![]() |
|
|
الإيمان بالبعث بعد الموت الحمد لله الكريم المنان ، العزيز ذي السلطان ، خلق
الإنسان من عدم ثم قال له: كن فكان كل يوم هو في شأن . و كل من عليها فان ، و يبقى
وجه ربك ذو الجلال و الإكرام . و أشهد أن لا إله إلا الله ، شهادة من قال ربي الله
ثم استقام ، و أشهد أن محمدا نبيه و رسوله و سيد الأنام، اللهم صل و سلم على عبدك
و رسولك محمد و على آله و أصحابه و سلم تسليما . أما بعد: فإن الله سبحانه ــ خلق الخلق ليعبدوه ، و ركب
فيهم العقول ليعرفوه ، و أسبغ عليهم نعمه ظاهرة و باطنة ليشكروه ، فأوجد فيهم
العقول ليعرفوه ، و أسبغ عليهم نعمه ظاهرة ( يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع و إن الآخرة هي
دار القرار . من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ، و من عمل صالحا من ذكر و أنثى و هو
مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب ) . و قال : ( و ما الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل ) . و قال : ( و ما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ) ، فما
عيبت الدنيا بأكثر من ذكر فنائها، فلا يجزع من الموت ، و يهوله الفزع منه إلا الذي لم يقدم
لآخرته خيرا ، فهذا الذي يجتمع عليه عند فراقه للدنيا سكرة الموت ، و حسرة الفوت ،
و هول المطلع ، فيندم حيث لا ينفعه الندم . يقول: ( يا ليتني قدمت لحياتي ) و خير
الناس من طال عمره ، و حسن عمله . و شر الناس من طال عمره ، و ساء عمله .
إن الناس في الدنيا بمثابة الغرباء ، الذين يعلمون و
يوقنون بأن لهم دارا هي أبقى ، و أرقى من حياتهم في دار الدنيا ، فهم يجمعون لها ،
و يسعون سعيهم في تمهيد النقلة إليها ، لأن من قدم خيرا ، أحب القدوم عليه ، و لأن
صنائع الإحسان تقي مصارع السوء ، يقول الله في آخر آية نزلت من القرآن: ( و اتقوا
يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت و هم لا يظلمون) . فالمؤمن الذي له حظ و نصيب من العمل الصالح ، و التزود
من الدنيا لآخرته ، فإنه لن يكره الموت ، إذا نزل به ، لفرحه بلقاء ربه ، و ثواب
عمله فنفسه مطمئنة بلقاء ربه ، فيقال له عند الاحتضار : ( يا أيتها النفس المطمئنة
ارجعي إلى ربك راضية مرضية . فادخلي في عبادي. و ادخلي جنتي ) . و في الدعاء
المأثور : » اللهم إني
أسألك نفسا مطمئنة تؤمن بلقائك ، و تقنع بعطائك ، و ترضى بقضائك « . و في الحديث ، أن النبي صلى
الله عليه وسلم قال: » من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ، و من كره لقاء الله ، كره الله لقاءه « ، فقال بعض الصحابة: يا رسول الله
، كلنا نكره الموت . فقال : » إنه ليس الأمر كذلك ، و لكن الإنسان إذا كان في
انقطاع من الدنيا ، و إقبال على الآخرة ، فإن كان من أهل الخير بشر بالخير ، فأحب
لقاء الله ، و أحب الله لقاءه ، و إن كان من أهل الشر بشر بالشر ، فكره لقاء الله
، و كره الله لقاءه « . رواه النسائي من حديث أنس . بل
و رواه البخاري و مسلم من حديث عبادة بن الصامت . و قد جعل الله الدنيا مزرعة الآخرة ، تزرع فيه الأعمال
الصالحة و الأعمال السيئة ، فمن خرج من الدنيا فقيرا من الحسنات ، و الإعمال
الصالحات ورد على الآخرة فقيرا ، و ساءت له مصيرا .
إن الله سبحانه جعل الإيمان بالبعث بعد الموت للجزاء على
الأعمال بحيث يثاب المحسن على إحسانه ، و يعاقب المسيء على عصيانه ، و هو من أقوى
أركان الإيمان ، و قد أكثر سبحانه من ذكره في القرآن الكريم . يقول سبحانه : ( إن
الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى . فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها و
اتبع هواه فتردى ) . لأن هذا الاعتقاد: هو أقوى وازع إلى أفعال الطاعات ، و
أعظم رادع عن مواقعة المنكرات .
و كان السلف الصالح يكتبون في صدور وصاياهم التصريح
بعقائدهم ، فيقولون: هذا ما أوصي به فلان ابن فلان ، و هو أن لا إله إلا الله ، و
أن محمدا رسول الله ، و أن الجنة حق و أن النار حق ، و أن الساعة آتية لا ريب فيها
، و أن الله يبعث من في القبور . شهادة عليها أحيا، و في الصحيحين : عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال : » قال الله ــ عز
و جل ــ : كذبني ابن آدم و لم يكن له ذلك ، و شتمني ابن آدم و لم يكن له ذلك ، فأما
شتمه إياي، فقوله: اتخذ الله ولدا ، و أنا الواحد الصمد ، لم ألد و لم أولد ، و لم
يكن لي كفوا أحد ، وأما تكذيبه إياي ، فقوله : لن يعيدني كما بدأني ، و ليس أول
الخلق بأهون على من إعادته « . و قد أكد سبحانه الإيمان بالبعث في كثير من الآيات ،
كقوله سبحانه ــ : ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق و المغرب ، و لكن البر
من آمن بالله و اليوم الآخر و الملائكة إن الناس في الإيمان بالبعث على صنفين ، أحدهما: الماديون الملحدون : الذين يكذبون بكل ما غاب عن مشاهدهم
، فيكذبون بوجود الرب، يقول الله ــ سبحانه ــ : ( هل ينظرون إلا تأويله ) ، أي
حين تحق الحقائق و يتجلى الرب للخلائق يوم القيامة ، و تبدو الجنة عيانا ، و النار
عيانا ، و تظهر الملائكة ( يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل
ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا
أنفسهم و ضل عنهم ما كانوا يفترون ) . ففي ذلك الوقت و في تلك الحالة ( لا ينفع نفسا إيمانها
لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خير قل انتظروا إنا منتظرون ) . فهؤلاء الذين يكذبون بالبعث ، ثم يعيشون في الدنيا عيشة
البهائم ، و يعتقدون بأنهم كالبهائم على حد سواء ، ليس عليهم أمر و لا نهى ، و لا
حلال و لا حرام ، و لا صلاة و صيام . وقد قال الله فيهم: ( و الذين كفروا يتمتعون
و يأكلون كما تأكل الأنعام و النار مثوى لهم ) ، و قال: ( أم تحسب أن أكثرهم
يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ) ، فجعلهم أضل سبيلا من
الأنعام ، لكونهم لم يستعملوا مواهب عقولهم ، و أسماعهم ، و أبصارهم ، فيما خلقت
له من عباد ربهم .
أما المؤمنون : فإنهم يعتقدون و يصدقون بكل ما أخبر الله
به في كتابه ، و على لسان نبيه ، سواء أدركوا ذلك بحواسهم و مشاهدهم ، أو لم
يدركوا ذلك لأنهم يؤمنون بالله ، و ما جاء عن الله ، على مراد الله ، إيمانا جازما
لا يخالطه شك ، فهؤلاء هم المؤمنون بالغيب ، الذين مدحهم الله بقوله : ( الذين
يؤمنون بالغيب و يقيمون الصلاة و مما رزقناهم ينفقون . و الذين يؤمنون بما أنزل
إليك و ما أنزل من قبلك و بالآخرة هم يوقنون . أولئك على هدى من ربهم و أولئك هم
المفلحون ) . فالإيمان بالله ربا ، و أنه يحيي الموتى ، هو إيمان
بالغيب . و الإيمان بالملائكة ، و أنهم خلق من خلق الله ، خلقهم
لعبادته و خدمته ، و هم عقول بلا شهوات ، إيمان بالغيب . و الإيمان بالبعث بعد الموت للجزاء على الأعلى هو إيمان
بالغيب . و الإيمان بالجنة و النار هو إيمان بالغيب . و قد مدح
الله المؤمنين الذين هم بالآخرة يوقنون ، أي يصدقون بطريق الذي لا يخالطه الشك (
أولئك على هدى من ربه و أولئك هم المفلحون ) ، والفلاح : هو الفوز و النجاح بنعيم
الدنيا و الآخرة . إن أكبر ما يحفز النفوس ، و ينشطها للعمل لآخرتها ، هو
إيمانها بالثواب على حسناتها،
والعقاب على سيئاتها ، فتنشط إلى فعل الصلاة ، و إيتاء الزكاة ، و الصيام ،
و صلة الأرحام، |