![]() |
|
|
ضعف التفريق
بين الإسلام والإيمان الحمد لله الذي وفق من أراد هدايته للإسلام ، فانقادت
للعمل به منه الجوارح و الأركان وأشهد أن لا إله إلا الله ، شهادة من قال ربي الله ثم
استقام ، و أشهد أن محمدا عبده أما بعد : فإن الناس في قديم الزمان و حديثه قد اشتغلوا
بالخوض في موضوع الإسلام و أشهر ما ورد في حقيقة الإسلام هو : ما رواه البخاري و
مسلم من حديث ابن عمر ــ أن النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال : » بني الإسلام على خمس : شهادة أن
لا إله إلا الله ، و أن محمدا رسول الله ، و إقام الصلاة ، و إيتاء الزكاة ، و
الحج ، و صوم رمضان « . ثم ما رواه مسلم من حديث عمر ، في سؤال جبريل ، حيث قال
للنبي صلى الله عليه وسلم ــ » يا محمد أخبرني عن الإسلام ؟ فقال : الإسلام أن تشهد
أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول، و تقيم الصلاة و تؤتي الزكاة ، و تصوم رمضان
، و تحج البيت إن استطعت إليه سبيلا . قال: صدقت ، ثم قال أخبرني عن الإيمان ؟ فقال
: الإيمان أن تؤمن بالله ، و ملائكته ، و كتبه، ورسله ، و اليوم الآخر ، و تؤمن
بالقدر خيره و شره . قال : صدقت . ثم قال : أخبرني عن الإسلام ؟ قال : الإحسان أن
تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه ، فإنه يراك . قال صدقت « . رواه البخاري من حديث أبي هريرة
، و في آخره قال : » فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم « . و في حديث وفد عبد القيس ، عن أبن عباس ، أن النبي صلى
الله عليه وسلم ــ قال: ففسر الإيمان بشرائع الإسلام ، و يدل له في الصحيحين :
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » الإيمان بضع و ستون « . و في رواية بضعة و سبعون ــ
شعبة أعلاها : قول لا إله إلا الله ، و أدناها : إماطة الأذى عن الطريق ، و الحياء
شعبة من الإيمان « .و هذه الشعب هي أقوال و أفعال .
فهي من عمل الإسلام . و قد سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإيمان، لشمول
الإيمان للأعمال ، و لكون الإيمان هو الإسلام ، و الإسلام هو الإيمان قال ابن أبي
شيبة: لا يكون إسلام إلا بإيمان ، و لا إيمان إلا بإسلام . حكاه عنه شيخ الإسلام
ابن تيمية في كتاب الإيمان ــ ص 171 . و جاء رجل أبي ذر ، فقال : ما الإيمان ؟ فقرأ عليه هذه
الآية ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق و المغرب و لكن البر من آمن بالله و
اليوم الآخر و الملائكة و الكتاب والنبيين و آتى المال على حبه ذوي القربي و
اليتامى و المساكين و ابن السبيل و السائلين ، و في الرقاب و أقام الصلاة و آتى
الزكاة و الموفون بعهدهم إذا عاهدوا و الصابرين في البأساء و الضراء و حين البأس
أولئك الذين صدقوا ــ أي في دعوى إيمانهم ــ و أولئك هم المتقون ) . فقال الرجل : ليس عن البر سألتك . فقال أبو ذر : جاء رجل
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ فسأله عما سألتني عنه ، فقرأ عليه هذه الآية
، فأبي أن يرضى ، كما أبيت أن ترضى، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : » المؤمن إذا عمل حسنة سرته و رجا
ثوابها ، و إذا عمل سيئة أحزنته و خاف عقابها « رواه ابن أبي مردويه ، و ذكره ابن
كثير في التفسير. و قد قال العلماء : إن الإسلام و الإيمان إذا اجتمعا
تفرقا ، فيفسر الإيمان باعتقاد القلب بوجود الرب ، و وجود الملائكة و البعث بعد الموت و الجنة و النار . و يفسر الإسلام بعمل الجوارح ؛ من النطق بالشهادتين ، و
بالصلوات الخمس المفروضة ، و أداء الزكاة ن و صوم رمضان ، و الحج . و هي أعمال ظاهرة ، كما أن الإيمان من الأعمال الباطنة ،
و قد اجتمعا بهذا التفسير في حديث رواه الإمام أحمد عن أنس ، أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال : » الإسلام علانية، و يدل له قول النبي صلى الله عليه وسلم : » إن للإسلام صوى و منارا كمنار
الطريق « . أي يعرف
صاحبه ، فترك الواجبات الظاهرة دليل واضح على انتفاء الإيمان الباطن ، إذ أن
الإيمان الصحيح في القلب ، مستلزم للعمل الصالح بحسبه ، و يمتنع أن يكون في القلب
إيمان تام بدون عمل . و الإيمان في إطلاقه اسم الدين في شموله . و هذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ــ في الحديث
الصحيح : » ألا و إن في
الجسد مضغة ، إذا صلحت صلح الجسد كله ، و إذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا و هي القلب « . يشير بهذا إلى أنه متى صلح القلب بعقيدة الإيمان ، نشطت
الجوارح بأداء واجباتها ، وإذا اختل صلاح القلب ، اختل عمل الجوارح ، و قد و صفوا
القلب بالملك ، و الجوارح جنوده التابعة له ، تسعد بسعادته ، تشقى بشقاوته ، أشبه
الروح مع الجسد . و روى البخاري في تاريخه عن أنس ، أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال : » ليس الإيمان بالتمني ، و لكن ما
وقر في القلب و صدقه العمل ، و أن قوما ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا
و لا حسنة لهم ، يقولون : نحن نحسن الظن بالله و كذبوا لو أحسنوا الظن، لأحسنوا
العمل « . أخذها الحسن
البصري ، فقال :
»
ليس الإيمان بالتحلي ، و لا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب ، و صدقته
الأعمال « . و لهذا قال أبو ثور : » الإيمان تصديق و عمل « . ثم ليعلم أن هذه المباني الخمس الواردة في حديث ابن عمر
، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله ، و
أن محمدا رسول الله ، و إقام الصلاة ، و إيتاء الزكاة ، و صوم رمضان ، و الحج « . فهذه هي أصل الإسلام لمن سأل عن الإسلام ، كما أنها
الفرقان بين المسلمين و الكفار، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ــ رحمه الله ــ في كتاب :
إنه مما يسأل الناس عنه كثيرا، قولهم : إذا كان مما أوجب الله من الأعمال الظاهرة
أكثر من هذه الخمس التي هي أركان الإسلام، فلماذا قال : الإسلام على هذه الخمس :
الشهادتين ، و الصلاة ، و أداء الزكاة ، و صيام رمضان و حج بيت الله الحرام ؟ ثم قال : » فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم « . فأجاب : بأن هذه هي أظهر شرائع الإسلام و أعظمها ، و
بقيامها يتم استسلامه للإسلام، قال : و التحقيق ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ــ ذكر
الدين الذي هو استسلام العبد لرب مطلقا ، و الذي يجب لله عبادة محضة على الأعيان ،
و فيجب على كل من كان قادرا عليه، ليعبد بها ، مخلصا له الدين ، و هذه هي الأركان
الخمسة . و ما سوى ذلك ، فإنما يجب بأسباب المصالح ، فلا يعم
وجوبها جميع الناس ، بل إما أن تكون فرضا على الكفاية ، كالجهاد ، و الأمر
بالمعروف و النهي عن المنكر ، و ما يتبع ذلك من إمارة ، و حكم ، و فتيا ، و تحديث
، و غير ذلك ، وإما أن يجب بسبب حق الآدميين يختص به من وجب له و عليه ،و قد يسقط
بإسقاطه ، و كذلك ما يجب من صلة الأرحام ، و حقوق الزوجين ، و الأولاد ، و الجيران
، و الشركاء ، و الفقراء ، و كذلك قضاء الديون ، ورد الغصوب ، و العواري ،
والودائع ، و الإنصاف من الظالم ، و من الدماء ، و الأموال، فكل هذه هي حقوق الآدميين ، و إذا أبرءوا منها سقطت ، و
تجب على شخص دون شخص ، و في حال دون حال ، و لم تكن عبادة لله يختص بها كل أحد ؛ و
لهذا يشترك في أكثرها المسلمون ، و اليهود ، و النصارى ، بخلاف الأركان الخمسة ،
من الشهادتين ، والصلاة و الزكاة ، و إن كانت حقا ماليا فهي واجبة لله و للأصناف
الثمانية مصارفها ، و لم تطلب من الكفار؛ لكونها من شعائر الدين . انتهى . فمن ادعى وجود مسلم بدون إيمان ، فقد غلط ، إلا في حالة
المنافقين فقد عاملهم رسول الله صلى
الله عليه وسلم كمسلمين ، بما ظهر له من أعمالهم ، و وكل سرائرهم إلى الله . فقولهم : إن كل مؤمن مسلم ، و ليس كل مسلم مؤمنا ، هو
خطأ ، فلا إسلام بدون إيمان، إلا على رأي المرجئة ، و الجهمية ، القائلين : بأن
الإيمان مجرد التصديق ، فلا يدخلون الأعمال في مسمى الإيمان . و أهل السنة يقولون : الإيمان قول و عمل و اعتقاد . |