![]() |
|
|
أول اختلاف
وقع زمن الصحابة في مرتكب الكبائر إن مسائل الإيمان و الإسلام ، و الكفر و النفاق ، هي
مسائل عظيمة جدا لأن الله سبحانه: علق بهذه الأسماء مسمياتها من الأحكام و
متعلقاتها من السعادة و الشقاوة ، و استحقاق الفوز بالجنة ، والنجاة من النار . والاختلاف في مسمياتها هو أول اختلاف وقع في هذه الأمة ،
وهو خلاف الخوارج للصحابة ، حيث كانوا يكفرون بالذنب ، أخرجوه عصاة الموحدين من
الإسلام بالكلية، وأدخلوهم في حظيرة الكفر ، و عاملوهم معاملة الكفار ؛ من
استحلالهم دماء المسلمين و أموالهم ، و تأولوا قوله سبحانه: ( و من يقتل مؤمنا
متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها ) . و جماعة أهل السنة يقولون : هذا جزاؤه إن جازاه . و لكن
قد يتخلف هذا الجزاء بمقتضى عفو الله عنه ، أو بالتوبة المقبولة ، أو الحسنات
الماحية ، أو المصائب المكفرة ، و من نوقش الحساب عذب . و مثله حديث : » لا يزني الزاني حين يزني و هو
مؤمن ، و لا يسرق السارق حين يسرق و و مؤمن ، و لا يشرب الخمر حين يشربها و هو
مؤمن « . فهذا الحديث ، مما استدل به الخوارج ، و هو من أحاديث
الوعيد تمر كما جاءت ، وهو نفي لكمال الإيمان ، و ليس بنفي لأصل الدين ، لكون نفي
البعض لا يستلزم نفي الكل ، ولأن الناس متفاوتون في الأعمال ، فمنهم كامل الإيمان
، و منهم ناقص الإيمان ، و نحن إذا تكلمنا في الإسلام و الإيمان ، أو في المسلمين
و المؤمنين ، فإنما نتكلم على حالة الناس الظاهرة حسب القاعدة . فمن يتسمى
بالإسلام أو الإيمان ، وهو لا يصلي الصلوات الخمس المفروضة ، ولا يؤدي الزكاة
الواجبة ، و لا يصوم رمضان ، فلا شك أن إسلامه مزيف مغشوش لا حقيقة له ، ما هو
إسلام باللسان ، يكذبه الحس و الوجدان ، و السنة و القرآن ، و من ادعى ما ليس في
فضحته شواهد الامتحان . يقول الله : ( يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في
الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم و لم تؤمن قلوبهم ) . مثله قول
النبي صلى الله عليه وسلم ــ : » لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه « ، و كذلك قوله : » لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما
يحب لنفسه « و كله نفي
لكمال الإيمان . و مثله قوله ــ صلى الله عليه وسلم ــ : » المسلم من سلم المسلمين من لسانه
و يده، والمؤمنون من أمنه الناس على دمائهم و أموالهم « رواه أهل السنن ، من حديث ابن عمر نظيره حديث : » لا صلاة بحضرة طعام ، و لا و هو
يدافعه الأخبثان « فهذا نفي لكمال الصلاة أيضا ، و ليس نفي للصلاة عن أصلها . فقد
قال الفقهاء بجواز صلاته ، و كونها تؤدي الفريضة . فتشبث الخوارج بمثل هذه الآية السابقة ، و هذه الأحاديث
. ثم حث
بعدهم خلاف المعتزلة في قولهم بالمنزلة بين المنزلتين ــ يعني أن مرتكب الكبيرة
ليس بكافر و لا مسلم . ثم حدث خلاف المرجئة ، و قولهم : إن الفاسق مؤمن كامل
الإيمان . ( فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق )
فقالوا : المسلم مؤمن بإيمانه ، فاسق بكبيرته . و ربما قالوا: المسلم العاصي ناقص
الإيمان .
|