الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

                   زيادة الإيمان و نقصانه

 

و قد اتفق أهل السنة على أن الإيمان يزيد و ينقص ــ أي يزيد بالطاعة ، و بتدبر القرآن،
والعمل به و بالذكر ، و الموعظة ــ و ينقص بالمعصية ، يقول الله تعالى : ( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وحده وجلت قلوبهم ، و إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون . الذين يقيمون الصلاة و مما رزقناهم ينفقون . أولئك هم المؤمنون حقا ) .

و قال: ( و إذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا و هم يستبشرون . و أما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم و ماتوا و هم كافرون ) .

و قد وجد الصحابة هذا الأمر في أنفسهم حتى ظنوه نفاقا ، لكون النفاق مخالفة السر للعلانية ، فروى الإمام أحمد ، و الترمذي ، و ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة ــ رضي الله عنه ــ قال : قلنا يا رسول الله . ما لنا إذا كنا عندك رقت قلوبنا ، و زهدنا في الدنيا،
وكنا من أهل الآخرة ، فإذا خرجنا من عندك فآنسنا أهلنا ، و شممنا أولادنا ، أنكرنا أنفسنا ؟ فقال رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم :
» لو أنكم إذا خرجتم من عندي كنتم على حالكم ، لزارتكم الملائكة في مجالسكم ، و طرقكم ، و لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ، و لجاء بقوم يذنبون، ثم يستغفرون ، فيغفر لهم « .

و جاء حنظلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ـ فقال : يا رسول الله ، نافق حنظلة . قال:
وما ذاك ، فقال : نكون عندك ، تذكرنا بالجنة و النار كأنهما رأي عين ، فإذا خرجنا من عندك، فآنسنا أهلنا ، و شممنا أولادنا ، نسينا كثيرا مما تقول ؟! فقال :
» أما إنكم لو تكونون على الحال التي تقومون بها من عندي لزارتكم الملائكة في مجالسكم و طرقكم ، و لكن يا حنظلة ، ساعة
وساعة
« رواه مسلم في صحيحه .

ثم إن الناس يتفاوتون في الإيمان ، و في الثبات عليه ، و حسن الاستقامة فيه ، حتى يكون منهم: من إيمانه كالجبل في الثبات و الرسوخ ، كما قيل :

على العهد لا يلوي و لا يتلعثم

 

تزول الجبال الراسيات و قلبه
 

( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا و في الآخرة و يضل الله الظالمين
ويفعل الله ما يشاء ) .

و القول الثابت هو الإيمان الراسخ المستلزم للعمل الصالح .

و من الناس من إيمانه مثقال ذرة ، ينقدح الشك في دينه بأول عارض من شبهة ، فهم الذين عناهم القرآن بقوله : ( و من الناس من يعبد الله على حرف ــ أي على طرف ــ فإن أصابه خير اطمأن به و إن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا و الآخرة ذلك هو الخسران المبين ) ، نزلت في الأعراب ، كان أحدهم إذا دخل في الإسلام ، فإن ولد له ولد و نتجت إبله و خيله،
ونزل به الغيث ، قال : هذا دين طيب ، و اطمأن به ، و إن أصيب بمرض ، أو مات أحد من أهله، أو من إبله ، أو أصيب الناس بالجدب ، قال : هذا دين سيئ ، و تشاءم به و ارتد عنه، لكونه لم تدخل بشاشة الإيمان في قلبه ، ولم يذق حلاوته ، فسرعان ما ارتد عنه سخطة له .

و في الحديث : » إن الرجل ليخرج من بيته و معه دينه فيرجع إليه و ما معه من دينه شيء « .

و أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ــ بأنها ستكون فتن كقطع الليل المظلم ، يصبح فيها الرجل مؤمنا ، و يمسي كافرا ، يبيع دينه بعرض من الدنيا ، و لن ننسى النص الثابت في كفر تارك الصلاة ، فروى مسلم عن جابر ، أن النبي صلى الله عليه و سلم ــ قال : » بين الرجل
وبين الشرك و الكفر ترك الصلاة
« .

و عن بريدة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » العهد بيننا و بينهم الصلاة ، من تركها فقد كفر « رواه الإمام أحمد ، و أبو داود ، و الترمذي ، و صححه النسائي ، و ابن ماجه ، و ابن حبان ، في صحيحه و قال : صحيح و لا نعلم له علة .

و يدل له ما رواه الترمذي عن معاذ ــ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » رأس الأمر: الإسلام ، و عموده : الصلاة « . و عمود الشيء هو : قوامه الذي يستقيم به ، و يسقط بتركه،
ولا ينبغي أن ننخدع بمن قال : كفر دون كفر ، فإنه هذا من تحريف الكلم عن مواضعه ، إذا هذا من الأمر الصريح الذي لا يقبل التأويل ، و متى أجمع العلماء على كفر من استباح ترك الصلاة، والزكاة ، أو الصيام ، بلا خلاف ، فإن العارف بوجوبها ثم يصر مستمرا على تركها ، أشد كفرا وعنادا ، إذ كفره من جنس كفر إبليس ، و كفر اليهود .

مع العلم أنه لا يصر مستكبرا عن فعلها ، مؤمن بوجوبها أبدا ، و لهذا كان السلف الصالح يسمونه : الميزان ، فإذا أرادوا أن يبحثوا عن دين إنسان ، سألوا عن صلاته ، فإنه حدثوا بأنه ذو حظ من المحافظة على الصلاة في الجماعات ، علموا بأنه ذو دين ، و شهدوا له بموجبه ، و إن حدثوا بأنه لا حظ له من الصلاة ، علموا بأنه لا دين له و من لا دين له ، جدير بكل شر ، بعيد عن كل خير ، و عادم الخير لا يعطيه ، و كل إناء ينضح بما فيه ( فإن تابوا و أقاموا الصلاة
وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ) .

خسر الذي ترك الصلاة و خابا

 

و أبى معادا صالحا و مثابا

إن كان يجحدها فحسبك أنه

 

أضحى بربك كافرا مرتابا
 

أو كان يتركها لنوع تكاسل

 

غطى على وجه الصواب حجابا

فالشافعي و مالك رأيا له
 

 

إن لم يتب حد الحسام عقابا

قال محمد بن نصر المروزي : سمعت إسحاق يقول : صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: » أن تارك الصلاة كافر « . و كذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي صلى الله عليه وسلم ــ أن تارك الصلاة عمدا من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر .

و قال الحافظ عبد العظيم المنذري : قد ذهب جماعة من الصحابة و من بعدهم إلى تكفير من ترك الصلاة متعمدا لتركها حتى يخرج جميع وقتها .

منهم ــ أي من الصحابة ــ عمر بن الخطاب ، و عبد الله بن مسعود و عبد الله بن عباس،
ومعاذ بن جبل ، و جابر بن عبد الله ، و أبو الدرداء .

و من غير الصحابة : أحمد بن حنبل ، و إسحاق بن راهويه ، و عبد الله ابن المبارك،
والنخعي ، و الحكم بن عيينة ، و أيوب السختياني ، و أبو داود الطيالسي ، و أبو بكر بن أبي شيبة ، و زهير بن حرب ، غيرهم . ذكره المنذري في الترهيب عن ترك الصلاة .

قال العلامة ابن القيم ــ رحمه الله ــ : لا يختلف المسلمون ، أن ترك الصلاة المفروضة عمدا من أعظم الذنوب ، و أكبر الكبائر ، و أن إثمه عند الله أعظم من إثم قتل النفس ، و أخذ الأموال ، و من إثم الزنا ، و السرقة ، و شرب الخمر ، و أنه متعرض لسخط الله ، و خزيه،
وعقوبته في الدنيا و الآخرة . قال : و أفتى سفيان الثوري ، و أبو عمرو الأوزاعي ، و عبد الله بن المبارك ، و حماد بن زيد ، و وكيع بن الجراح ، و مالك بن أنس ، و الشافعي ، و أحمد،
وإسحاق بن راهويه ، و أصحابهم : بأنه يقتل متى تركها عمدا من غير عذر و دعي إليها ، وقال: لا أصلى . انتهى من كتاب
» الصلاة « .

و قد ترجم على معناه البخاري في صحيحه ، و قال : » و باب خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر « ثم ذكر النفاق ، و كونه لا يخافه إلا مؤمن ، و ما أمنه إلا منافق .