الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

                 انقلاب الإيمان نورا لأهله يوم القيامة

 

ثم إن الإيمان ينقلب نورا على أهله بحسبه يوم القيامة ، فيكون نورا على الصراط المعروض على متن جهنم ــ كالخشبة المعروضة فوق القليب ــ وهو دحض مزلة تجري بالناس أعمالهم عليه ، فمنهم من يمر كالبرق ، و منهم من يمر كالريح ، و منهم من يمر كأجاويد الخيل، و الإبل . و مع كونه دحض مزلة و بجانبه كلاليب مثل الشوك تخطف الناس ، و مع هذا : فإنه مظلم و يعطي الناس نورهم على حسب إيمانهم ، فمنهم من نوره كالجبل . و منهم من نوره كالنخلة . و منهم من نوره كالسراج ، و منهم من نوره على طرف إبهام قدمه ، يتقد و ينطفئ أخرى . يقول الله : ( يوم ترى المؤمنين و المؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم و بأيمانهم بشراكم اليوم تجري من تحتها الأنهار ) .

( يوم لا يخزي الله النبي و الذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم و بأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا و اغفر لنا إنك على كل شيء قدير ) .

و يعطي المنافقون نورا يدخلون به طرف الصراط ، ثم ينطفئ عنهم ، فعند ذلك يقولون للمؤمنين ( انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنة فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب . ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى و لكنكم فتنتم أنفسكم و تربصتم و ارتبتم و غرتكم الأماني حتى جاء أمر الله و غركم بالله الغرور . فاليوم لا يؤخذ منكم فدية و لا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم و بئس المصير ) .

فهذه حالة المنافقين ، لما كان إيمانهم خداعا ، فلا صحة و لا أصل لحقيقة ، فعند ذلك خانهم أحوج ما كانوا إليه ، لأنه ليس معهم إيمان حقيقي حتى يكون لهم نورا .

 و مثل قوله تعالى : ( إن المسلمين و المسلمات و المؤمنين و المؤمنات ) . و في مثل حديث جبريل ، حين فسر رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ فيه الإسلام ، ثم فسر الإيمان، بتوسط واو العطف بين الإيمان و بين الأعمال الصالحات في كثير من الآيات ، كقوله: ( إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون ) .

و شيخ الإسلام ابن تيمية ــ رحمه الله ــ هو من أطول الناس باعا ، و أوسعهم اطلاعا في هذه المسألة ، و في غيرها من سائر العلوم ، و الفنون ، و ما معرفتنا بالنسبة إلى سعة علمه، غلا بمثابة الطفل الصغير بين يدي العالم الكبير غير أن العلماء قد اتفقوا على أنه لا يرد الحق الواضح لانفراد قائله ، كما لا يقبل الباطل لكثرة ناقله ، إذ أن الحق فوق قول كل أحد .

لهذا رأينا شيخ الإسلام ابن تيمية قد اختلفت أقواله في تفسير الإيمان ، و الإسلام . فأحيانا يقول بوجود مسلم ليس بمؤمن ، و يقول بالاستثناء في الإيمان دون الإسلام ، و يقول على حديث » لا يزني الزاني حين يزني و هو مؤمن  « ، بأنه يخرج من دائرة الإيمان إلى دائرة الإسلام،
ويستشهد لذلك بقوله سبحانه : ( قالت الأعراب آمنا) ، و بحديث سعد ، حين قال للنبي صلى الله عليه و سلم : مالك عن فلان ، فو الله إني لأراه مؤمنا . فقال : أو مسلما .

و بحديث جبريل ، مما يدل بزعمه على انفراد الإسلام على الإيمان ، و يرجح هذا القول، و هذا الاعتقاد ، ، و ينسبه إلى الإمام أحمد ، و إلى كثير من العلماء ، و هذا هو الذي اعتمد القول بصحته ، و استقر عليه رأيه ، و روايته .

و أحيانا يرجح القول بأنه لا يوجد مسلم إلا بإيمان ، و أنه لا يوجد مسلم إلا و معه شيء من الإيمان .

و يفسر حديث » لا يزني الزاني حين يزني و هو يؤمن « المار ذكره و سنده ، أنه بأنه مؤمن ناقص الإيمان ، أو يقال : إنه مؤمن بإيمانه ، فاسق بكبيرته .

و يقول : إن الإيمان بمثابة اسم الدين ، فيشمل جميع المأمورات ، و اجتناب المنهيات،
ومرة قال : إن الإسلام و الإيمان بمثابة الروح مع الجسد ، و يستشهد لصحة ذلك بأقوال من يرى صحته ، و وجوب اعتقاده من سائر العلماء القائلين به .

فمن ذلك ما نقله عن الإمام محمد بن نصر ، في ص 178 من كتاب » الإيمان « حول الآية ( فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا) .

فحكم سبحانه : بأن من أسلم ، فقد آمن و اهتدى ، و من آمن : فقد اهتدى ، فسوى بينهما في الاهتداء . و أن التفرقة بين الإسلام ، و الإيمان ، لا دليل عليها ، و قد بينا خطأ تأويلهم،
والحجج التي احتجوا بها من الكتاب و الأخبار ، في محاولتهم التفرقة بين الإسلام و الإيمان.
وكونه لا صحة للاستدلال بها على المعنى الذي أراده . و الحق أن الإسلام و الإيمان شيء من واحد .

و قال البغوي ، في شرح السنة ، على حديث جبريل ، و فيه ذكر الإسلام و الإيمان ، فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الإسلام اسما لما ظهر من الأعمال . و جعل الإيمان إسما لما بطن من الاعتقاد . و ليس ذلك . لأن الأعمال ليست من الإيمان ، أو أن التصديق بالقلب ليس من الإسلام ، و إنما ذلك تفصيل للجملة . و إلا فهي شيء واحد، و جماعها الدين . انتهى .

و حكى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتاب » الإيمان « عن محمد بن نصر المروزي أنه قال : إن الإسلام هو الإيمان و إن المؤمنين هم المسلمون . و هذا نصه:

قال محمد بن نصر المروزي : » قالت طائفة من العلماء : و هم الجمهور الأعظم من أهل السنة و الجماعة ، و أصحاب الحديث : إن الإيمان الذي دعا الله العباد إليه ، و افترضه عليهم،
واتضاه لهم دينا ، هو الإسلام الذي جعله الله دينا ، و ارتضاه لعباده ، فقال : ( و رضيت لكم الإسلام دينا ) .

و قال: ( إن الدين عند الله الإسلام) و قال : ( و من يبتغ غير الإسلام دينا يقبل منه و هو في الآخرة من الخاسرين ) ، و هو ضد الكفر الذي سخطه ، و جعله محبطا لسائر الأعمال الصالحات ، فقال : ( و لا يرضى لعباده الكفر) ، و قال : ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ) ، و قال : ( أ فمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ) ، فمدح الله الإسلام، بمثل ما مدح به الإيمان ، ثم قال : ألا ترى أن أنبياء الله و رسله ترغبوا إليه و سألوه إياه.

فقال إبراهيم و إسماعيل : ( ربنا و اجعلنا مسلمين لك و من ذريتنا أمة مسلمة لك ) . و قال يوسف: ( أنت وليي في الدنيا و الآخرة توفني مسلما و ألحقني بالصالحين ) .

و قال: ( و وصى بها إبراهيم بنية و يعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا و أنتم مسلمون ) .

و قال: ( قولوا آمنا بالله و ما أنزل إلينا و ما أنزل إلى إبراهيم و إسماعيل و إسحاق
ويعقوب و الأسباط و ما أوتي موسى و عيسى و ما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ) .

و قال: ( قولوا آمنا بالله و ما أنزل علينا …. إلى قوله : و نحن له مسلمون ) .

و قال شيخ الإسلام ابن تيمية ــ رحمه الله ــ في تعقيبه على هذا الكلام ، قلت: مقصود محمد بن نصر ــ رحمه الله ــ أن المسلم الممدوح ، هو المؤمن الممدوح ، و أن كل مؤمن فهو مسلم ، فلا بد أن بكون مع إيمان . و هذا صحيح . و هو متفق عليه . انتهى ص 190 من كتاب  » الإيمان « .

و قال أبو طالب المكي : مباني الإسلام الخمسة ، يعني : الشهادتين ، و الصلوات الخمس، و الزكاة ، و صيام شهر رمضان ، و الحج . قال و أركان الإيمان سبعة ، يعني: الخمسة المذكورة في حديث جبريل ، و الإيمان بالقدر ، و الإيمان بالجنة و النار . و كلاهما قد رويت في حديث جبريل كما سنذكره إن شاء الله .

قال: و قد قال قائلون: إن الإيمان هو الإسلام . و هذا قد اذهب التفاوت و المقامات.

و قال آخرون : إن الإسلام غير الإيمان ، و هؤلاء قد أدخلوا التضاد و التغاير ، فهذه مسألة مشكلة تحتاج إلى شرح و تفصيل ، فمثل الإسلام من الإيمان ، كمثل الشهادتين ، إحداهما من الأخرى في المعنى و الحكم ، فشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم غير شهادة الوحدانية . فهما شيئان في الأعيان و إحداهما مرتبطة بالأخرى في المعنى و الحكم ، كشيء واحد ، لا إيمان لمن لا إسلام له و لا إسلام لمن لا إيمان له . إذ لا يخلو المسلم من إيمان به يصح إسلامه ، و لا يخلو المؤمن من إسلام به يحقق إيمانه . من حيث اشترط الله للأعمال الصالحة: الإيمان،
واشترط الصالحة ، فقال في تحقيق ذلك : ( و من يعمل من الصالحات و هو مؤمن فلا كفران لسعيه ) .

و قال في تحقيق الإيمان بالعمل : ( و من يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى ) .

 فمن كان ظاهره ، أعمال الإسلام ، و لا يرجع إلى عقود الإيمان بالغيب فهو منافق نفاقا ينقل عن الملة ، و من كان عقده الإيمان بالغيب ، و لا يعمل بأحكام الإيمان، و شرائع الإسلام، فهو كافر كفرا لا يثبت معه توحيد ، و من كان مؤمنا بالغيب ، مما أخبرت به الرسل عن الله، عاملا بما أمر الله ، فهو مؤمن مسلم .

و قد أجمع أهل القبلة على أن كل مؤمن مسلم ، و كل مسلم مؤمن بالله ، و ملائكته، وكتبه، قال : و مثل الإيمان من الأعمال : كمثل القلب في الجسم ، و لا ينفك أحدهما عن الآخر، و لا يكون ذو جسم حي لا قلب له ، و لا ذو قلب بغير جسم ، فهما شيئان منفردان ، و هما في الحكم
والمعنى ينفصلان ، و مثلهما أيضا ، مثل حبة لها ظاهر و باطن ، و هي واحدة لا يقال حبتان لتفاوت صفتهما .

قال ابن القيم في كتاب » الفوائد « ــ صفحة 84 : الإيمان له ظاهر و باطن و ظاهره: قول اللسان ، و عمل الجوارح . و باطنه : تصديق القلب ، و انقياده و محبته ، فلا ينفع ظاهر لا باطن له و إن حقن به الدماء ، و عصم به المال و الذرية . و لا يجزئ باطن لا ظاهر له إلا إذا تعذر بعجز ، أو إكراه ، و خوف هلاك . فتخلف العمل ظاهرا مع عدم المانع ، دليل على فساد الباطن و خلوه من الإيمان ، و نقصه دليل نقصه ، و قوته دليل قوته ، فالإيمان : قلب الإسلام و لبه،
واليقين : قلب الإيمان و لبه ، و كل علم و عمل لا يزيد الإيمان و اليقين قوة ، فمدخول ، و كل إيمان لا يبعث على العمل فمدخول 
« . انتهى .

فكذلك أعمال الإسلام ، فالإسلام هو ظاهر الإيمان ، و هو من أعمال الجوارح ، والإيمان باطن الإسلام ، و هو من أعمال القلوب .

و روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : » الإسلام علانية ، و الإيمان في القلب «. و في لفظ » و الإيمان سر  « . فالإسلام : أعمال الإيمان ، و الإيمان : عقود الإسلام ، فلا إيمان إلا بعمل ، و لا عمل إلا بعقيدة . انتهى .

ثم نقول للذين يتعصبون بجواز وجود مسلم ليس بمؤمن : أليس المسلم يشهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله ؟ فسيقولون : نعم ، ،لأن الشهادتين من أعمال الإسلام الظاهرة ، فمتى ثبت الأمر بذلك ، فإنهم مؤمنون بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم في قوله: » ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا ، و بالإسلام دينا ، و بمحمد رسولا « .

ثم يقال : هل هؤلاء المسلمون يصلون لله ، أو للصنم ؟ . فإن قالوا : بل يصلون لله . فيقال: هل يتوضئون لصلاتهم ؟ فإن قالوا : نعم فهم كحالة المسلمين في سائر أعمالهم الظاهرة . فيقال: إن معهم من الإيمان بحسبهم و بشهادة رسول الله صلى الله عليه و سلم له في قوله : » استقيموا
ولن تحصوا و اعلموا أن خيرا أعمالكم الصلاة ، و لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن  
« .

فمتى كان يفتتح صلاته بالتكبير ، و يقول: الله أكبر ، فهذا من الإيمان ثم يركع حانيا ظهره لله رب العالمين ، فهذا من الإيمان ، ثم يسجد لله ، و يضع وجهه الذي هو أعز شيء لديه في الأرض ، فهذا من الإيمان بالله .

                          ****************

ثم إننا رأينا من يقول بوجود مسلم ليس بمؤمن ، و يستدل بقوله سبحانه: ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ، فمنهم ظالم لنفسه ، و منهم مقتصد ، و منهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير . جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب و لؤلؤا و لباسهم فيها حرير . و قالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور . الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب . و الذين كفروا لهم نار جهنم
لا يقضى عليهم فيموتوا و لا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور ) .

و هذا الاستدلال واقع في غير موقعه الصحيح ، فإن هؤلاء الأقسام كلهم في الجنة بفحوى القرآن ، و الدلائل من السنة .

و من قال من العلماء ، إن هؤلاء الأقسام ، هم بمثابة الأقسام الثلاثة المذكورين في سورة الواقعة و هم : أصحاب الميمنة ، أصحاب المشأمة و السابقون ، السابقون فقوله خطأ ، إذ الآيات في سورة الواقعة : صريحة ، لأن أصحاب المشأمة : هم أهل النار بالنص الثابت بقوله سبحانه في آخر سورة الواقعة : ( فأما إن كان من المقربين ، فروح و ريحان و جنة نعيم . و أما إن كان من أصحاب اليمين ، فسلام لك من أصحاب اليمين . و أما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم . و تصلية جحيم ) .

فهذه الآية الصريحة في كون القسم الثالث ، الذين هم أصحاب المشأمة ، هم الكافرين، المكذبين بالقرآن ، و بالرسول ، بخلاف الآية التي نحن بصدد تفسيرها من سورة فاطر .

و أن الأقسام الثلاثة كلهم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم و من أهل الجنة ، كما حقق ذلك ابن عباس في تفسيره ، و عائشة أم المؤمنين ، حين سئلت عن تفسير هذه الآية .

و قد حقق ذلك ابن كثير في تفسيره ، حيث قال شارحا هذه الآية ، يقول : ثم جعلنا القائمين بالكتاب العظيم ، المصدق لما بين يديه من الكتب : الذين اصطفينا من عبادنا ، و هم هذه الأمة، ثم قسمهم إلى ثلاثة أنواع . فقال تعالى : ( فمنهم ظالم لنفسه ) : و هو المفرط في فعل الواجبات، المرتكب لبعض المحرمات ، ( و منهم مقتصد : و هو المؤدي للواجبات ، التارك للمحرمات،
وقد يترك بعض المستحبات ، و يفعل بعض المكروهات . ( و منهم سابق بالخيرات بإذن الله ):
وهو الفاعل للواجبات و المستحبات ، التارك للمحرمات ، و المكروهات و بعض المباحات .

قال ابن عباس : هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم أورثهم الله كل كتاب أنزله ، فظالمهم يغفر له ، و مقتصدهم يحاسب حسابا يسيرا ، و سابقهم يدخل الجنة بغير حساب .

و روى عن ابن عباس أيضا ، قال : السابق بالخيرات ، يدخل الجنة بغير حساب،
والمقتصد ، يدخل الجنة برحمة الله . و الظالم لنفسه ، هم و أصحاب الأعراف ، يدخلون الجنة بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم .

و كذا روى عن غير واحد من السلف : أن الظالم لنفسه من هذه الأمة من المصطفين على ما فيه من عوج و تقصير . انتهى .

و الصحيح : أن الظالم من هذه الأمة ، كما جاءت به الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق يشد بعضها بعضا . من ذلك ما رواه الإمام أحمد ، عن أبي الدرداء ــ رضي الله عنه ــ قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تعالى: ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ، فمنهم ظالم لنفسه و منهم مقتصد و منهم سابق بالخيرات بإذن الله ) . فأما الذين سبقوا ، فأولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب . و أما الذين اقتصدوا ، فأولئك الذين يحسبون في طول المحشر ، ثم هم الذين تلافاهم الله برحمته ، فهم الذين يقولون ( الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور . الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب و لا يمسنا فيها لغوب ) .

و أيضا ما وراه أبو داود الطيالسي ، عن الصلت بن دينار بن الأشعث ، عن عقبة بن صهبان الهنائي ، قال : سألت عائشة رضي الله عنها عن قوله تعالى: ( ثم أورثنا الكتاب الذي اصطفينا .. الآية ) . فقالت لي : يا بني . هؤلاء في الجنة . أما السابق بالخيرات ، فمن مضى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم و شهد له رسول الله بالجنة . و أما المقتصد ، فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق بهم . و أما الظالم لنفسه فمثلي و مثلكم . قال : فجعلت نفسها ــ رضي الله عنها ــ معنا . و هذا منها ــ رضي الله عنها ــ من باب الهضم ، و التواضع . و إلا فهي من أكبر السابقين بالخيرات . لأن فضلها على النساء ، كفضل الثريد على سائر الطعام .

هذا : و قد سيقت أحاديث أخرى ، تدل على أن الأصناف الثلاثة المذكورة في الآية كلهم في الجنة . كما رجح ذلك ابن جرير في التفسير . و فحوى الآية ، تدل على ذلك بالصراحة،
وأنهم من هذه الأمة و كلهم في الجنة .

فذكر سبحانه وراثتهم للكتاب ، و هو منزلة عالية ، و صفة سامية . ثم ذكر أنه جل و علا اصطفاهم . و الاصطفاء : هو الصفوة من الشيء . فهم من صفوة الناس . ثم قال : ــ من عبادنا ــ فأضافهم إضافة تشريف إلى نفسه الكريمة . ثم ختم الآية بقوله تعالى ( جنات عدن يدخلونها )،
ولم يستثن منهم الظالم لنفسه . لأن الناس كلهم ظالم لنفسه ، و في الدعاء المأثور ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول :
» اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا و لا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك ، و ارحمني ، إنك أنت الغفور الرحيم  « و قد قال الصحابة للرسول صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله . أينا لم يظلم نفسه .

ثم إن الله سبحانه أعقب هذه الآية بقوله : ( و الذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضي عليهم فيموتوا و لا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور ) . مما يدل على أن الأقسام الثلاثة المذكورة قبلهم ، أنهم كلهم من أهل الجنة . لكون القرآن الكريم مثاني ، إذا ذكر أهل الجنة ، ثني بذكر أهل النار ، ليكون المؤمن راجيا خائفا .