الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

حكم منكر البعث في الشرع الإسلامي

 

إن الحكم الشرعي في منكر البعث ، و قيام الساعة ، متى كان يجهر بإنكاره ، فإنه كافر بإجماع علماء المسلمين ، لأنه مكذب بالكتاب ، و بما أرسل الله به رسله ، فيترتب عليه حكم المرتد على السواء ، يقول الله سبحانه ــ ( بل كذبوا بالساعة و أعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا )  و إن كان ممن يخفي ذلك و لا يجهر باعتقاده ، فإنه المنافق ، يعامل معاملة المسلمين .

إن الساعة آتية لا ريب فيها ، فتأتي إلى الناس بغتة و هم غافلون ، يقول الله سبحانه ــ:
( فإذا برق البصر . و خسف القمر . و جمع الشمس و القمر . يقول الإنسان يومئذ أين المفر . كلا لا وزر . إلى ربك يومئذ المستقر . ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم و أخر ) ، و في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم ــ قال :
» كيف أنعم و صاحب القرن قد التقم القرن ، و حنى جبهته ، ينتظر متى يؤمر . قالوا : ما نقول ؟ قال : قولوا حسبنا الله و نعم الوكيل  « .

و قال : جاءت الراجفة تتبعها الرادفة ، جاء الموت بما فيه ، جاء الموت بما فيه ، فالراجفة هي نفخة الصعق ، أي الموت ، فينفخ إسرافيل في الصور و الرجلان بينهما الرداء ، فلا هذا يقبضه ، و لا هذا يقبضه ، و يرفع الرجل اللقمة فلا يوصلها إلى فمه ، و لا يردها في القصعة
( ونفخ في الصور فصعق من في السماوات و من في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون . و أشرقت الأرض بنور ربها و وضع الكتاب و جيء بالنبيين و الشهداء
وقضي بينهم بالحق و هم لا يظلمون . و وفيت كل نفس ما عملت هو أعلم بما يفعلون ) .

وقد قيل للنبي صلى الله عليه وسلم ــ : » كم بين النفختين ؟ قال : قيل أربعون يوما ؟ قال: أبيت قيل أربعون شهرا ؟ قال : أبيت . قيل : أربعون سنة ؟ فسكت « ــ أي نعم ــ ثم إن الله سبحانه ــ يأمر السماء أن تدر عليهم بالمطر ، فيمطرون ليلا ، و نهارا ، فينبت الناس كنبات الطراثيث ، فإذا أكمل نباتهم ، أمر الله إسرافيل أن ينفخ نفخة البعث ( كما بدأنا أو خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين ) ، فتخرج الأرواح تتوهج ، و يقول الله : ( فو عزتي لترجعن كل روح إلى الجسد التي كانت تعمره في الدنيا ، فيقومون من قبورهم حفاة عراة غرلا ، و قد قالت عائشة: واسوأتاه ، ينظر بعضنا إلى سوأة بعض ؟ فقال : الأمر أعظم من أن يهمهم ذلك . يقول الله ــ سبحانه ــ : ( و استمع يوم يناد المناد من مكان قريب . يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج . إنا نحن نحيي و نميت و إلينا المصير . يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير ) .

فمتى انقضى عمار الدنيا ، و أراد الله أن يجلي أهلها عنها ، و أن ينقلهم منها إلى دار أخرى ، ليجزي فيها الذين أساؤوا بما عملوا ، و يجزي الذين أحسنوا بالحسنى ، فعند ذلك يأمر الله بقيام الساعة . و قد وصف الله القيامة بأسماء ، و أوصاف متعددة ، متنوعة ، تدل بمعانيها على أنها شيء عظيم ، فوصفها بالطامة الكبرى ، و بالصاخة ، و بالزلزلة ، و القارعة،
و الواقعة ، و قال : ( إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة . خافضة رافعة ) ، و قال : إن زلزلة الساعة شيء عظيم . يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت و تضع كل ذلت حمل حملها
وترى الناس سكارى و ما هم بسكارى و لكن عذاب الله شديد ) .

و قال : ( القارعة : ما القارعة . و ما أدراك ما القارعة ) تعظيم لشأنها و كون ذلك يحصل بقارعة تقرع الأرض ، فترجها رجا ، و تبسها بسا ، و يكون الناس هباء منبثا ، و كالفراش المبثوث ، فيكور بالشمس ، و يخسف بالقمر ، و تتناثر النجوم من إمساكها المقتضي لإثباتها،
وقد بطل ذلك عند القضاء بفناء الدنيا ، خراب العالم ، وعدم الاحتياج إلى شيء من ذلك .

وقال ــ سبحانه ــ : ( إذا السماء انشقت . أذنت لربها و حقت . و إذا الأرض مدت . وألقت جميع ما على ظهرها من جبال ، و أناس ، وتخلت عنهم ــ لكون الناس يحشرون على أرض بيضاء لم يعص الله عليها .

و الحكمة في هدم الأبنية ، و تسيير الجبال ، و دك الأرض ، و شق السماء و نثر النجوم، و تكوير الشمس ، و خسوف القمر ، و تخريب هذا العالم بأجمعه أن الله ــ سبحانه ــ لما بنى للناس دار الدنيا للسكنى بها ، و التمتع بخيراتها ، و جعل ما فيها زينة للأبصار، وعظة للاعتبار  والاستدلال على وحدانيته ، و جميل صنعه بما يقتضي الإيمان به ، و إخلاص العبادة له ، فلما انقضت مدة السكنى بها ، و حقت كلمة ربك على فنائها ، أجلاهم ــ سبحانه ــ منها ، و خربها ؛ لانتقالهم منها إلى غيرها ( يوم تبدل الأرض غير الأرض و السماوات و برزوا لله الواحد القهار) و أراد أن يعلمهم بأن في إحالة الأحوال ، و إظهار تلك الأهوال ، و تعريض ذلك الصنع العجيب للزوال ، كله بيان لكمال قدرته ، و دوام بقائه ، و أن كل شيء هالك إلا وجهه ، و كل ملك زائل إلا ملكه ، و أن عنده ــ سبحانه ــ لعباده هي أبقى و أرقى ، و أجل و أجمل من دار الدنيا ، ليجزي فيها الذين أساؤوا بما عملوا ، و يجزي الذين أحسنوا بالحسنى .

فلا يجزع من الموت و يهوله الفزع منه ، إلا الذي لم يقدم لآخرته عملا صالحا يرجو ثوابه ، و يقول : ( ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت و نحيا و ما يهلكنا إلا الدهر) ، فهذا الذي ينتقل من دار الدنيا إلى عذاب الآخرة ، يقول الله ــ سبحانه ــ ( فإذا برق البصر . و خسف القمر.
وجمع الشمس و القمر . يقول الإنسان يومئذ أين المفر . كلا لا وزر . إلى ربك يومئذ المستقر . ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم و أخر ) .

أما و الله لو علم الأنام

 

لما خلقوا لما غفلوا و ناموا
 

لقد خلقوا لأمر لو رأته
 

 

عيون قلوبهم تاهوا و هاموا

ممات ثم قبر ثم حشر
 

 

و توبيخ و أهوال عظام

ليوم الحشر قد عملت رجال

 

فصلوا من مخافته و صاموا

و نحن إذا أمرنا أو نهينا

 

كأهل الكهف أيقاظ نيام

          و الله أعلم .