الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

توسط واو العطف بين الإسلام و الإيمان

قد أشكل على بعض العلماء ، توسط واو العطف بين الإسلام و الإيمان في حديث جبريل، و كما في قوله سبحانه : ( إن المسلمين و المسلمات و المؤمنين و المؤمنات … إلى قوله:
والصائمين و الصائمات ) ، فظنوا أن واو العطف في الحديث ، و في الآية ، أنها تقتضي المغايرة ، و بنوا على ذلك كون المسلمين غير المؤمنين ، و هذا غير صحيح ، فإن هذه عطف صفات ، يجوز أن تتفق و تجتمع في موصوف واحد لا يتجزأ .

 أما رأيته كيف عطف الصائمين على المسلمين ، و لا إسلام بدون صيام ، ومن استباح ترك الصيام كفر . و قال البغوي في شرح السنة : قد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام اسما لما ظهر من الأعمال ، و جعل الإيمان اسما لما بطن من الاعتقاد ، و ليس ذلك ؛ لأن الأعمال ليست من الإيمان ، و أن التصديق بالقلب ليس من الإسلام ، بل ذلك تفصيل للجملة،
وأنهما كالشيء الواحد ، و جماعهما الدين . فعطف المؤمنين على المسلمين في الآية ، و كذا عطف الإيمان على الإسلام في حديث جبريل ، هو نظير عطف الإعمال الصالحات على الإيمان بالله في كثير من الآيات . كقوله : ( وعد الله الذين آمنوا منكم و عملوا الصالحات )، قوله : ( بشر الذين آمنوا و عملوا الصالحات ) ، و قوله ( إن الذين آمنوا و عملوا الصالحات أولئك هم خير البرية ) ، و قوله : ( و العصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات ، لكون الإيمان : اعتقاد القلب . و الأعمال الصالحة ، و عمل الجوارح ، و لا بد من اتفاقهما في صحة الإسلام و الإيمان .

و قد قلت : إن الإسلام بمثابة رأس الإنسان ، لأن رأس الأمر الإسلام ، و الإيمان بمثابة القلب ، فهما في جسم لا يتجزأ ، يمد أحدهما الآخر بالصحة ، و أو السقم ، أشبه الروح مع الجسد. و إذا بطل عمل أحدهما ، بطل الآخر ، فكما أنه لا يوجد إنسان بلا روح ، فكذلك لا يوجد إيمان بدون إسلام ، فهما متلازمان ، لا يفترقان ، و أجمع كلمة تقال في التعريف بالإسلام
وبالإيمان : أنهما قول باللسان ، و اعتقاد بالجنان ، و عمل بالجوارح و الأركان أخذها الناظم، فقال:

يزيد بالتقوى و ينقص بالزلل

 

إيماننا قول و قصد و عمل
 

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ : في كتاب » الإيمان « : إن اسم الإيمان المطلق، هو بمثابة اسم الدين ، فهو يشمل فعل الأوامر و ترك النواهي . انتهى  .

و قد أشكل على بعض العلماء قوله سبحانه : ( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا و لكن قولوا أسلمنا و لما يدخل الإيمان في قلوبكم و إن تطيعوا الله و رسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا ).

فاستدل بهذه الآية من يرى أن الإسلام غير الإيمان ، و أن المسلمين غير المؤمنين .

و هذه الآية نزلت في أعراب الجزيرة لما غشيهم جنود الصحابة و خافوا أن يستأصلوهم بالقتل ، أقبلوا و هم يقولون : آمنا .. آمنا . قبل أن يعرفوا الإيمان ، و قبل أن يدخل الإيمان في قلوبهم . و إنما قالوا : آمنا خوفا من السيف . و لهذا قال الله : ( قل لم تؤمنوا ــ إلى حد الآن ــ
ولكن قولوا أسلمنا أي استلمنا ، و لما يدخل الإيمان في قلوبكم ـ أي إلى حد الآن ــ ) و عسى أن يدخل بعد حين ، لأن
» لما« تستعمل لنفي الحال فيما عسى أن يقع .

و قد ترجم عليه البخاري في صحيحه بما يقتضي تفسيره و توضيحه ، فقال:

                                  ( باب )

» إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة ، و كان على الاستسلام ، أو الخوف من القتل  «

لقول الله تعالى : ( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا و لكن قولوا أسلمنا ) و إذا كان على الحقيقة فهو مثل قوله : ( إن الذين عند الله الإسلام ) ، ثم ذكر حديث سعد ، و هو أن النبي صلى الله عليه وسلم ــ أعطى رجالا ، قال سعد ، فقلت : يا رسول الله . ما لك عن فلان ؟ فو الله إني أراه مؤمنا ؟ ! فقال أو مسلما . قال : ثم غلبني ما أجد ، فقلت يا رسول الله . ما لك عن فلان.
فو الله إني لأراه مؤمنا ؟! فقال : أو مسلما . ثم قال : إني لأعطي الرجل العطاء و غيره أحب إلى منه كراهية أن يكبه الله في النار على وجهه
« .

فالنبي صلى الله عليه وسلم أحب من سعد أن يقول : إني أراه مسلما . فيصف هذا الرجل بأعماله الظاهرة المشاهدة ، بخلاف وصفه بالإيمان الذي هو من أعماله الباطنة ، و الذي لا يطلع عليه إلا الله .

و هذا من حسن الأدب في التعبير ، و النهي عن الغلو ، و الإفراط في المدح . و في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في صفة الأمانة » إنه ليأتي الرجل فيقال: ما أظرفه ، و ما أعقله ، و ما في قلبه مثقال ذرة من الإيمان … أو كما قال  « .

و نظير هؤلاء العرب ، قصة بني جديمة ، حين غشيهم خالد بن الوليد ، بجنوده ، فأقبلوا يقولون : صبأنا صبأنا . و لم يحسنوا قول : أسلمنا فقتلهم خالد ، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ــ مقالتهم و قتلهم ، فقال : » اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد « .

إن الأعراب الذين مردوا على الشرك ، و عبادة الأوثان ، و إنكار وجود الرب، والتكذيب بالبعث بعد الموت ، و بالجنة والنار ، فهم كما أخبر الله عنهم ، بقوله سبحانه: ( الأعراب أشد كفا و نفاقا و أجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله ) . فهم يحتاجون في دخول الإيمان في قلوبهم إلى وقت يعرفون فيه حقيقة الإيمان و العمل به ، حتى تدخل محبته في قلوبهم غير وقت هذا الإكراه بالسيف .

 لهذا سرعان ما ارتدوا عن دين الإسلام بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ـ لعدم دخول الإيمان في قلوبهم ، الذي ينجم عنه الثبات على الإسلام ، والاستقامة على صالح الأعمال .

 و كل من تأمل القرآن ، فإنه يجده مملوءا بقرن الإيمان بصالح الأعمال ، لكونه لا ينفع إيمان بدون عمل ، كما أنه لا ينفع عمل بدون إيمان ، يقول الله : ( و بشر الذين آمنوا و عملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل ) .

و قال: ( و الذين آمنوا و عملوا الصالحات أولئك أصحاب الحنة هم فيها خالدون )، وقال: ( إن الذين آمنوا و عملوا الصالحات أولئك هم خير البرية ) و قال: ( و العصر إن الإنسان لفي خسر ، إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات ) و قال : ( إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون ) .

في كثير من الآيات بهذه الصفات يشق إحصاؤها ، فعطف الإعمال الصالحات على الإيمان ، هو نظير عطف المؤمنين على المسلمين في قوله : ( إن المسلمين و المسلمات
والمؤمنين و المؤمنات ) ، و مثله حديث جبريل في صفة الإسلام ، ثم صفة الإيمان ، أشبه عطف الأعمال الصالحات ، على الإيمان في كثير من الآيات ، لكون الإيمان : هو اعتقاد و عمل ، فلو أن رجلا قال : أنا أؤمن بالله ، و ملائكته ، وكتبه ، و رسله ، و البعث بعد الموت ، و أن الجنة حق و أن النار حق ، و لكني لا أصلى ، و لا أصوم ، ولا أؤدي الزكاة ، فإن هذا هو الكافر حقا، و لا ينفعه هذا التصديق بدون عمل بموجبه ، لأنه يعتبر ــ بأنه ــ مكذب لإيمانه .

و بعكسه ـ لو رأينا إنسانا يحافظ على الصلوات الخمس في أوقاتها ، و يؤدي الزكاة الواجبة ، و يصوم رمضان ، و يفعل سائر شرائع الإسلام ، و لكنه ينكر وجود الرب ، و ينكر وجود الملائكة ، و يكذب بالبعث بعد الموت ، و يكذب بالجنة و النار ، فإن هذا كافر قطعا، وهو المراد بقوله تعالى : ( مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف
لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد ) ، و قوله : ( و قدمنا إلى ما عملوا به من عمل فجعلناه هباء منثورا ) .

لكون الشرك محبطا لسائر الأعمال الخيرية ، لكن الكافر متى عمل حسنة أطعم بها في الدنيا من صحة حال ، و تكثير مال و عيال ، و ليس له في الآخرة من نصيب ، و أما المؤمن فيطعم بحسنته في الدنيا ، و يدخر ثوابها له في الآخرة ، فيحصل الحسنتين و يفوز بالسعادتين، والمنافقون الذين هم في الدرك الأسفل من النار ، كانوا يعملون أعمال الإسلام الظاهرة ، و لكنهم يبطنون الكفر ، و النفاق ، فعاملهم الرسول كمعاملة المسلمين المؤمنين في النكاح و التوارث،
ووكل سرائرهم إلى الله .

و المقصود أن الإسلام و الإيمان في الشخص جزء لا يتجزأ ، أشبه الروح و الجسد ، فلا إسلام لمن لا إيمان له ، و لا إيمان لمن لا إسلام له . و قد قال أبو طالب المكي : مثل الإسلام من الإيمان ، كمثل الشهادتين ، إحداهما مرتبطة بالأخرى في المعنى و الحكم . فلو قال : أشهد أن لا إله إلا الله ، ولا أشهد أن محمدا رسول الله ــ لم يصح إسلامه ـ ولو قال : أشهد أن محمدا رسول الله ، و لا أشهد أن لا إله إلا الله ــ لم يصح إيمانه . إذ إحداهما مرتبطة بالأخرى كشيء واحد .

و أما تفرقة النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل بين الإسلام و الإيمان ، فإن ذلك تفصيل لوظائف أعمال الجوارح ، و القلوب على ما توجبه هذه المعاني على كل شخص . فحرف الواو المتوسطة بين الإسلام و الإيمان ، هو حرف عطف صفات تتفق في موصوف واحد بدون اختلاف و تضاد فليس فيها دليل على الإيمان و الإسلام مختلفان في الحكم ، إذ أن الإيمان بالقلب لا ينفع إلا بالإسلام بالجوارح ، و إسلام الجوارح لا ينفع إلا بالإيمان بالقلب ، أشبه الرأس و القلب ، فلا يوجد شخص برأس دون قلب و لا قلب بدون رأس .

فهذه التوسطة بين الإسلام و الإيمان في حديث جبريل ، و في قوله: ( المسلمين
والمسلمات و المؤمنين و المؤمنات ) هي نظير الواو في قوله ( إن الذين آمنوا و عملوا الصالحات أولئك هم خير البرية ) .