|
الإيمان
بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام و
بيان ضعف حديث أبي ذر في حصر عددهم و التفريق بين الأنبياء والرسل
الأنبياء هم بشر اصطفاهم الله لحمل نبوته و تبليغ
رسالته . فهو يوحي إليهم من أمره ما يشاء ، ثم يقومون بإبلاغ ما أوحي إليهم من ربهم
، و لا يكتمون الله حديثا ، يقول الله سبحانه: فكلهم ممن أوحي إليهم بشرع ، و أمروا بتبليغه ، يقول
الله سبحانه : ( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس و لا
تكتمونه ) . و الأنبياء ، هم رؤوس من أوتوا الكتاب ، و أخذ منهم
العهد و الميثاق في البيان و عدم الكتمان . فالأنبياء هم الرسل ، و الرسل هم الأنبياء ، تنوع
الاسم ، و المسمى واحد . قال الله سبحانه : ( رسلا مبشرين و منذرين لئلا يكون
للناس على الله حجة بعد الرسل ) ، و قال: ( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين
مبشرين ومنذرين و أنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ) .
فأمر الله النبيين بما أمر به المرسلين . و أما التعريف بقولهم : إن الرسول ، هو من أوحي إليه
بشرع ، و أمر بتبليغه ، و النبي: هو من أوحي إليه بشرع ، و لم يؤمر بتبليغه . فهذا
يعد من الخطأ المتناقل ، الذي انتشر و أول من رأيناه تكلم بهذا التفريق بين النبي و الرسول
، هو الإمام النووي . فتلقاه الناس عنه ، و هو إنما أخذه من الحديث الموضوع
المنسوب إلى أبي ذر في التفريق بين الأنبياء و ليست هذه بأول غلطة دخلت في عقائد الناس ، و تناقلوه
من جراء سوء الأحاديث الموضوعة ، التي عملت التأثير في الأمة ، في إدخال البدع ، و
تغيير السنن ، إذ تأبى حكمة الله و
حكمة بعثته لأنبيائه ، أن يكون فيهم من أوحي بشرع و لم يؤمر بتبليغه . يقول الله سبحانه : ( إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى
نوح و النبيين من بعده و أوحينا إلى إبراهيم و إسماعيل و إسحاق و يعقوب و الأسباط
و عيسى و أيوب و يونس و هارون و سليمان وآتينا داود زبورا . و رسلا قد قصصناهم
عليك من قبل و رسلا لم نقصصهم عليك و كلم الله موسى تكليما . رسلا مبشرين و منذرين
لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل و كان الله عزيزا حكيما ) فذكرهم أولا
باسم النبيين ، ثم ذكرهم في آخر الآيات باسم الرسل . و المعنى واحد ، كما أن نبينا
محمدا صلى الله عليه وسلم نبي رسول ، يخاطبه القرآن بقوله: ( يا أيها النبي إنا
أرسلناك شاهدا و مبشرا و نذيرا . و داعيا إلى الله بإذنه و سراجا منيرا ) ، و
بقوله: و قد
وصف الله الأنبياء رسالة ربهم ، فقال سبحانه : ( و ما أرسلنا في قرية من نبي إلا
أخذنا أهلها بالبأساء و الضراء لعلهم يضرعون ) . و قال : ( و كم أرسلنا من نبي في الأولين ) ، و »
و كم «
يؤتي بها للتكثير ، أي عدد كثير . و قال : ( و ما أرسلناك من قبلك من رسول و لا
نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله
آياته و الله عليم حكيم ) ، فسماهم ــ سبحانه ــ مبشرين و
قال: ( إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات و الهدى من بعد ما بيناه في الكتاب
أولئك يلعنهم الله و يلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا و أصلحوا و بينوا فأولئك
أتوب عليهم و أنا التواب الرحيم ) . والله
سبحانه قد سمى محمدا رسولا منذ نزل عليه الوحي بغار حراء في قوله: ( اقرأ باسم ربك
الذي خلق . خلق الإنسان من علق . اقرأ و ربك الأكرم . الذي علم بالقلم . علم
الإنسان ما لم يعلم ) ، فهذه السورة ليس فيها الأمر بالتبليغ و الدعوة ، لكن الله
سماه رسولا منذ أنزلها عليه ، فقال سبحانه : ( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم
يتلو عليهم آياته و يزكيهم فالبعثة
هي ابتداء النبوة و الرسالة ، و هي ابتداء نزول القرآن عليه ، فمنذ نبئ باقرأ و
إنما الأمر بالجهر بالدعوة و تبليغ الرسالة بعد نزول ( يا أيها المدثر . قم فأنذر.
و ربك فكبر . و ثيابك فطهر . و الرجز ) . وذلك
من بعد الفترة المتخللة لما بين نزول اقرأ ، و نزول المدثر . و قد قيل: إنها
أربعون يوما ، و قيل أكثر من ذلك . و قد تمثل له جبريل في أثنائها ، و يقول له: إنك
لرسول الله حقا . فالصحيح
: أنه أرسل باقرأ ، كما أرسل بالمدثر ، و بالقرآن كله . ثم
إننا متى بحثنا عن سبب انتشار هذا الاعتقاد بين الناس في التفريق بين الرسول
والنبي نجد السبب هو: تأثرهم
بالحديث المنسوب لأبي ذر ، و يترجح بمقتضى الدلائل و البراهين أنه حديث موضوع
مكذوب على الرسول و على أبي ذر ، و إن كان قد رواه الإمام أحمد في مسنده ورواه ابن حبان في صحيحه ، فقد حقق ابن
الجوزي: بأنه موضوع ، و اتهم بوضعه إبراهيم بن هشام . و كذلك ابن كثير ، فقد أشار
في التفسير إلى ضعفه قائلا : و لا شك أنه قد تكلم فيه غير واحد من أئمة الجرح و
التعديل ، مع العلم أن لفظه ينم بوضعه ، و نحن نسوق بلفظه ، ثم نعقبه بما يوضح
بطلانه ، و نصيحة لله ، و لعباده المؤمنين . فعن
أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله ! كم الأنبياء ؟ قال: مائة ألف و أربعة و عشرون
ألفا . قلت: يا رسول الله ! كم الرسل منهم ؟ قال : ثلاثمائة و ثلاثة عشر ، جم غفير
. قلت: يا رسول الله . من كان أولهم ؟ قال : آدم . قلت : يا رسول الله ! أ نبي
مرسل ؟ قال : نعم ، خلقه الله بيده ، ثم نفخ فيه من روحه ، ثم سواه قبيلا . ثم قال
: يا أبا ذر ، أربعة سريانيون : آدم ، و شيث ونوح ، و خنوخ ، و هو : إدريس ، و هو أول من خط بالقلم . و
أربعة من العرب:هود واعلم أن الإيمان بالله تعالى ، و ملائكته ، و كتبه ، و
رسله ، و البعث بعد الموت ، هو مما اتفقت على وجوبه جميع الأنبياء . يقول الله : ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق و
المغرب و لكن البر من آمن بالله فالإيمان
بجميع الأنبياء ، و تصديقهم في كل ما أخبروا به من أمور الغيب ، و طاعتهم في كل ما
أمروا به ، و نهوا عنه ، واجبة . و
لهذا أوجب الله سبحانه بكل ما أوتوا به . قال تعالى : ( قولوا آمنا بالله و ما
أنزل إلينا و
قد اتفق علماء الملة على كفر من كذب نبيا معلوم النبوة ، و كذا من سب نبيا لكون
الإيمان واجبا بجميع الأنبياء ، و أن لا نفرق بين أحد منهم . يقول الله سبحانه: (
إن الذين يكفرون بالله و رسله و يريدون أن يفرقوا بين الله و رسله و يقولون نؤمن
ببعض و نكفر و يريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا . أولئك هم الكافرون حقا و أعتدنا
للكافرين عذابا مهينا . و الذين آمنوا بالله و رسله و لم يفرقوا بين أحد منهم
أولئك سوف يؤتيهم أجورهم و كان الله غفورا رحيما ) . و
هذا التفريق الذي ذمه الله ، بما أنه محمول على الإيمان ببعضهم ، و تكذيب بعضهم ،
فإنه أيضا يشمل إثبات الرسالة لبعضهم ، و نفيها عن بعضهم . و الله سبحانه قد فضل
بعض الأنبياء على بعض ، فقال سبحانه : ( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ) . أما
عددهم : فقد جاء في حديث أبي ذر المذكور ، و قد تكلم عليه الولي العراقي بما يحقق
وضعه و بطلانه ، و عدم صحته . ورد على ابن حبان ، جماعة من العلماء الحفاظ ،
وانتقدوا عليه إدخال هذا الحديث في صحيحه . و
في كتاب »
الإيمان « لشيخ الإسلام
ابن تيمية ــ رحمه الله ــ في قول الإمام أحمد ــ رضي الله عنه ــ في الرسل ، و
عددهم ، أنه يجب الإيمان بهم في الجملة ، مع الكف عن عددهم لعدم صحة الحديث الوارد فيه . و ذكر محمد بن نصر المروزي و غيره من أئمة
السلف نحو هذا الكلام ، مما يبين أنهم وحاصل ما
تقدم : أنه يجب الإقرار بهم في الجملة ، ثم الكف عن عددهم ، لعدم ثبات ما يدل عليه
. و سنتكلم
الآن على حديث أبي ذر ، بما يبين بطلانه و عدم صحته من ظاهر لفظه . فأولا قوله قلت: يا رسول الله . كم الأنبياء ؟
قال مائة ألف و أربعة و عشرون ألفا . قلت كم الرسل منهم ؟ فقال: ثلاثمائة و ثلاثة
عشر ، جم غفير . فهذا
العدد بهذه الصفة ، و بهذا التفريق ، يبطله صريح القرآن الكريم في قوله سبحانه: و منها
قوله: ( و لقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك و منهم من لم نقصص عليك ) ،
فالاشتعال بعدد الأنبياء ، هو مما يشغل الأذهان و لا يزيد في الإيمان ، و هو صريح
لمخالفة ما أبهمه القرآن . فلو طلبنا
من المجادلين بصحة ذلك تسمية ثلاثة أشخاص من الأنبياء ، هم أنبياء ، و ليسوا برسل
، لم يحيطوا علما بمعرفتهم . ثانيا:
قوله في الحديث: »
قلت يا رسول الله . من
أول الرسل ؟ قال: آدم . قلت: أ نبي مرسل ؟ قال: نعم « . فهذا أيضا
مما يدل على عدم صحة الحديث : لأن القرآن لا يثبت لآدم نبوة و لا رسالة، و أصح ، و
أصرح ما ورد في فضله هو قوله سبحانه : ( إن الله اصطفى آدم و نوحا و من
المعلوم أن مريم ليست بنبية ، و إنما هي امرأة صالحة من صفوة نساء العالمين . ثم إن
القائلين بنبوة آدم ، ليس عندهم دليل سوى محض الظن و التخمين ، يقولون: إنه لا
يمكن أن يبقى آدم و ذريته في حياتهم بدون وحي ينظم أحوالهم و يبين لهم فرائضهم ، و
أحكامهم ويستدلون بقوله سبحانه : (
و علم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة ) . و هذا التعليم، فيلهمون
فعل ما ينفعهم ، و اجتناب ما يضرهم ، و قد يذنبون ، فيتوبون و قد لا يتوبون . كما
في حادثة ابني آدم ، حين قتل أحدهما أخاه و لم يهتد إلى كيفية دفنه ، حتى دله غراب
يبحث في الأرض ، ليريه كيف يواري سوأة أخيه ، و كان هذا أول قتيل دفن في الأرض ، و
لهذا ورد: »
ما قتل قتيل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول
كفل من دمها ، لأنه أول من سن القتل
«
. و كما
يوجد في زماننا هذا أمم من الناس لم تبلغهم الدعوة ، و لا الشريعة ، فيعيشون
متعاشرين متعاملين ، و يوصفون بأنهم ممن لم تبلغهم الدعوة ، كحالة زمان الفترة . و
الله سبحانه ، بحكمته و عدله ، لا يعذب أمة حتى يبعث إليها رسولا فيعصون أمره .
قال الله تعالى: و أما قول
بعضهم : إن نبي الله إدريس ، كان قبل نوح ، كما أشار إليه العلامة ابن كثير في
التفسير ، فهذا قول لا حظ له من الدليل ، و يخالف نصوص القرآن و السنة . و قد قال
بعض العلماء : إن إدريس من أنبياء بني إسرائيل ، و هذا أقرب إلى المعقول و قد رأيت
شيخ الإسلام ابن تيمية ذكر في كتاب الإسلام و الإيمان نبوة آدم عليه السلام الأمر
الثالث : مما يحقق عدم حديث أبي ذر . قوله : و أول نبي من بني إسرائيل هو: موسى ،
و آخرهم عيسى . فهذا واضح البطلان ، بالدليل و البرهان ، و بالسنة و القرآن ، فإن
أول نبي إسرائيل هو : يوسف الصديق ــ عليه الصلاة و السلام ، فهو الذي أسس دولة
بني إسرائيل بمصر ، و استدعى أباه و اخوته من القدس إلى مصر . و إسرائيل اسم يعقوب
نبي الله، و بين يوسف الصديق ، و بين موسى سنون طويلة ، لا يعلم عددها إلا الله . و حكى
الله تعالى عن يوسف ، بعدما جمع الله شمله بأبيه و اخوته ، فقال : ( رب و أما كون
آخر أنبياء بني إسرائيل عيسى ، فهذا صحيح بلا نزاع ، فليس بعد عيسى أحد من
الأنبياء سوى محمد نبينا عليه الصلاة و السلام . و الحاصل:
أن حديث أبي ذر في عدد الأنبياء و الرسل ، و تفريقه بين الأنبياء و الرسل و قد قال
السيوطي في ألفية الحديث :
فمتى
تحققنا من وضع هذا الحديث ، تبين لنا بطلان ما تضمنه من عدد الأنبياء و من نوع
التفريق ، إثبات الرسالة لبعضهم ، و نفيها عن بعضهم بدون دليل ، فتسمية الأنبياء
بالرسل ، لا تدل على المغايرة ، إذ التسمية متنوعة ، و المسمى واحد . و له
نظائر كثيرة ، منها : القرآن ، فإن اسمه القرآن ، و الفرقان ، و الذكر . و مثل
جبريل . فإن اسمه في القرآن : جبريل ، و يسمى الروح الأمين ، و يسمى روح القدس، و في
رواية لمسلم ، عن جابر ، قال : »
أنا
موضع اللبنة جئت فختمت الأنبياء « . و روى
البرقاني في صحيحه ، عن ثوبان ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: »
إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين ، و إذا وقع
عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة ، و لا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي
بالمشركين ، و حتى تعبد فئة من أمتي الأوثان ، و أنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون
، كلهم يزعم أنه نبي ، و أنا خاتم النبيين ، لا نبي بعدي ، و لا تزال طائفة من
أمتي على الحق منصورة ، لا يضرهم من خالفهم ، حتى يأتي أمر الله تبارك ثم إن
السنة تفسر القرآن و تبينه و تدل عليه ، و تعبر عنه ، و هي تذكر الأنبياء دائما
بدلا من الرسل . ففي صحيح مسلم . عن ابن عمر ، قال : كنا مع النبي صلى الله عليه
وسلم في سفر فنزلا منزلا ، فمنا من
يصلح جشره ، و منا من ينتضل ، إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة
جامعة . فاجتمعنا ، فقال : »
إنه ما من نبي إلا كان
حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم ، و ينذرهم عن شر ما يعلمه لهم ، و إن
هذه الأمة جعل عافيتها في أولها ، فأخبر
النبي صلى الله عليه وسلم : أنه ما من نبي من الأنبياء ، إلا كان حقا واجبا عليه
أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم ، و ينذرهم عن شر ما يعلمه لهم ، فأين هذا النبي
الذي لا تجب عليه الدعوة ، و لا تبليغ الرسالة . لأن
بمقتضى أمانة نبوتهم ــ لأنه إنما سمي نبيا من أجل أن الله ينبئه من وحيه بما يشاء
ــ كما قال سبحانه : ( قد نبأنا الله من أخباركم ) ثم هو ينبئ عن الله وحيه ، و
أمره و نهيه أما نبي
يوحي إليه بشرع ، و لم يؤمر بتبليغه ، فهذا إنما يوجد في الأذهان دون الأعيان ثم جاءت
شريعة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم مهيمنة و حاكمة على جميع الشرائع ، لأن
كل نبي يبعث إلى قومه خاصة ، و قد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس
كافة ، قال تعالى : ( قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ) و قال : ( و
ما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا و نذيرا ) و لما رأي رسول الله صلى الله عليه
وسلم مع عمر قطعة من التوراة قال : »
يا
عمر قد جئتكم بها بيضاء نقية ، ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ، و لو
كان أخي موسى حيا ما وسعه إلا إتباعي
«
. فبما أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم هو خاتم المرسلين فكذلك شريعته هي خاتمة الشرائع . فلا يجوز
لأحد أن يتعبد بشريعة غير شريعته ، إذ هي المهيمنة على سائر الشرائع ، و مثله ما
ورد في القرآن بكثرة من تسمية الإسلام أحيانا و الإيمان أحيانا ، و تسمية المسلمين
أحيانا و تسمية المؤمنين أحيانا . و الصحيح
أن الإسلام متى أطلق في القرآن فإنه يراد به الإيمان . و الإيمان يراد به الإسلام
. لكنه عند
التفصيل يراد بالإيمان مجرد التصديق الجازم بالقلب ، و الإسلام مجرد العمل
بالأقوال و الجوارح . فلا يصح
إيمان بدون إسلام كما لا يصح إسلام بدون إيمان … و في البخاري من حديث ابن عباس أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال لوفد عبد القيس : »
آمركم بالإيمان بالله وحده . أتدرون ما الإيمان بالله ؟ شهادة أن لا إله
إلا الله و أن محمدا رسول الله ، و إقام الصلاة ، و إيتاء الزكاة و صوم رمضان «
ففسر الإيمان بعمل الإسلام . و قد
شبهها بعض العلماء بالشهادتين ، فشهادة أن لا إله إلا الله ، لا تصح إلا بشهادة أن
محمدا رسول الله . و شهادة أن محمدا رسول الله ، و لا تصح إلا بشهادة أن لا إله
إلا الله . و قد أكثر
القرآن من قرنه الإيمان بالأعمال الصالحات التي هي أعمال الإسلام كقوله سبحانه: (
إن الذين آمنوا و عملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون ) في كثير من الآيات . أما قوله
سبحانه: ( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا و لكن قولوا أسلمنا و لما يدخل الإيمان
في قلوبكم ) . فإن
الصحابة لما لقوا المشركين و غشوهم بسيوفهم أقبلوا يقولون آمنا آمنا ، و منهم من
قال صبأنا صبأنا . فقال الله : »
قل لم
تؤمنوا «
، أي إلى حد الآن ، »
و لما يدخل الإيمان في
قلوبكم «
. أي أن التصديق الجازم بأن الدين حق و رسول الله حق و القرآن حق فهو لم يدخل في
قلوبهم إلى حد الآن ، كما قال سهيل بن عمرو في صلح الحديبية لما قال رسول الله
لعلي كتب : هذا ما صالح عليه محمد رسول الله . فقال سهيل : لا تكتب رسول الله فلوا
كنا نعلم أنه رسول الله ما قاتلناه . و هذا
معنى قوله : و لكن قولوا أسلمنا أي استسلمنا و خضعنا . فقول بعضهم : إن كل مؤمن
مسلم و ليس كل مسلم مؤمنا ، و هذا خطأ تناقله الناس فيما بينهم فإنه لا يوجد مسلم
ليس بمؤمن في طاهر الحكم ، حتى المنافقين فإنهم يدخلون في مسمى المؤمنين في ظاهر
الحكم لأنهم يعاملون في الدنيا بالظاهر من أعمالهم و الله يتولى الحكم في السرائر
. ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الإيمان و الإسلام . يبقى
الكلام في المكثرين من موبقات الفسوق و العصيان ثم يموتون و هم على ذلك و لم يوجد
منهم ما يوجب ردتهم ، فهؤلاء يعبر عن أحدهم بأنه مؤمن بإيمانه و فاسق بكبيرته ، أو
يعبرون عن أحدهم بأنه ناقص الإيمان . و قد قال السفاريني في عقيدته .
ثم قال :
و قال :
و مما يدل
على أن الإسلام متى أطلق في القرآن فإنه يراد به الإيمان قوله سبحانه: واعلم أن
بعض العلماء قد ينبو فهمهم عن قبول ما أقول ، لزعمهم أنه خلاف ما يقوله العلماء
قبلي ، و خلاف ما يعتقده جميع الناس من العلماء و العوام ، و لا غرابة في هذا ،
فإن السنن قد تخفى على بعض الصحابة ، و من بعدهم من الأئمة ، فضلا عن غيرهم ،
فيحكمون بخلافها ثم يتبين لهم وجه الصواب فيها ، فيعودون إليه . لكون الإحاطة بكل
العلوم غير حاصلة لأحد ، و الإنسان مهما بلغ من سعة العلم ما بلغ ، فإنه سيحفظ
شيئا و تضيع عنه أشياء . و صنف شيخ
الإسلام ابن تيمية رسالة سماها »
رفع
الملام عن الأئمة الأعلام « أشار فيها إلى أن بعض السنن تخفى على بعض الصحابة و
الأئمة فيعذرون حينما يحكمون بخلافها لكونها لم تبلغهم عن طريق صحيح ثابت ، تقوم
به الحجة عندهم ، فيحكمون بخلافها حسب اجتهادهم لأنهم مجتهدون إن أصابوا فلهم
أجران ، و إن أخطأوا فلهم أجر . و أنه
كلما رسخ علم الشخص في القرآن ، و الحديث ، و التفسير ، و أعطي حظا من سعة البحث
في التحقيق ، و التدقيق ، و حكمة الاستنباط للمسائل الخفية من مظانها ، بحيث يخرجهــا و قد علمت
جهدي في تشخيص هذه القضية ، بالأدلة القويمة القوية ، و المألوفة المعروفة حيث
تقبلها العقول ، و يتلقاها العلماء بالقبول ، لاعتبار أن باب الاجتهاد في الجزئيات
غير مقفول ــ و الله أعلم ــ و صلى الله على نبينا محمد و على آله و صحبه و سلم . |