![]() |
|
|
بسم الله الرحمن الرحيم فائدة منقولة من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية (رحمه الله
) قال من اعتقد أن الإسلام لا ينتفع إلا بعمله
فقد خرق الإجماع ، وذلك باطل من وجوه ، أحدها: أن
الإنسان ينتفع بدعاء غيره وهو انتفاع بعمل الغير ، ثانيها: أن النبي ـ صلى
الله عليه وسلم ـ يشفع لأهل الموقف في الحساب ثم لأهل الجنة في دخولها ، وهو
انتفاع بعمل الغير ، ثالثها: لأهل الكبائر في الخروج من النار ، وهذا انتفاع
بسعي الغير ، رابعها: أن الملائكة يدعون و يستغفرون لمن في الأرض ، وذلك
انتفاع بعمل الغير ، خامسها: أن الله يخرج من النار من لم يعمل خيرا قط، وذلك
بمحض رحمته ، وهذا انتفاع بغير عملهم ، سادسها: أن أولاد المسلمين يدخلون
الجنة بعمل آبائهم ، وذلك انتفاع بعمل الغير ، سابعها: قوله في قصة الغلامين
اليتيمين: وكان أبوهما صالحا ، فانتفعا بصلاح أبيهما وليس من سعيهما ،
ثامنها: أن الميت ينتفع بالصدقة عنه وبالعتق بنص السنة والإجماع ، وهو من عمل
الغير ، تاسعها: أن الحج المفروض يسقط عن الميت بحج وليه عنه بنص السنة ، وهو
من عمل الغير ، عاشرها: أن الحج المنذور أو الصوم المنذور يسقط بعمل غيره بنص
السنة ، وهو انتفاع بعمل الغير ، الحادي عشر: المدين الذي امتنع النبي ـ صلى
الله عليه وسلم ـ من الصلاة عليه حتى قضى دينه أبو قتادة وانتفع بصلاة النبي،
الثاني عشر: أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لمن صلى وحده: » ألا رجل
يتصدق على هذا فيصلي معه « ، فقد حصل
له فضل الجماعة بفعل الغير ، الثالث عشر: أن الإنسان تبرأ ذمته من ديون الخلق
إذا قضاها قاض عنه ، وذلك انتفاع بعمل الغير« الرابع
عشر: أن من عليه تبعات ومظالم إذا حلل منها سقطت عنه ، وهذا انتفاع بعمل
الغير ، الخامس عشر: أن الجار الصالح ينفع في الحياة والممات ، كما جاء في
الأثر ، السادس عشر: أن جليس أهل الذكر يرحم بهم وإن لم يكن منهم ، السابع
عشر: الصلاة على الميت والدعاء له ، وفي ذلك انتفاع الميت بصلاة الحي عليه ،
و هو انتفاع بعمل الغير ، الثامن عشر: أن الله قال لنبيه ـ » وما كان
الله ليعذبهم وأنت فيهم « ، وقال:
» ولولا دفع
الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض « ، فقد رفع
الله العذاب عن الناس بوجود النبي بينهم بدفع بعضهم عن بعض، التاسع عشر: أن
صدقة الفطر تجب على الصغير ممن يمونه الشخص ، والعشرون: أن الزكاة تجب في مال
الصبي والمجنون ومن تأمل العلم وجد انتفاع الانسان بما لا يعمله وما لا يحصى.
انتهى. (من تفسير أبي السعود ومن تفسير الصديق والقاسمي على قوله: وأن
للإنسان إلا ما سعى). » شرح
الكلمات « إن شيخ الإسلام بكلامه هذا ، قصد به الرد على أناس من
المتفلسفة والصوفية ، حيث زعموا: أن الإنسان لا ينتفع إلا بعمله ، وأنه لا
ينتفع بالدعاء ولا غيره ، وبنوا من ذلك عقيدة تقتضي صرف الناس عن عبودية
الدعاء ، قائلين: إن الدعاء لا يجدي شيئا فلا ينتفع به الداعي ولا المدعو له
، لأن الذي تدعو به إن كان قدر لك بطريق القضاء والقدر ، فإنه سيحصل ، دعوت
أم لم تدع ، وإن لم يقدر بمشيئة الله وقدره فإنه لن يحصل ، دعوت أو لم تدع،
فرد عليهم علماء أهل السنة في ذلك ، منهم شيخ الإسلام وابن القيم وشارح
الطحاوية وغيرهم . لكن لنعلم أن هذا الانتفاع الذي أشار إليه شيخ الإسلام
وهو غير إهداء ثواب الأعمال كما يعرف من كلامه ، لأن إهداء ثواب الأعمال شيء
وانتفاع الأموات بعمل الأحياء شيء آخر، ألا تلازم بينهما ، من ذلك قوله في
المادة الأولى: أن الإنسان ينتفع بدعاء غيره.. إلخ. وهذا حق ولم يأمر الله
بالإكثار من الدعاء إلا لتحقق منفعته للحي والميت، غير أن الدعاء عبادة بين
العبد وبين ربه ، التي خلق الله الخلق لأجلها ، بل هو مخ العبادة ، وقال ربكم
أدعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين، فسماه
الله العبادة ، وأخبر عن حالة الذين يستكبرن عن هذه العبادة وأنهم سيدخلون
جهنم داخرين صغيرن حقيرين ذليلين، وفي الآية الأخرى: » قل ما يعبأ
بكم ربي لو لا دعاؤكم « ، سواء
حملناه على دعاء العبادة أو دعاء المسألة فهو على كلا الحالين عبادة بين
العبد وبين ربه، ولم يكن الداعي ليهدي ثواب دعائه إلى أحد إنما يدخر ثواب
دعائه عند ربه ، سواء أستجيب له أو لم يستجب له ، وإذا أستجيب له لم تكن
استجابته من باب إهداء ثوابه ، ولكنه تفضل من الله للمدعو له وللداعي أجره ،
فإنتفاع الميت بالدعاء هو بمثابة انتفاع الحي به عند استجابته ، فليس فيه شيء
من إهداء ثوابه ، أما إهداء ثواب العمل فهو أن يصلى مثلا أو يصوم أو يحج أو
يقرأ القرآن أو يدعو ربه ثم يهدي ثواب عمله إلى ميته ، وهذا لم يكن معروفا عن
الصحابة أو السلف الصالح ، ولم يعنه شيخ الإسلام بكلامه هذا، إنما أدخل
الفقهاء الدعاء فيما يهدي إلى الميت ، توسعا وإلا فإنه عبادة مستقلة بين
العبد وربه، ولهذا ذكر ابن المفلح في المحرر عن شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه
الله ـ أنه قال: لم يكن من عادة السلف إهداء ثواب الأعمال إلى موتى المسلمين
، بل عادتهم أنهم كانوا يعبدون الله بأنواع العبادات فرضها ونفلها ، وكانوا
يدعون للمؤمنين والمؤمنات كما أمر الله بذلك ، ويدعون لأحيائهم وأمواتهم ،
فلا ينبغي للناس أن يعدلوا عن طريقة السلف ، فإنها أفضل وأكمل ، انتهى. المادة الثانية قوله: أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع
لأهل الموقف في الحساب ثم لأهل الجنة في دخولها وهذا ليس من إهداء ثواب
الأعمال في شيء ، لكنه رحمة ومحبة من النبي صلى الله عليه وسلم لأمته ، حيث
يشفع لهم عند الله ، ليريحهم في موقف الحساب ويعجل أهل الجنة إلى الفوز بدخول
الجنة . وتؤكده المادة الثالثة ، وهي شفاعته لأهل الكبائر في
الخروج من النار ، وهذا انتفاع حصل لهم بشفاعة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ
وليس بإهداء ثواب عمله . والمادة الرابعة: كون الملائكة يدعون ويستغفرون لمن في
الأرض لأن الله خلقهم للعبادة ومنها الدعاء والاستغفار لأنفسهم ولمن في الأرض
، فهم يدعون ربهم ولا يهدون ثواب دعائهم كما ذكرنا في دعاء المؤمنين . المادة الخامسة: قوله إن الله يخرج من النار من لا يعمل
خيرا قط، وذلك بمحض رحمة الله، وهذا انتفاع حصل لهم بفضل الله ورحمته وليس من
إهداء ثواب الأعمال في شيء البتة. المادة السادسة: أن أولاد المسلمين يدخلون الجنة بعمل
آبائهم ، والآباء لم يهدوا ثواب أعمالهم لأبنائهم على أنهم لم يعملوا شرا قط،
وحتى أولاد المشركين، قد ثبت في صحيح البخاري عن سمرة أنهم مع أولاد المسلمين
وقيل: الله أعلم بما كانوا عاملين. المادة السابعة: قوله في قصة الغلامين وكان أبوهما
صالحا، فحفظ الله كنزهما لصلاحهما أبيهما ، لأن الله شكور يحفظ الرجل الصالح
في إيمانه و أعماله ، وفي أهله وعياله، كما في الحديث: » احفظ الله
يحفظك « ، وقد روى:
» من أحب أن
يحفظ في عقبه وعقب عقبه فليتق الله« ، وكان
سعيد بن المسيب يقول لإبنه: » إني أزيد
في صلاتي رجاء أن يحفظ فيك« ، ثم يتلو:
» وكان
أبوهما صالحا « . وأنشد بعضهم:
و الحاصل أن هذا الأب الصالح لم يهد ثواب عمله و صلاحه
، لابنه و إنما انتفع الابن صلاح أبيه و دعاءه . الثامن : قوله أن الميت ينتفع بالصدقة عنه و بالعتق بنص
السنة و الإجماع ، و هذا يؤيد ما ذكرنا ، من كون شيخ الإسلام حكى الإجماع على
وصول ثواب الصدقة إلى الميت ، كما حكاه النووي و القرطبي و ابن كثير و ابن
العربي ، لأن الكتاب و السنة يحثان على الصدقة و على التوسع فيها و قد جعلت
كفارة للإيمان و الظهار و الوطء في رمضان ، و لترك واجبات الحج أو فعل شيء من
محظوراته ، كل هذه شرعت للتوسع في الصدقة ، لكونها من النفع المتعدي و تصادف
من الفقراء موضع حاجة و شدة فاقة ، و كذا عتق الرقبة من الرق .
التاسع : قوله أن الحج المفروض يسقط عن الميت بحج وليه عنه بنص السنة
و هو من عمل الغير ، و هذا صحيح ، لأن الحج المفروض بالشرع أو بالنذر ملتحق
بالديون الثابتة في الذمة و متى قام أحد و لو أجنبيا بأداء هذا الواجب سقط
عنه بصريح الحكم في الدنيا ، لكن صرح ابن القيم في تهذيب السنن و في الأعلام
: أنه لا يحج عنه إلا إذا كان معذورا بالتأخير ، كما يطعم الولي عمن أفطر
رمضان للعذر و بدون العذر لا يجوز الإطعام و لا الصيام ، فأما المفرط من غير
عذر أصلا فلا ينفعه أداء غيره عنه لفرائض الله التي فرط فيها و كان هو
المأمور بها ابتلاء و امتحانا دون الولي فلا ينفع توبة أحد عن أحد و لا غيرها
من فرائض الله التي فرط حتى مات ، انتهى .
والظاهر من مذهب مالك و أبي حنيفة أن الحج الواجب يسقط بموت الشخص إلا
أن يوصى به .
العاشرة و الحادية عشرة : قوله أن الحج المنذور و الصوم المنذور يسقط
بعمل غيره ،
الثانية عشرة : قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن صلى وحده : ألا رجل
يتصدق على هذا فيصلي معه فحصل له فضل الجماعة بفعل الغير ، و هذا أيضا من
الدليل على أنه لم يرد بالانتفاع مجرد إهداء ثواب الأعمال و إنما أراد مجرد
الانتفاع بعمل الغير من الحي و الميت .
الثالثة عشرة : قوله أن الإنسان تبرأ ذمته من ديون الخلق إذا قضاها
قاض عنه ، و هذه البراءة تقدم الكلام عليها ، و كونه يبرأ منها بطريق الحكم
في الدنيا لكنه متى ماطله بحقه و منعه من استيفاءه طيلة الزمن و هو قادر على
الأداء ، فإن هذا المطال ظلم منه و يقع الحساب عند الله بينه و بين خصمه الذي
منعه من أداء حقه و الانتفاع به في الدنيا ، أشبه من تعهد قتل مسلم
بغير حق فاصطلح مع أولياءه بدفع الدية إليهم ، فإن حق القاتل باق يطالب به
خصمه عند الله
الخامسة عشرة : قوله إن الجار الصالح ينفع في المحيا و الممات ، و هذا
صحيح ، وقد قيل: الجار قبل الدار و الرفيق قبل الطريق ، و قد علم النبي صلى
الله عليه وسلم قبر عثمان بن مظعون بحجر كبير و قال : ادفن إليه من مات من
أصحابي ، و لهذا استحب أهل السنة عزل قبور أهل الذمة عن قبور المسلمين .
السادسة عشرة: قوله أن جليس أهل الذكر يرحم بهم وإن لم يكن منهم ،
وهذا الانتفاع صحيح وليس بإهداء ثواب الأعمال في شيء ، وإنما حصل بفضل الله
ورحمته بتنزل الملائكة والسكينة على أهل الذكر ، وأن الله يذكرهم فيمن عنده
فهم القوم لا يشقى بهم جليس وربما رحم معهم من ليس منهم ، فهو انتفاع للأحياء
من بعضهم لبعض وليس بإهداء ثواب الأعمال في شيء.
السابعة عشرة: قوله الصلاة على الميت وانتفاعه بصلاة الحي عليه
والدعاء له في الصلاة هو انتفاع بعمل الغي ، فهذا العمل وهذا الانتفاع لا شك
في مشروعيته وليس من باب إهداء ثواب الأعمال في شيء ، لأن الصلاة على الميت
هي من جنس مشروعية سائر الصلوات المشروعة فيصلى المسلم على الميت يحتسب ثواب
صلاته لنفسه ويدعو لميته ولسائر الأحياء والأموات بالمغفرة والرحمة ، فدعاء
المسلم للميت مثل دعاءه للحي على السواء ، لأن الدعاء عبادة لله ـ عزوجل ـ
بين العبد وبين ربه ، وإذا استجيب دعاءه لم تكن استجابته من باب إهداء ثوابه
، ولكنه تفضل من الله للمدعو له وللداعي أجره وثوابه. الثامنة عشرة: قوله أن الله سبحانه قال لنبيه:
» ولولا دفع
الله بعضهم ببعض لفسدت الأرض« وهو انتفاع
بعمل الغير ، وهذا مما يدل على أنه لم يرد بهذا الانتفاع مجرد إهداء ثواب
الأعمال ، لكونه ليس من ذلك ، وإنما هو انتفاع مجرد عن إهداء ثواب الأعمال
وأن الله قد دفع العذاب عن الناس بوجود رسول الله بينهم ، كما أنه يدفع
العذاب من بعضهم عن بعض ، كما روى أن الله ليدفع بالرجل الصالح عنه وعن أهل
بيته ودويرات حوله ، ثم أن دفع الناس عن بعض هو من الأمر الواقع المحسوس في
الدنيا ، يقول الله : » ولو لا دفع
الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع صلوات ومشاهد يذكر فيها اسم الله
كثيرا « . التاسعة عشرة: قوله إن صدقة الفطر على الصغير ممن يمونه
الشخص يريد بهذا أن صدقة الفطر تزكي الشخص وتنميه وتنزل البركة فيه وهي ليس
من عمله بنفسه، بل من عمل الغير ، وقد انتفع بعمل الغير ويؤيده قوله في تمام
العشرين: أن الزكاة تجب في مال الصبي والمجنون ، للمعنى الذي ذكرنا في زكاة
الفطر. قال: ومن تأمل العلم وجد انتفاع الإنسان بما ونقل ابن اللحام في الاختيارات منه مثل هذا الكلام ،
فقال: » أنه لم يكن
من عادة السلف إذا صاموا تطوعا أو صلوا تطوعا أو حجوا تطوعا أو قرأوا القرآن
أنهم يهدون ثواب ذلك إلى أموات المسلمين ، فلا ينبغي العدول عن طريق السلف ،
فإنه أفضل وأكمل
« . ولعل هذا
هو المحقق من رأيه ، لأنه لا يمكن أن يدعو الناس إلى العمل به ثم يخالفهم إلى
القول بخلافه ، |