الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

ضعف التفريق بين الإسلام والإيمان

 

الحمد لله الذي وفق من أراد هدايته للإسلام ، فانقادت للعمل به منه الجوارح و الأركان
فأقام الصلاة ، و آتى الزكاة ، و صام رمضان ، و حج بيت الله الحرام .

وأشهد أن لا إله إلا الله ، شهادة من قال ربي الله ثم استقام ، و أشهد أن محمدا عبده
ورسوله ، عليه أفضل الصلاة و السلام .

أما بعد : فإن الناس في قديم الزمان و حديثه قد اشتغلوا بالخوض في موضوع الإسلام
والإيمان ، في حالة اجتماعهما ة تفرقهما . و قد اختلفت أفهامهم فيهما لاختلاف النصوص الواردة في شأنهما .

و أشهر ما ورد في حقيقة الإسلام هو : ما رواه البخاري و مسلم من حديث ابن عمر ــ أن النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال : » بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله ، و أن محمدا رسول الله ، و إقام الصلاة ، و إيتاء الزكاة ، و الحج ، و صوم رمضان  « .

ثم ما رواه مسلم من حديث عمر ، في سؤال جبريل ، حيث قال للنبي صلى الله عليه وسلم ــ » يا محمد أخبرني عن الإسلام ؟ فقال : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول، و تقيم الصلاة و تؤتي الزكاة ، و تصوم رمضان ، و تحج البيت إن استطعت إليه سبيلا . قال: صدقت ، ثم قال أخبرني عن الإيمان ؟ فقال : الإيمان أن تؤمن بالله ، و ملائكته ، و كتبه، ورسله ، و اليوم الآخر ، و تؤمن بالقدر خيره و شره . قال : صدقت . ثم قال : أخبرني عن الإسلام ؟ قال : الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه ، فإنه يراك . قال صدقت « . رواه البخاري من حديث أبي هريرة ، و في آخره قال : » فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم « .

و في حديث وفد عبد القيس ، عن أبن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ــ قال:
» آمركم بالإيمان بالله وحده ، و أ تدرون ما الإيمان بالله ؟ هو : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، و إقام الصلاة ، و إيتاء الزكاة ، و صيام رمضان ، وأن تؤدوا الخمس  « .

ففسر الإيمان بشرائع الإسلام ، و يدل له في الصحيحين : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » الإيمان بضع و ستون « . و في رواية بضعة و سبعون ــ شعبة أعلاها : قول لا إله إلا الله ، و أدناها : إماطة الأذى عن الطريق ، و الحياء شعبة من الإيمان  « .و هذه الشعب هي أقوال و أفعال . فهي من عمل الإسلام . و قد سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإيمان، لشمول الإيمان للأعمال ، و لكون الإيمان هو الإسلام ، و الإسلام هو الإيمان قال ابن أبي شيبة: لا يكون إسلام إلا بإيمان ، و لا إيمان إلا بإسلام . حكاه عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الإيمان ــ ص 171 .

و جاء رجل أبي ذر ، فقال : ما الإيمان ؟ فقرأ عليه هذه الآية ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق و المغرب و لكن البر من آمن بالله و اليوم الآخر و الملائكة و الكتاب والنبيين و آتى المال على حبه ذوي القربي و اليتامى و المساكين و ابن السبيل و السائلين ، و في الرقاب و أقام الصلاة و آتى الزكاة و الموفون بعهدهم إذا عاهدوا و الصابرين في البأساء و الضراء و حين البأس أولئك الذين صدقوا ــ أي في دعوى إيمانهم ــ و أولئك هم المتقون ) .

فقال الرجل : ليس عن البر سألتك . فقال أبو ذر : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ فسأله عما سألتني عنه ، فقرأ عليه هذه الآية ، فأبي أن يرضى ، كما أبيت أن ترضى، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : » المؤمن إذا عمل حسنة سرته و رجا ثوابها ، و إذا عمل سيئة أحزنته و خاف عقابها « رواه ابن أبي مردويه ، و ذكره ابن كثير في التفسير.

و قد قال العلماء : إن الإسلام و الإيمان إذا اجتمعا تفرقا ، فيفسر الإيمان باعتقاد القلب بوجود الرب  ، و وجود الملائكة و البعث بعد الموت و الجنة و النار .

و يفسر الإسلام بعمل الجوارح ؛ من النطق بالشهادتين ، و بالصلوات الخمس المفروضة ، و أداء الزكاة ن و صوم رمضان ، و الحج .

و هي أعمال ظاهرة ، كما أن الإيمان من الأعمال الباطنة ، و قد اجتمعا بهذا التفسير في حديث رواه الإمام أحمد عن أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » الإسلام علانية،
والإيمان في القلب
« . فلا بد من اجتماع الإيمان والإسلام في الشخص . و معنى كون الإسلام علانية ، أن المسلم على الحقيقة لا بد أن يظهر إسلامه علانية للناس ، بحيث يشهدون له بموجبه  والناس شهداء الله في أرضه ، فيرونه يصلي مع المصلين ، و يصوم مع الصائمين و يؤدي الزكاة ماله إلى الفقراء و المساكين ، فيظهر إسلامه علانية للناس فيشهدون له بموجبه . وهذا معنى العلانية .

و يدل له قول النبي صلى الله عليه وسلم : » إن للإسلام صوى و منارا كمنار الطريق « . أي يعرف صاحبه ، فترك الواجبات الظاهرة دليل واضح على انتفاء الإيمان الباطن ، إذ أن الإيمان الصحيح في القلب ، مستلزم للعمل الصالح بحسبه ، و يمتنع أن يكون في القلب إيمان تام بدون عمل .

و الإيمان في إطلاقه اسم الدين في شموله .

و هذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ــ في الحديث الصحيح : » ألا و إن في الجسد مضغة ، إذا صلحت صلح الجسد كله ، و إذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا و هي القلب   « .

يشير بهذا إلى أنه متى صلح القلب بعقيدة الإيمان ، نشطت الجوارح بأداء واجباتها ، وإذا اختل صلاح القلب ، اختل عمل الجوارح ، و قد و صفوا القلب بالملك ، و الجوارح جنوده التابعة له ، تسعد بسعادته ، تشقى بشقاوته ، أشبه الروح مع الجسد .

و روى البخاري في تاريخه عن أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :  » ليس الإيمان بالتمني ، و لكن ما وقر في القلب و صدقه العمل ، و أن قوما ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا و لا حسنة لهم ، يقولون : نحن نحسن الظن بالله و كذبوا لو أحسنوا الظن، لأحسنوا العمل « . أخذها الحسن البصري ، فقال : » ليس الإيمان بالتحلي ، و لا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب ، و صدقته الأعمال  « . و لهذا قال أبو ثور : » الإيمان تصديق و عمل « .

ثم ليعلم أن هذه المباني الخمس الواردة في حديث ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله ، و أن محمدا رسول الله ، و إقام الصلاة ، و إيتاء الزكاة ، و صوم رمضان ، و الحج  « .

فهذه هي أصل الإسلام لمن سأل عن الإسلام ، كما أنها الفرقان بين المسلمين و الكفار،
وكما أنها محك التمحيص لصحة الإيمان ، بها يعرف صادق الإسلام من بين أهل الكفر
والفسوق و العصيان ، و قد ذاق طعم الإيمان : من رضي بالله ربا ، و بالإسلام دينا ، و بمحمد نبيا و رسولا .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ــ رحمه الله ــ في كتاب : إنه مما يسأل الناس عنه كثيرا، قولهم : إذا كان مما أوجب الله من الأعمال الظاهرة أكثر من هذه الخمس التي هي أركان الإسلام، فلماذا قال : الإسلام على هذه الخمس : الشهادتين ، و الصلاة ، و أداء الزكاة ، و صيام رمضان و حج بيت الله الحرام ؟

ثم قال : » فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم « .

فأجاب : بأن هذه هي أظهر شرائع الإسلام و أعظمها ، و بقيامها يتم استسلامه للإسلام،
وبتركه لها يشعر بانحلاله عن قيد الإسلام .

قال : و التحقيق ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ــ ذكر الدين الذي هو استسلام العبد لرب مطلقا ، و الذي يجب لله عبادة محضة على الأعيان ، و فيجب على كل من كان قادرا عليه، ليعبد بها ، مخلصا له الدين ، و هذه هي الأركان الخمسة .

و ما سوى ذلك ، فإنما يجب بأسباب المصالح ، فلا يعم وجوبها جميع الناس ، بل إما أن تكون فرضا على الكفاية ، كالجهاد ، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ، و ما يتبع ذلك من إمارة ، و حكم ، و فتيا ، و تحديث ، و غير ذلك ، وإما أن يجب بسبب حق الآدميين يختص به من وجب له و عليه ،و قد يسقط بإسقاطه ، و كذلك ما يجب من صلة الأرحام ، و حقوق الزوجين ، و الأولاد ، و الجيران ، و الشركاء ، و الفقراء ، و كذلك قضاء الديون ، ورد الغصوب ، و العواري ، والودائع ، و الإنصاف من الظالم ، و من الدماء ، و الأموال،
والأعراض .

فكل هذه هي حقوق الآدميين ، و إذا أبرءوا منها سقطت ، و تجب على شخص دون شخص ، و في حال دون حال ، و لم تكن عبادة لله يختص بها كل أحد ؛ و لهذا يشترك في أكثرها المسلمون ، و اليهود ، و النصارى ، بخلاف الأركان الخمسة ، من الشهادتين ، والصلاة
والزكاة ، و الصيام ، و الحج ــ مع استطاعته ــ فإن وجوبها خص بكل أحد من المسلمين .

و الزكاة ، و إن كانت حقا ماليا فهي واجبة لله و للأصناف الثمانية مصارفها ، و لم تطلب من الكفار؛ لكونها من شعائر الدين . انتهى .

فمن ادعى وجود مسلم بدون إيمان ، فقد غلط ، إلا في حالة المنافقين فقد عاملهم رسول الله  صلى الله عليه وسلم كمسلمين ، بما ظهر له من أعمالهم ، و وكل سرائرهم إلى الله .

فقولهم : إن كل مؤمن مسلم ، و ليس كل مسلم مؤمنا ، هو خطأ ، فلا إسلام بدون إيمان، إلا على رأي المرجئة ، و الجهمية ، القائلين : بأن الإيمان مجرد التصديق ، فلا يدخلون الأعمال في مسمى الإيمان .

و أهل السنة يقولون : الإيمان قول و عمل و اعتقاد .