهي ، الذين عليهما مدار العبادات و الأحكام ، و أمور الحلال و الحرام ، و الله سبحانه خلق الإنسان و ركب فيه السمع ، و البصر ، و العقل ، ليتم بذلك استعداده لتناول منافعه ، و استعمالها في سبيل قوته ، و وقاية صحته ، و حفظ بنيته . و قد أرشد القرآن الحكيم إلى أخذ الحذر ، الذي من لوازمه عدم الركون ، أو الركود ، إلى القدر ، فقال سبحانه : ( يا أيها الذين أمنوا خذوا حذركم ) ، و قال : ( و أعدوا لهم ما استطعتم من قوة ) . و قد ظاهر النبي صلى الله عليه وسلم ــ بين درعين ، و هو محفوظ من الله بكلاءته ، و ملائكته .