الإيمان بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام

و بيان ضعف حديث أبي ذر في حصر عددهم و التفريق بين الأنبياء والرسل

         

الأنبياء هم بشر اصطفاهم الله لحمل نبوته و تبليغ رسالته . فهو يوحي إليهم من أمره ما يشاء ، ثم يقومون بإبلاغ ما أوحي إليهم من ربهم ، و لا يكتمون الله حديثا ، يقول الله سبحانه:
( يا أيها الرسل بلغ ما أنزل إليك من ربك و إن لم تفعل فما بلغت رسالته ) .

فكلهم ممن أوحي إليهم بشرع ، و أمروا بتبليغه ، يقول الله سبحانه : ( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس و لا تكتمونه ) .

و الأنبياء ، هم رؤوس من أوتوا الكتاب ، و أخذ منهم العهد و الميثاق في البيان و عدم الكتمان .

فالأنبياء هم الرسل ، و الرسل هم الأنبياء ، تنوع الاسم ، و المسمى واحد . قال الله سبحانه : ( رسلا مبشرين و منذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ) ، و قال: ( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين و أنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ) . فأمر الله النبيين بما أمر به المرسلين .

و أما التعريف بقولهم : إن الرسول ، هو من أوحي إليه بشرع ، و أمر بتبليغه ، و النبي: هو من أوحي إليه بشرع ، و لم يؤمر بتبليغه . فهذا يعد من الخطأ المتناقل ، الذي انتشر
واشتهر على ألسنة الناس ، و في عقائدهم في كل بلد ، و حتى التبس الأمر فيه على العلماء الكبار ، فظنوه حقا ، و هو لا صحة له ، إذ لا يوجد نبي أوحي إليه بشرع من الأمر ، و النهي،
والفرائض ، و الأحكام ، و الحلال ، و الحرام ، ثم يصر على كتمانه ، و عدم بيانه لكون هذا ينافي مقتضى الرسالة ، و الأمانة ، فكلهم مكلفون بنشر الدعوة و تبليغ الرسالة .

و أول من رأيناه تكلم بهذا التفريق بين النبي و الرسول ، هو الإمام النووي . فتلقاه الناس عنه ، و هو إنما أخذه من الحديث الموضوع المنسوب إلى أبي ذر في التفريق بين الأنبياء
والرسل ، و سيأتي الكلام على بيانه بما يقتضي بطلانه .

و ليست هذه بأول غلطة دخلت في عقائد الناس ، و تناقلوه من جراء سوء الأحاديث الموضوعة ، التي عملت التأثير في الأمة ، في إدخال البدع ، و تغيير السنن ، إذ تأبى حكمة الله  و حكمة بعثته لأنبيائه ، أن يكون فيهم من أوحي بشرع و لم يؤمر بتبليغه .

يقول الله سبحانه : ( إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح و النبيين من بعده و أوحينا إلى إبراهيم و إسماعيل و إسحاق و يعقوب و الأسباط و عيسى و أيوب و يونس و هارون و سليمان وآتينا داود زبورا . و رسلا قد قصصناهم عليك من قبل و رسلا لم نقصصهم عليك و كلم الله موسى تكليما . رسلا مبشرين و منذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل و كان الله عزيزا حكيما ) فذكرهم أولا باسم النبيين ، ثم ذكرهم في آخر الآيات باسم الرسل . و المعنى واحد ، كما أن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم نبي رسول ، يخاطبه القرآن بقوله: ( يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا و مبشرا و نذيرا . و داعيا إلى الله بإذنه و سراجا منيرا ) ، و بقوله:
( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك و إن لم تفعل فما بلغت رسالته ) .

 و قد وصف الله الأنبياء رسالة ربهم ، فقال سبحانه : ( و ما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء و الضراء لعلهم يضرعون ) .

و قال : ( و كم أرسلنا من نبي في الأولين ) ، و » و كم « يؤتي بها للتكثير ، أي عدد كثير . و قال : ( و ما أرسلناك من قبلك من رسول و لا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته و الله عليم حكيم ) ، فسماهم ــ سبحانه ــ مبشرين
ومنذرين ، كما سماهم مرسلين . فهذه الآيات ، لا تبقى مجالا للجدل . و كيف يتلاءم صفة النبي الذي أوحي إليه بشرع و لم يؤمر بتبليغه ، مع الوعيد الشديد على كتمان العلم ، و عدم بيانه ، في قوله: ( و إذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس و لا تكتمونه ) .

و قال: ( إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات و الهدى من بعد ما بيناه في الكتاب أولئك يلعنهم الله و يلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا و أصلحوا و بينوا فأولئك أتوب عليهم و أنا التواب الرحيم ) .

والله سبحانه قد سمى محمدا رسولا منذ نزل عليه الوحي بغار حراء في قوله: ( اقرأ باسم ربك الذي خلق . خلق الإنسان من علق . اقرأ و ربك الأكرم . الذي علم بالقلم . علم الإنسان ما لم يعلم ) ، فهذه السورة ليس فيها الأمر بالتبليغ و الدعوة ، لكن الله سماه رسولا منذ أنزلها عليه ، فقال سبحانه : ( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته و يزكيهم
ويعلمهم الكتاب و الحكمة و إن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) . و في الآية الأخرى : ( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته و يزكيهم و يعلمهم الكتاب
والحكمة و إن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) .

فالبعثة هي ابتداء النبوة و الرسالة ، و هي ابتداء نزول القرآن عليه ، فمنذ نبئ باقرأ
وهو رسول . فالفضل كل الفضل ، هو في البعثة ــ أي ابتداء النبوة بابتداء نزول القرآن عليه
وبينها و بين المولد أربعون سنة ، فقولهم : إنه نبئ باقرأ ، و أرسل بالمدثر كما قاله ابن كثير ليس بصحيح ، و الصحيح أنه نبئ و أرسل باقرأ و بالمدثر و بجميع القرآن .

و إنما الأمر بالجهر بالدعوة و تبليغ الرسالة بعد نزول ( يا أيها المدثر . قم فأنذر. و ربك فكبر . و ثيابك فطهر . و الرجز ) .

وذلك من بعد الفترة المتخللة لما بين نزول اقرأ ، و نزول المدثر . و قد قيل: إنها أربعون يوما ، و قيل أكثر من ذلك . و قد تمثل له جبريل في أثنائها ، و يقول له: إنك لرسول الله حقا .

فالصحيح : أنه أرسل باقرأ ، كما أرسل بالمدثر ، و بالقرآن كله .

ثم إننا متى بحثنا عن سبب انتشار هذا الاعتقاد بين الناس في التفريق بين الرسول والنبي  نجد السبب هو: تأثرهم بالحديث المنسوب لأبي ذر ، و يترجح بمقتضى الدلائل و البراهين أنه حديث موضوع مكذوب على الرسول و على أبي ذر ، و إن كان قد رواه الإمام أحمد في مسنده  ورواه ابن حبان في صحيحه ، فقد حقق ابن الجوزي: بأنه موضوع ، و اتهم بوضعه إبراهيم بن هشام . و كذلك ابن كثير ، فقد أشار في التفسير إلى ضعفه قائلا : و لا شك أنه قد تكلم فيه غير واحد من أئمة الجرح و التعديل ، مع العلم أن لفظه ينم بوضعه ، و نحن نسوق بلفظه ، ثم نعقبه بما يوضح بطلانه ، و نصيحة لله ، و لعباده المؤمنين .

فعن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله ! كم الأنبياء ؟ قال: مائة ألف و أربعة و عشرون ألفا . قلت: يا رسول الله ! كم الرسل منهم ؟ قال : ثلاثمائة و ثلاثة عشر ، جم غفير . قلت: يا رسول الله . من كان أولهم ؟ قال : آدم . قلت : يا رسول الله ! أ نبي مرسل ؟ قال : نعم ، خلقه الله بيده ، ثم نفخ فيه من روحه ، ثم سواه قبيلا . ثم قال : يا أبا ذر ، أربعة سريانيون : آدم ، و شيث  ونوح ، و خنوخ ، و هو : إدريس ، و هو أول من خط بالقلم . و أربعة من العرب:هود
وصالح ، و شعيب ، و نبيك يا أبا ذر . و أول نبي من بني إسرائيل موسى ، و آخرهم عيسى
وأول النبيين آدم ، و آخرهم نبيك ، قلت يا رسول الله كم كتابا أنزله الله ؟ مائة كتاب وأربعة كتب أنزل على شيث خمسين صحيفة و أنزل على خنوخ ثلاثين صحيفة و أنزل على إبراهيم عشر صحائف و أنزل على موسى قبل التوراة عشر صحائف و أنزل التوراة و الإنجيل والزبور
والفرقان
« و روى هذا الحديث الحافظ أبو حاتم ابن حبان البستي في كتابه » الأنواع
والتقاسيم
« و قد وسمه بالصحة ، و خالفه أبو الفرج بن الجوزي ،فذكر هذا الحديث في كتابه
» الموضوعات « و اتهم به إبراهيم بن هشام . هذا و لا شك أنه قد تكلم فيه غير واحد من الأئمة الجرح والتعديل ، من أجل هذا الحديث ، و الله أعلم .

واعلم أن الإيمان بالله تعالى ، و ملائكته ، و كتبه ، و رسله ، و البعث بعد الموت ، هو مما اتفقت على وجوبه جميع الأنبياء .

يقول الله : ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق و المغرب و لكن البر من آمن بالله
واليوم الآخر و الملائكة و الكتاب والنبيين ) .

        فالإيمان بجميع الأنبياء ، و تصديقهم في كل ما أخبروا به من أمور الغيب ، و طاعتهم في كل ما أمروا به ، و نهوا عنه ، واجبة .

        و لهذا أوجب الله سبحانه بكل ما أوتوا به . قال تعالى : ( قولوا آمنا بالله و ما أنزل إلينا
وما أنزل إلى إبراهيم و إسماعيل و إسحاق و يعقوب والأسباط و ما أوتي موسى و عيسى و ما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم و نحن له مسلمون . فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به
فقد اهتدوا و إن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله و هو السميع العليم ) .

        و قد اتفق علماء الملة على كفر من كذب نبيا معلوم النبوة ، و كذا من سب نبيا لكون الإيمان واجبا بجميع الأنبياء ، و أن لا نفرق بين أحد منهم . يقول الله سبحانه: ( إن الذين يكفرون بالله و رسله و يريدون أن يفرقوا بين الله و رسله و يقولون نؤمن ببعض و نكفر و يريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا . أولئك هم الكافرون حقا و أعتدنا للكافرين عذابا مهينا . و الذين آمنوا بالله و رسله و لم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم و كان الله غفورا رحيما ) .

        و هذا التفريق الذي ذمه الله ، بما أنه محمول على الإيمان ببعضهم ، و تكذيب بعضهم ، فإنه أيضا يشمل إثبات الرسالة لبعضهم ، و نفيها عن بعضهم . و الله سبحانه قد فضل بعض الأنبياء على بعض ، فقال سبحانه : ( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ) .

        أما عددهم : فقد جاء في حديث أبي ذر المذكور ، و قد تكلم عليه الولي العراقي بما يحقق وضعه و بطلانه ، و عدم صحته . ورد على ابن حبان ، جماعة من العلماء الحفاظ ، وانتقدوا عليه إدخال هذا الحديث في صحيحه .

        و في كتاب » الإيمان « لشيخ الإسلام ابن تيمية ــ رحمه الله ــ في قول الإمام أحمد ــ رضي الله عنه ــ في الرسل ، و عددهم ، أنه يجب الإيمان بهم في الجملة ، مع الكف عن عددهم  لعدم صحة الحديث الوارد فيه .

  و ذكر محمد بن نصر المروزي و غيره من أئمة السلف نحو هذا الكلام ، مما يبين أنهم
لم يعلموا عدد الكتب ، و الرسل ، و أن حديث أبي ذر في ذلك لم يثبت عندهم . انتهى ــ كلام شيخ الإسلام .

وحاصل ما تقدم : أنه يجب الإقرار بهم في الجملة ، ثم الكف عن عددهم ، لعدم ثبات ما يدل عليه .

و سنتكلم الآن على حديث أبي ذر ، بما يبين بطلانه و عدم صحته من ظاهر لفظه . فأولا  قوله قلت: يا رسول الله . كم الأنبياء ؟ قال مائة ألف و أربعة و عشرون ألفا . قلت كم الرسل منهم ؟ فقال: ثلاثمائة و ثلاثة عشر ، جم غفير .

فهذا العدد بهذه الصفة ، و بهذا التفريق ، يبطله صريح القرآن الكريم في قوله سبحانه:
( و رسلا قد قصصناهم عليك من قبل و رسلا لم نقصصهم عليك و كلم الله موسى تكليما ) و هي مدنية ، فلا يمكن أن تنسخ بمثل هذا الحديث الضعيف .

و منها قوله: ( و لقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك و منهم من لم نقصص عليك ) ، فالاشتعال بعدد الأنبياء ، هو مما يشغل الأذهان و لا يزيد في الإيمان ، و هو صريح لمخالفة ما أبهمه القرآن .

فلو طلبنا من المجادلين بصحة ذلك تسمية ثلاثة أشخاص من الأنبياء ، هم أنبياء ، و ليسوا برسل ، لم يحيطوا علما بمعرفتهم .

ثانيا: قوله في الحديث: » قلت يا رسول الله . من أول الرسل ؟ قال: آدم . قلت: أ نبي مرسل ؟ قال: نعم « .

فهذا أيضا مما يدل على عدم صحة الحديث : لأن القرآن لا يثبت لآدم نبوة و لا رسالة،
وما كان ربك نسيا . و إنما هو أبو البشر ، يذنب فيتوب ، يقول الله : ( و عصى آدم ربه فغوى. ثم اجتباه ربه فتاب عليه و هدى ) .

و أصح ، و أصرح ما ورد في فضله هو قوله سبحانه : ( إن الله اصطفى آدم و نوحا
وآل إبراهيم و آل عمران على العالمين ) ، و ليس فيها ما يدل على نبوته بالصراحة ، لكون الاصطفاء افتعال من الصفوة ، و لا يلزم أن تكون نبوة . يقول الله تعالى: ( و إذ قالت الملائكة
يا مريم إن الله اصطفاك و طهرك و اصطفاك على نساء العالمين ) .

و من المعلوم أن مريم ليست بنبية ، و إنما هي امرأة صالحة من صفوة نساء العالمين .
والصحيح أن أول الرسل نوح ، و آخرهم محمد صلى الله عليه وسلم و حتى آدم نفسه يعترف بأن أول الرسل نوح ، كما في حديث الشفاعة الذي رواه أنس ، و أنه يجتمع المؤمنون يوم القيامة  فيلهمون ذلك ، فيقولون : لو استشفعنا إلى ربنا ، فأراحنا من مكاننا هذا ، فيأتون آدم ، فيقولون: يا آدم . أنت أبو البشر ، خلقك الله بيده ، و أسجد لك ملائكته ، و علمك أسماء كل شيء . فاشفع لنا إلى ربك ، حتى يريحنا من مكاننا هذا . فيقول لهم آدم : لست هنا كم ، و يذكر ذنبه الذي أصاب ، فيستحي من ربه ــ عز و جل ــ و يقول : و لكن ائتوا نوحا ، فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض . رواه البخاري . و هذا الحديث قاطع للنزاع ، و يعيد الخلاف إلى مواقع الإجماع .

ثم إن القائلين بنبوة آدم ، ليس عندهم دليل سوى محض الظن و التخمين ، يقولون: إنه لا يمكن أن يبقى آدم و ذريته في حياتهم بدون وحي ينظم أحوالهم و يبين لهم فرائضهم ، و أحكامهم  ويستدلون بقوله سبحانه : ( و علم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة ) . و هذا التعليم،
وهذا العرض إنما هو للأرواح قبل خلق آدم ، فلا حجة فيه ، و لن ننسي في هذا الحديث الوارد في عرض الأرواح على ضعفه ، و هو أن الله سبحانه عرض على آدم ذريته كالذر ، فرأى رجلا هو أضوأهم ، قال : يا رب ، من هذا ؟ قال : هذا ابنك داود . قال : يا رب ، كم عمره ؟ قال: ستون سنة . قال : يا رب زده من عمري أربعين سنة . ثم إنها مضت الأيام و الليالي ، فلما انتهى عمر آدم . إنك استعجلت علي و إنني أعد الأيام و الليالي ، وقد بقى من عمري أربعون سنة . فقال : إن وهبتها لابنك داود ، فجحد أن يكون وهبها له . قال : فجحد آدم ، و جحدت ذريته  و نسي ، و فنسيت ذريته ، فمن ثم أمر الله بالكتابة و الشهود ، ثم إن الناس من لدن خلق آدم
وهم يولدون على الفطرة التي هي معرفة الخير و محبته .

فيلهمون فعل ما ينفعهم ، و اجتناب ما يضرهم ، و قد يذنبون ، فيتوبون و قد لا يتوبون . كما في حادثة ابني آدم ، حين قتل أحدهما أخاه و لم يهتد إلى كيفية دفنه ، حتى دله غراب يبحث في الأرض ، ليريه كيف يواري سوأة أخيه ، و كان هذا أول قتيل دفن في الأرض ، و لهذا ورد: » ما قتل قتيل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها ، لأنه أول من سن القتل  « .

و كما يوجد في زماننا هذا أمم من الناس لم تبلغهم الدعوة ، و لا الشريعة ، فيعيشون متعاشرين متعاملين ، و يوصفون بأنهم ممن لم تبلغهم الدعوة ، كحالة زمان الفترة . و الله سبحانه ، بحكمته و عدله ، لا يعذب أمة حتى يبعث إليها رسولا فيعصون أمره . قال الله تعالى:
( و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) .

و أما قول بعضهم : إن نبي الله إدريس ، كان قبل نوح ، كما أشار إليه العلامة ابن كثير في التفسير ، فهذا قول لا حظ له من الدليل ، و يخالف نصوص القرآن و السنة .

و قد قال بعض العلماء : إن إدريس من أنبياء بني إسرائيل ، و هذا أقرب إلى المعقول
والمنقول .

و قد رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية ذكر في كتاب الإسلام و الإيمان نبوة آدم عليه السلام
وهو اجتهاد منه رحمه الله .

الأمر الثالث : مما يحقق عدم حديث أبي ذر . قوله : و أول نبي من بني إسرائيل هو: موسى ، و آخرهم عيسى . فهذا واضح البطلان ، بالدليل و البرهان ، و بالسنة و القرآن ، فإن أول نبي إسرائيل هو : يوسف الصديق ــ عليه الصلاة و السلام ، فهو الذي أسس دولة بني إسرائيل بمصر ، و استدعى أباه و اخوته من القدس إلى مصر . و إسرائيل اسم يعقوب نبي الله، و بين يوسف الصديق ، و بين موسى سنون طويلة ، لا يعلم عددها إلا الله .

و حكى الله تعالى عن يوسف ، بعدما جمع الله شمله بأبيه و اخوته ، فقال : ( رب
قد آتيتني من الملك و علمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات و الأرض أنت وليي في الدنيا و الآخرة توفني مسلما و ألحقني بالصالحين ) .

و أما كون آخر أنبياء بني إسرائيل عيسى ، فهذا صحيح بلا نزاع ، فليس بعد عيسى أحد من الأنبياء سوى محمد نبينا عليه الصلاة و السلام .

و الحاصل: أن حديث أبي ذر في عدد الأنبياء و الرسل ، و تفريقه بين الأنبياء و الرسل
هو حديث موضوع ، أي مكذوب على أبي ذر ، و على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يجوز لأحد أن يحدث به الناس إلا في حالة بيانه لبطلانه ، ليحذر الناس عن الاغترار به ، إذ الموضوع هو المكذوب و قد اتهموا بوضعه إبراهيم بن هشام .

و قد قال السيوطي في ألفية الحديث :

و لم ينل درة الحق غائص

 

من الناس إلا بالروية و الفكر

فمتى تحققنا من وضع هذا الحديث ، تبين لنا بطلان ما تضمنه من عدد الأنبياء
وتقسيمهم بين الأنبياء و الرسل ، و أن هذا التقسيم لا صحة له ، إذ الأنبياء هم الرسل ، مخرجها في القرآن واحد ، فأحيانا يعبر عنهم باسم الأنبياء ، و هو الأكثر ، كقوله سبحانه: ( قولوا آمنا بالله و ما أنزل إلينا و ما أنزل إلى إبراهيم و إسماعيل و إسحاق و يعقوب و الأسباط و ما أوتي موسى و عيسى و ما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ) ، فذكرهم في هذه الآية باسم النبيين ، و نهى عن التفريق بينهم . و أحيانا يعبر عنه باسم الرسل ، كقوله سبحانه: ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه و المؤمنون كل آمن بالله و ملائكته و كتبه و رسله لا نفرق بين أحد من رسله ) ، فذكرهم هنا باسم الرسل ، و نهى عن التفريق بينهم في الآيتين كلتيهما .

و من نوع التفريق ، إثبات الرسالة لبعضهم ، و نفيها عن بعضهم بدون دليل ، فتسمية الأنبياء بالرسل ، لا تدل على المغايرة ، إذ التسمية متنوعة ، و المسمى واحد .

و له نظائر كثيرة ، منها : القرآن ، فإن اسمه القرآن ، و الفرقان ، و الذكر . و مثل جبريل . فإن اسمه في القرآن : جبريل ، و يسمى الروح الأمين ، و يسمى روح القدس،
و المسمى واحد . و مثل مكة . فإنها تسمى في القرآن : مكة ، و بكة ، و أم القرى ، و البلد الأمين ، و المسجد الحرام . و مثل تسمية المسلمين في القرآن . فإن اسمهم : المسلمون،
والمؤمنون ، و عباد الله ، كما في الحديث  ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:  
» أنا خاتم النبيين « .

و في رواية لمسلم ، عن جابر ، قال : » أنا موضع اللبنة جئت فختمت الأنبياء « .
وروى الإمام أحمد بسنده ، عن أبي الطفيل ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
» لا نبوة بعدي إلا المبشرات . قيل : و ما المبشرات ؟ قال : الرؤيا الحسنة ، و في رواية: الرؤيا الصالحة« .

و روى البرقاني في صحيحه ، عن ثوبان ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: » إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين ، و إذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة ، و لا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين ، و حتى تعبد فئة من أمتي الأوثان ، و أنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون ، كلهم يزعم أنه نبي ، و أنا خاتم النبيين ، لا نبي بعدي ، و لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة ، لا يضرهم من خالفهم ، حتى يأتي أمر الله تبارك
و تعالى
«.

ثم إن السنة تفسر القرآن و تبينه و تدل عليه ، و تعبر عنه ، و هي تذكر الأنبياء دائما بدلا من الرسل . ففي صحيح مسلم . عن ابن عمر ، قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر  فنزلا منزلا ، فمنا من يصلح جشره ، و منا من ينتضل ، إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة جامعة . فاجتمعنا ، فقال : » إنه ما من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم ، و ينذرهم عن شر ما يعلمه لهم ، و إن هذه الأمة جعل عافيتها في أولها ،
و سيصيب آخرها بلاء ، و أمور تنكرونها ، تجيء الفتن يرقق بعضها بعضا . تجيء الفتنة ، فيقول المؤمن : هذه مهلكتي ، ثم تنكشف …. إلى آخر الحديث
« .

فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم : أنه ما من نبي من الأنبياء ، إلا كان حقا واجبا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم ، و ينذرهم عن شر ما يعلمه لهم ، فأين هذا النبي الذي لا تجب عليه الدعوة ، و لا تبليغ الرسالة .

لأن بمقتضى أمانة نبوتهم ــ لأنه إنما سمي نبيا من أجل أن الله ينبئه من وحيه بما يشاء ــ كما قال سبحانه : ( قد نبأنا الله من أخباركم ) ثم هو ينبئ عن الله وحيه ، و أمره و نهيه
وحلاله و حرامه ، و سائر فرائضه و أحكامه . فهذه وظيفة جميع الأنبياء ، كما قال تعالى:
( وجعلناهم أئمة يهدونا بأمرنا و أوحينا إليهم فعل الخيرات و إقام الصلاة و إيتاء الزكاة و كانوا لنا عابدين ) .

أما نبي يوحي إليه بشرع ، و لم يؤمر بتبليغه ، فهذا إنما يوجد في الأذهان دون الأعيان
و يجب تنزيه الأنبياء عن الاتصاف به ، و مثله قوله صلى الله عليه وسلم :
» مثلي و مثل الأنبياء قبلي ، كمثل رجل بني دارا فأتقنها و جملها إلا موضع لبنة منها ، ثم صنع مأدبة ، و دعا الناس إليها ، فجعلوا يعجبون من حسنها ، إلا موضع تلك اللبنة . قال : فأنا موضع اللبنة ، جئت فختمت الأنبياء« ، رواه مسلم عن جابر ، و قال : ( نحن معاشر الأنبياء بنو علات ، الدين واحد والشرائع متفرقة ) يعني أن لكل نبي شريعة من الصلاة ، و الزكاة و الصيام و الحلال و الحرام تناسب حالة أمته و زمانه ، غير شريعة الآخر ، قال تعالى : ( لكل جعلنا منكم شرعة و منهاجا).

ثم جاءت شريعة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم مهيمنة و حاكمة على جميع الشرائع ، لأن كل نبي يبعث إلى قومه خاصة ، و قد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة ، قال تعالى : ( قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ) و قال : ( و ما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا و نذيرا ) و لما رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عمر قطعة من التوراة قال : » يا عمر قد جئتكم بها بيضاء نقية ، ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ، و لو كان أخي موسى حيا ما وسعه إلا إتباعي  « .

فبما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو خاتم المرسلين فكذلك شريعته هي خاتمة الشرائع .

فلا يجوز لأحد أن يتعبد بشريعة غير شريعته ، إذ هي المهيمنة على سائر الشرائع ،
والحاكمة عليها ، يقول الله : ( ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها و لا تتبع أهواء الذين
لا يعلمون ) .

و مثله ما ورد في القرآن بكثرة من تسمية الإسلام أحيانا و الإيمان أحيانا ، و تسمية المسلمين أحيانا و تسمية المؤمنين أحيانا .

و الصحيح أن الإسلام متى أطلق في القرآن فإنه يراد به الإيمان . و الإيمان يراد به الإسلام .

لكنه عند التفصيل يراد بالإيمان مجرد التصديق الجازم بالقلب ، و الإسلام مجرد العمل بالأقوال و الجوارح .

فلا يصح إيمان بدون إسلام كما لا يصح إسلام بدون إيمان … و في البخاري من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لوفد عبد القيس : » آمركم بالإيمان بالله وحده . أتدرون ما الإيمان بالله ؟ شهادة أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله ، و إقام الصلاة ، و إيتاء الزكاة و صوم رمضان « ففسر الإيمان بعمل الإسلام .

و قد شبهها بعض العلماء بالشهادتين ، فشهادة أن لا إله إلا الله ، لا تصح إلا بشهادة أن محمدا رسول الله . و شهادة أن محمدا رسول الله ، و لا تصح إلا بشهادة أن لا إله إلا الله .

و قد أكثر القرآن من قرنه الإيمان بالأعمال الصالحات التي هي أعمال الإسلام كقوله سبحانه: ( إن الذين آمنوا و عملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون ) في كثير من الآيات .

أما قوله سبحانه: ( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا و لكن قولوا أسلمنا و لما يدخل الإيمان في قلوبكم ) .

فإن الصحابة لما لقوا المشركين و غشوهم بسيوفهم أقبلوا يقولون آمنا آمنا ، و منهم من قال صبأنا صبأنا . فقال الله : » قل لم تؤمنوا « ، أي إلى حد الآن ، » و لما يدخل الإيمان في قلوبكم « . أي أن التصديق الجازم بأن الدين حق و رسول الله حق و القرآن حق فهو لم يدخل في قلوبهم إلى حد الآن ، كما قال سهيل بن عمرو في صلح الحديبية لما قال رسول الله لعلي كتب : هذا ما صالح عليه محمد رسول الله . فقال سهيل : لا تكتب رسول الله فلوا كنا نعلم أنه رسول الله ما قاتلناه .

و هذا معنى قوله : و لكن قولوا أسلمنا أي استسلمنا و خضعنا . فقول بعضهم : إن كل مؤمن مسلم و ليس كل مسلم مؤمنا ، و هذا خطأ تناقله الناس فيما بينهم فإنه لا يوجد مسلم ليس بمؤمن في طاهر الحكم ، حتى المنافقين فإنهم يدخلون في مسمى المؤمنين في ظاهر الحكم لأنهم يعاملون في الدنيا بالظاهر من أعمالهم و الله يتولى الحكم في السرائر . ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الإيمان و الإسلام .

يبقى الكلام في المكثرين من موبقات الفسوق و العصيان ثم يموتون و هم على ذلك و لم يوجد منهم ما يوجب ردتهم ، فهؤلاء يعبر عن أحدهم بأنه مؤمن بإيمانه و فاسق بكبيرته ، أو يعبرون عن أحدهم بأنه ناقص الإيمان . و قد قال السفاريني في عقيدته .

و يفسق المؤمن بالكبيرة

 

كذا إذا أصر على الصغيرة

ثم قال :

لا يخرج المرء من الإيمان

 

بموبقات الذنب العصيان

و واجب عليه أن يتوبا

 

من كل ما جر عليه حوبا

و قال :

و من يمت و لم يتب من الخطأ

 

فأمره مفوض لذي العطا

فإن يشأ يعفو و إن شاء انتقم

 

و إن يشأ أعطى و أجزل النعم

و مما يدل على أن الإسلام متى أطلق في القرآن فإنه يراد به الإيمان قوله سبحانه:
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته و لا تموتن إلا و أنتم مسلمون ) ، أي مؤمنون ، و قوله سبحانه : ( إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا و أنتم مسلمون ) أي مؤمنون . و في دعوة يوسف عليه السلام : ( أنت وليي في الدنيا و الآخرة توفني مسلما و ألحقني بالصالحين ) يعني مؤمنا ، لكون الأنبياء يسألون أعلى المراتب عند الله . و في كتاب رسول الله لهرقل حيث ضمن قوله سبحانه : ( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا و بينكم أن لا نعبد إلا الله
ولا نشرك به شيئا و لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ) أي مؤمنون فلا نجد في كتاب الله و لا في سنة رسول الله مسلما ليس بمؤمن أبدا .
والنبي قال : فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله . فالمسلم هو المؤمن
والمؤمن هو المسلم .

واعلم أن بعض العلماء قد ينبو فهمهم عن قبول ما أقول ، لزعمهم أنه خلاف ما يقوله العلماء قبلي ، و خلاف ما يعتقده جميع الناس من العلماء و العوام ، و لا غرابة في هذا ، فإن السنن قد تخفى على بعض الصحابة ، و من بعدهم من الأئمة ، فضلا عن غيرهم ، فيحكمون بخلافها ثم يتبين لهم وجه الصواب فيها ، فيعودون إليه . لكون الإحاطة بكل العلوم غير حاصلة لأحد ، و الإنسان مهما بلغ من سعة العلم ما بلغ ، فإنه سيحفظ شيئا و تضيع عنه أشياء .

و صنف شيخ الإسلام ابن تيمية رسالة سماها » رفع الملام عن الأئمة الأعلام « أشار فيها إلى أن بعض السنن تخفى على بعض الصحابة و الأئمة فيعذرون حينما يحكمون بخلافها لكونها لم تبلغهم عن طريق صحيح ثابت ، تقوم به الحجة عندهم ، فيحكمون بخلافها حسب اجتهادهم لأنهم مجتهدون إن أصابوا فلهم أجران ، و إن أخطأوا فلهم أجر .

و أنه كلما رسخ علم الشخص في القرآن ، و الحديث ، و التفسير ، و أعطي حظا من سعة البحث في التحقيق ، و التدقيق ، و حكمة الاستنباط للمسائل الخفية من مظانها ، بحيث يخرجهــا 
من حيز الخفاء و الغموض إلى حيز التجلي و الظهور ، بالدليل الواضح ، و لم يجمد رأيه
وفهمه على عبارات المتقدمين قبله ، فإنه و الحالة هذه ، سيجد سعة لعذرنا ، و مندوحة عن عذلنا فيما طرقناه من هذه المواضيع التي هي غير معروفة ، و لا مألوفة في عرفهم ، و يحمل كلامنا على المحمل الحسن اللائق به ، فإن الفقيه الحر يجب عليه أن يربط الأصول بعضها ببعض ، فيخصص الشيء بالشيء و يقيس النظير بنظيره ، و يربط المعنى الغريب بالأصل المأخوذ من قريب ، مما يدل على المعنى المراد به .

و قد علمت جهدي في تشخيص هذه القضية ، بالأدلة القويمة القوية ، و المألوفة المعروفة حيث تقبلها العقول ، و يتلقاها العلماء بالقبول ، لاعتبار أن باب الاجتهاد في الجزئيات غير مقفول ــ و الله أعلم ــ و صلى الله على نبينا محمد و على آله و صحبه و سلم .

 

الكـــتــب