![]() |
|
|
النوم أخو الموت ، و اليقظة منه بمثابة البعث بعد الوفاة خلق الله النوم في الحياة ، و جعله بمثابة النوم للوفاة
، و هو آية من آيات الله . قال ــ سبحانه ــ: ( و من آياته منامكم بالليل و النهار
و ابتغاؤكم من فضله ) . و هو نعمة من الله ، يعود على البدن بالراحة ، و الصحة ، و
يستعيد البدن نشاطه ، و قوته . و إن البعث بعد الموت : هو بمثابة اليقظة بعد النوم على
حد سواء ، فلو بقي الإنسان في قبره ألف سنة ، أو ألفي سنة ، ثم استيقظ للبعث يوم
القيامة ، فكأنه لم يلبث إلا عشية أو ضحاها، و يقول الله ــ سبحانه ــ : ( و لا
تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار ) ، و قد أخبر
سبحانه ــ عن كرامة أهل الكهف ، و أنهم لبثوا في نومهم ثلاثمائة سنين وازدادوا
تسعا ( و كذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قال لبثنا يوما أو
بعض يوم ) فشبه ــ سبحانه ــ نومة
أهل الكهف الطويلة ، بنومة الموت مهما طالت ، و شبه بعثهم ــ أي استيقاظهم
من نومهم ــ ببعثة الموت عند قيام الساعة و قولهم » لبثنا يوما أو بعض يوم «، و
قد سمى الله النوم : موتا ، في قوله ــ سبحانه ــ : ( الله يتوفى الأنفس حين موتها
و التي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت و يرسل الأخرى إلى أجل مسمى )
، فسمى الله النوم وفاة ، لأنه شقيق وفاة الآخرة ، و يسمى الوفاة الصغرى . نظيره
قوله: ( و هو الذي يتوفاكم بالليل و يعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضي
أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون ) ، فسمى الله النوم وفاة ،
لكونه يهجم على الحي في حال غفلته ، بحيث لا يحس بهجومه إلا و هو في عالم الأموات
، ثم يشاهد في منامه من الأحوال ، و الأهوال ، و مخاطبة الموتى ، و غير ذلك ، مما
لا يدركه في يقظته ، و متى رأي في منامه ما يسره فرح و استبشر، واستيقظ مسرورا بما
رأي . و الرؤيا الصالحة من المبشرات ، و هي ما يراها المؤمن ، أو ترى له ، كما أنه
إذا رأي ما يسوؤه ، أصبح حزينا كئيبا من خوف وقوع ما رأي ، و هكذا أحوال الآخرة ،
فإن الله خلق النوم ، و سماه وفاة ن و جعله بمثابة الشاهد الصادق لأحوال القيامة فلا
ينبغي للعاقل أن يستبطئ قيام الساعة ، و قد جاءت أماراتها ، و هي لا تأتيكم إلا
بغتة، فبعض الناس يراها بعيدة و هي قريبة ، فلأجل طول أمله ، تراه يندفع إلى
المخالفات؛ من ترك الطاعات الصلوات ، و ارتكاب المنكرات ، لظنه أن الآخرة متأخرة ،
يقول الله: ( بل يريد الإنسان ليفجر أمامه يسأل أيان يوم القيامة ، يقول : سأعمل
ثم أتوب ، و سأعمل ثم أتوب، وربما تعاجله المنية قبل تحقيق هذه الأمنية قبل تحقيق
هذه الأمنية ، أي قبل التوبة فيندم ، حيث لا ينفعه الندم ( يقول يا ليتني قدمت
لحياتي ) . إن
الأرواح بعد مفارقتها للأجسام لا يشملها الفناء ، بل تبقى منعمة أو معذبة ، فقد
ذلك في القرآن الحكيم ، حاكيا عن آل فرعون ، و أنهم يعرضون على النار غدوا و عشيا
( ويوم تقوم الساعة ادخلوا آل فرعون أشد العذاب ) . و قال ــ سبحانه ــ : في حق
الشهداء ( ولا تحسبن الذين قبلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون .
فرحين بما آتاهم الله من فضله و
مثله اجتماع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء بالإنبياء في منازلهم من
السماء، أما
الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم ــ ، و كذا المعراج ، فإنه بروحه و جسده على
القول الصحيح ، و حمل اللفظ على حقيقته ، إذ المقام مقام معجزة ، لأن الله افتتحها
بقوله: إنه
ما بين أن يرى مقدمات الآخرة ، و المجازاة على عمله ، إلا أن يقال : فلان قد مات. و
ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » يؤتى بأنعم الناس في الدنيا ــ أي المنعمين المترفين ، التاركين
للطاعات ، و المستحلين لفعل
المنكرات ، فيصبغ في النار صبغة ، ثم يقال له : هل رأيت خيرا قط ؟ هل مر بك بؤس قط
؟ فيقول : لا يا رب ، فينسى بؤس الدنيا و عذابها ، و يقال له : كم لبثت في الدنيا
؟ فيقول : لبثت يوما أو بعض يوم . فيقال له: نعم ما اتجرت في يوم أو بعض يوم « . إن
بعض الملحدين المكذبين بالبعث ، يستبعدون وقوعه و إمكانيته ، حيث رسخ في قلوبهم
عقيدة الدهريون ، و يسمون بالطبيعين ، أي ينسبون الحياة و الموت للطبيعة ، و
يقولون: ما هو إلا رحم يدفع ، و أرض تبلع ، و لا حياة بعدها . فهم لا يرجون لقاء
ربهم ، و لا يخافون عذابه،
يقول
الله : ( و ما أدراك ما يوم الدين ما يوم الدين ! يوم لا تملك نفس شيئا و الأمر
يومئذ لله ) ، فسمى الله القيامة بيوم الدين ، لأن كل إنسان يدان ــ أي يجازي ــ
بعمله ، إن خيرا فخير، إن
عقيدة الإيمان بالبعث ، و الجزاء على الأعمال ، هي أعظم وازع إلى أفعال الطاعات، و
أكبر رادع عم مواقعة المنكرات ، فالمؤمن الذي يعتقد الجزاء على حسناته ، تراه
يحافظ على الصلوات في أوقاتها ، و يؤدي الزكاة الواجبة في ماله ، و يعتقدها مغنما
عند ربه ، و بركة في ماله . و يصوم رمضان بنية خالصة لله ، حتى لو ضرب ليفظر لما
أفطر أبدا ، أو عرضت عليه الدنيا بحذافيرها ليفطر لما اعتاض بها ، لكون إيمانه
يحجزه ، ثم هو يكثر من أفعال الطاعات إن
هذا الاعتقاد : يطبع في النفوس الثبات على المكارم ، و تحمل المكاره و مقارعة
الأهوال الشديدة ، بجأش ثابت ، يعلم أن ما عند الله خير و أبقى من الدنيا و ما
فيها ، و ما أنفقته فإن الله سيخلفه ، و يدخر ثوابه له في أخرته . لقد
اندفع المسلمون بصحة عقيدتهم في القرن الأول ، و الثاني ، و الثالث بشجاعة باسلة، و
قد أمر الله نبيه بأن يؤكد للناس البعث يوم القيامة ؛ للجزاء على الأعمال باليمين
البارة ، قال ــ سبحانه ــ : ( زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى و ربي لتبعثن
ثم لتنبئن بما عملتم |