الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

الإيمان بالبعث بعد الموت

الحمد لله الكريم المنان ، العزيز ذي السلطان ، خلق الإنسان من عدم ثم قال له: كن فكان كل يوم هو في شأن . و كل من عليها فان ، و يبقى وجه ربك ذو الجلال و الإكرام . و أشهد أن لا إله إلا الله ، شهادة من قال ربي الله ثم استقام ، و أشهد أن محمدا نبيه و رسوله و سيد الأنام، اللهم صل و سلم على عبدك و رسولك محمد و على آله و أصحابه و سلم تسليما .

أما بعد: فإن الله سبحانه ــ خلق الخلق ليعبدوه ، و ركب فيهم العقول ليعرفوه ، و أسبغ عليهم نعمه ظاهرة و باطنة ليشكروه ، فأوجد فيهم العقول ليعرفوه ، و أسبغ عليهم نعمه ظاهرة
وباطنة ليشكروه ، فأوجد لهم في الدنيا جميع ما يحتاجون إليه من المطاعم ، و المشارب،
والفواكه ، و الثمرات ، و سائر أنواع الخيرات . و من كل ما يحتاجونه من الضروريات،
والكماليات ، كلها كرامة من الله لعباده . يتنعمون بها في حياتهم ، و يتمتعون بها إلى ما هو خير منها لآخرتهم ، فقال ــ سبحانه ــ : ( كلوا من طيبات ما رزقناكم و لا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي و من يحلل عليه غضبي فقد هوى ) ، فأمر الله عباده بأن يأكلوا من طيبات م رزقهم،
وحذرهم عن الطغيان : و هو مجاوزة الحد في السرف ، و الترف ، و الفسوق و العصيان . بأن يستعينوا بنعم الله على معاصيه ، أو يستعملوها في سبيل ما يسخطه و لا يرضيه ، لكونهم محاسبين ، و مجزيين بما يفعلون ، كما قال ــ سبحانه ــ : ( فابتغوا عند الله الرزق و اعبدوه
واشكروا له إليه ترجعون ) ، فذكرهم ــ سبحانه ــ رجوعهم إليه ؛ للوقوف بين يديه ، فيسألهم ما ذا كنتم تعملون و ماذا أجبتم المرسلين ؟ و هو معنى ما يقول الصابرون: ( إنا لله و إنا إليه راجعون ) . فمن علم أنه مملوك لله ، و أنه راجع إليه ، فليعلم أنه موقوف بين يديه ( و قفوهم إنهم مسئولون . ما لكم لا تناصرون . بل هم اليوم مستسلمون ) .

( يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع و إن الآخرة هي دار القرار . من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ، و من عمل صالحا من ذكر و أنثى و هو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب ) .

و قال : ( و ما الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل ) .

و قال : ( و ما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ) ، فما عيبت الدنيا بأكثر من ذكر فنائها،
وتقلب أحوالها ، و هو أدل دليل على زوالها ، فتتبدل صحة الإنسان فيها بالسقم . و نعيمه بالبؤس، و حياته بالموت . و مآل عمارها بالخراب . و اجتماع أهلها بفرقة الأحباب . و كل ما فوق التراب تراب . و الله ــ سبحانه ــ كتب على الدنيا الفناء ، و على الآخرة البقاء ، و لا بقاء لما كتب عليه الفناء ، و هذا الموت الذي يفزع الناس منه ليس هو فناء أبدا ، لكنه انتقال من دار إلى دار أخرى ( ليجزي الذين أساءوا بما عملوا و يجزي الذين أحسنوا بالحسنى ) .

فلا يجزع من الموت ، و يهوله الفزع منه إلا الذي لم يقدم لآخرته خيرا ، فهذا الذي يجتمع عليه عند فراقه للدنيا سكرة الموت ، و حسرة الفوت ، و هول المطلع ، فيندم حيث لا ينفعه الندم . يقول: ( يا ليتني قدمت لحياتي ) و خير الناس من طال عمره ، و حسن عمله . و شر الناس من طال عمره ، و ساء عمله .

دع الذم للدنيا فكم من موفق

 

يقول وقد لاقى النعيم بجنة

حياتي لو امتدت لزادت سعادتي

 

فيا ليت أيامي أطيلت ومدتي

إن الناس في الدنيا بمثابة الغرباء ، الذين يعلمون و يوقنون بأن لهم دارا هي أبقى ، و أرقى من حياتهم في دار الدنيا ، فهم يجمعون لها ، و يسعون سعيهم في تمهيد النقلة إليها ، لأن من قدم خيرا ، أحب القدوم عليه ، و لأن صنائع الإحسان تقي مصارع السوء ، يقول الله في آخر آية نزلت من القرآن: ( و اتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت و هم لا يظلمون) .

فالمؤمن الذي له حظ و نصيب من العمل الصالح ، و التزود من الدنيا لآخرته ، فإنه لن يكره الموت ، إذا نزل به ، لفرحه بلقاء ربه ، و ثواب عمله فنفسه مطمئنة بلقاء ربه ، فيقال له عند الاحتضار : ( يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية . فادخلي في عبادي. و ادخلي جنتي ) . و في الدعاء المأثور : » اللهم إني أسألك نفسا مطمئنة تؤمن بلقائك ، و تقنع بعطائك ، و ترضى بقضائك « . و في الحديث ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: » من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ، و من كره لقاء الله  ، كره الله لقاءه  « ، فقال بعض الصحابة: يا رسول الله ، كلنا نكره الموت . فقال : » إنه ليس الأمر كذلك ، و لكن الإنسان إذا كان في انقطاع من الدنيا ، و إقبال على الآخرة ، فإن كان من أهل الخير بشر بالخير ، فأحب لقاء الله ، و أحب الله لقاءه ، و إن كان من أهل الشر بشر بالشر ، فكره لقاء الله ، و كره الله لقاءه   « . رواه النسائي من حديث أنس . بل و رواه البخاري و مسلم من حديث عبادة بن الصامت .

و قد جعل الله الدنيا مزرعة الآخرة ، تزرع فيه الأعمال الصالحة و الأعمال السيئة ، فمن خرج من الدنيا فقيرا من الحسنات ، و الإعمال الصالحات ورد على الآخرة فقيرا ، و ساءت له مصيرا .

تزود من الدنيا بزاد من التقى

 

فعمرك أيام و هن قلائل
 

فما أقبح التفريط في زمن الصبا

 

فكيف به و الشيب للرأس شاعل

إن الله سبحانه جعل الإيمان بالبعث بعد الموت للجزاء على الأعمال بحيث يثاب المحسن على إحسانه ، و يعاقب المسيء على عصيانه ، و هو من أقوى أركان الإيمان ، و قد أكثر سبحانه من ذكره في القرآن الكريم . يقول سبحانه : ( إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى . فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها و اتبع هواه فتردى ) .

لأن هذا الاعتقاد: هو أقوى وازع إلى أفعال الطاعات ، و أعظم رادع عن مواقعة المنكرات .

لن ترجع الأنفس عن غيها

 

ما لم يكن منها لها زاجر

و كان السلف الصالح يكتبون في صدور وصاياهم التصريح بعقائدهم ، فيقولون: هذا ما أوصي به فلان ابن فلان ، و هو أن لا إله إلا الله ، و أن محمدا رسول الله ، و أن الجنة حق و أن النار حق ، و أن الساعة آتية لا ريب فيها ، و أن الله يبعث من في القبور . شهادة عليها أحيا،
وعليها أموت و عليها أبعث إن شاء الله .

و في الصحيحين : عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » قال الله ــ عز و جل ــ : كذبني ابن آدم و لم يكن له ذلك ، و شتمني ابن آدم و لم يكن له ذلك ، فأما شتمه إياي، فقوله: اتخذ الله ولدا ، و أنا الواحد الصمد ، لم ألد و لم أولد ، و لم يكن لي كفوا أحد ، وأما تكذيبه إياي ، فقوله : لن يعيدني كما بدأني ، و ليس أول الخلق بأهون على من إعادته  « .

و قد أكد سبحانه الإيمان بالبعث في كثير من الآيات ، كقوله سبحانه ــ : ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق و المغرب ، و لكن البر من آمن بالله و اليوم الآخر و الملائكة
والكتاب و النبيين ) ، فسمى الله يوم القيامة باليوم الآخر ، لكونه متأخرا عن الدنيا ، و في حديث جبريل الذي رواه مسلم من حديث عمر بن الخطاب ، و رواه البخاري عن أبي هريرة ، أنه قال:
» يا رسول الله أخبرني عن الإيمان ؟ فقال : الإيمان أن تؤمن بالله ، و ملائكته ، و كتبه ، و رسله  و اليوم الآخر ، تؤمن بالقدر ، خيره و شره . قال : صدقت « فجعل التصديق الجازم باليوم الآخر ، الذي هو البعث بعد الموت ، من أركان الإيمان . و من كذب به فهو كافر بالكتاب ، و بما أرسل الله به رسله ، يقول الله تعالى : ( زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى و ربي لتبعثن ثم لتنبئن بما عملتم و ذلك على الله يسير) .

إن الناس في الإيمان بالبعث على صنفين ، أحدهما:

الماديون الملحدون : الذين يكذبون بكل ما غاب عن مشاهدهم ، فيكذبون بوجود الرب،
ويكذبون بالملائكة ، و يكذبون بالبعث بعد الموت ، و يكذبون بالجنة و النار ، و لا يؤمنون إلا بما يحسون ، و يلمسون ، و يشاهدون . و يقولون ( ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت و نحيا و ما يهلكنا إلا الدهر و ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون ) ، و قد أكثر القرآن من إقامة الحجج
والبراهين على هؤلاء ، و أن أمثال هؤلاء لا يؤمنون ( و لو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ) .

يقول الله ــ سبحانه ــ : ( هل ينظرون إلا تأويله ) ، أي حين تحق الحقائق و يتجلى الرب للخلائق يوم القيامة ، و تبدو الجنة عيانا ، و النار عيانا ، و تظهر الملائكة ( يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم و ضل عنهم ما كانوا يفترون ) .

ففي ذلك الوقت و في تلك الحالة ( لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خير قل انتظروا إنا منتظرون ) .

فهؤلاء الذين يكذبون بالبعث ، ثم يعيشون في الدنيا عيشة البهائم ، و يعتقدون بأنهم كالبهائم على حد سواء ، ليس عليهم أمر و لا نهى ، و لا حلال و لا حرام ، و لا صلاة و صيام . وقد قال الله فيهم: ( و الذين كفروا يتمتعون و يأكلون كما تأكل الأنعام و النار مثوى لهم ) ، و قال: ( أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ) ، فجعلهم أضل سبيلا من الأنعام ، لكونهم لم يستعملوا مواهب عقولهم ، و أسماعهم ، و أبصارهم ، فيما خلقت له من عباد ربهم .

عمى العيون عموا عن كل فائدة
 

 

لأنهم كفروا بالله تقليدا
 

أما المؤمنون : فإنهم يعتقدون و يصدقون بكل ما أخبر الله به في كتابه ، و على لسان نبيه ، سواء أدركوا ذلك بحواسهم و مشاهدهم ، أو لم يدركوا ذلك لأنهم يؤمنون بالله ، و ما جاء عن الله ، على مراد الله ، إيمانا جازما لا يخالطه شك ، فهؤلاء هم المؤمنون بالغيب ، الذين مدحهم الله بقوله : ( الذين يؤمنون بالغيب و يقيمون الصلاة و مما رزقناهم ينفقون . و الذين يؤمنون بما أنزل إليك و ما أنزل من قبلك و بالآخرة هم يوقنون . أولئك على هدى من ربهم و أولئك هم المفلحون ) .

فالإيمان بالله ربا ، و أنه يحيي الموتى ، هو إيمان بالغيب .

و الإيمان بالملائكة ، و أنهم خلق من خلق الله ، خلقهم لعبادته و خدمته ، و هم عقول بلا شهوات ، إيمان بالغيب .

و الإيمان بالبعث بعد الموت للجزاء على الأعلى هو إيمان بالغيب .

و الإيمان بالجنة و النار هو إيمان بالغيب . و قد مدح الله المؤمنين الذين هم بالآخرة يوقنون ، أي يصدقون بطريق الذي لا يخالطه الشك ( أولئك على هدى من ربه و أولئك هم المفلحون ) ، والفلاح : هو الفوز و النجاح بنعيم الدنيا و الآخرة .

إن أكبر ما يحفز النفوس ، و ينشطها للعمل لآخرتها ، هو إيمانها بالثواب على حسناتها،  والعقاب على سيئاتها ، فتنشط إلى فعل الصلاة ، و إيتاء الزكاة ، و الصيام ، و صلة الأرحام،
والإحسان إلى المساكين و الأيتام ، و تشط إلى التضحية بالنفس و النفيس في سبيل الله ، و كونه لا يزكي النفس عند الله سوى عملها الصالح . و يقال للناس : ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون. لكون الموت ليس هو فناء أبدا ، لكنه خاتمة الحياة الدنيا ، و بدء حياة الآخرة .