![]() |
|
|
إعادة الحديث الجاري مع الشيخ إسماعيل الأنصاري
فيما يتعلق بالأضاحي عن الأموات
الحمد لله و أستعين بالله و لا حول و لا
قوة إلا بالله . أما بعد ــ فقد نشرت جريدة الدعوة بالرياض ، في عددها
المؤرخ 4 ذي الحجة قال الشيخ إسماعيل الأنصاري ــ عفا الله عنه ــ : » و هذا أوان
الشروع في المقصود ( 31 / 32 ) ، حيث يقول المؤلف أن الأضحية عن الميت لم يقع
لها ذكر في كتب الفقهاء المتقدمين من الحنابلة ، لا في المغني على سعته و لا
في الكافي و لا المقنع و لا المحرر و لا في الشرح الكبير و الخرقي و لا في
المذهب الأحمد و جوابه : أن الإمام أبا داود و الذي بحث هذه في كتابه
السنن ، كان قبل الذين ذكرهم المؤلف، و هو كما أنه من أئمة الحديث يعتبر من
كبار أصحاب الإمام أحمد بن حنبل ، و مسائله التي رواها عنه أشهر من نار على
علم ونص سنن أبي داود : باب الأضحية عن الميت ، حدثنا عثمان بن أبي شيبة
حدثنا شريك عن أبي الحسناء ، عن الحكم عن حنش قال : » رأيت عليا
يضحي بكبشين فقلت له : ما هذا ؟ فقال إن رسول الله أوصاني أن أضحي عنه ، فلا
أزال أضحي عنه أبدا « رواه أبو
داود ، وقد قال في سننه : ذكرت الصحيح و ما يشبهه و يقاربه ، و ما كان فيه
وهن شديد بينته و ما لم أذكر فيه شيئا فهو صالح و بعضها أصح من بعض ، يقل ذلك
عنه غير واحد منهم ابن الصلاح في مقدمته ا . هـ « . فالجواب : أن الشيخ إسماعيل ــ عفا الله عنه ــ يتجهم و
يتجاهل ما كان ظاهرا جليا ، يوهم الناس أنه قد وجد ما ينقض قولي به ، حيث
أورد ما ذكره أبو داود في سننه ، حيث قال : باب الأضحية عن الميت ، ثم ساق
حديث حنش الصنعاني عن علي أن رسول الله أمره أن يضحي عنه ، كأنه لم يقع له
ذكر في كتابي ، و تجاهل بأنني قد سبقته إلى سياق هذا الحديث بجملته و ترجمته
حيث ذكرت في الرسالة (ص 31) ، بأن أسبق من رأيناه طرق موضوع الأضحية عن الميت
هو أبو داود في سننه ، ثم ذكرت حديث حنش عن على بتمامه و لم أستحل كتمانه ،
ثم ذكرت أيضا رواية الترمذي له ، حيث قال : إن الحديث غريب لا نعرفه إلا من
هذا الوجه أي إلا من رواية حنش ثم أعقبه بما يدل على ضعفه . فقال ، قال عبد
الله بن المبارك : أرى أن يتصدق عن الميت بثمن الأضحية و لا يضحي عنه ، فإن
ضحى له فلا يأكل منها شيئا ، و الحاصل أن الشيخ إسماعيل لم يأت بحرف واحد
ينقض به ما قلت ، و إنما غايته أنه متعنت يورد ما لا حجة له فيه ليروج به على
الأذهان و على ضعفة الأفهام ، و مناظر المتعنت تعبان ، و مناظر المنصف مستريح
. و أما قوله : » إن الإمام
أبا داود يعتبر من كبار أصحاب الإمام أحمد ، و أن مسائله التي رواها عن
الأمام أحمد أشهر من نار على علم « . فالجواب : أن أبا داود ، و إن كان من أصحاب الإمام أحمد
، فانه معدود من المحدثين ، لأنه أحد الستة الذين يكثر روايتهم للحديث و هم :
البخاري و مسلم و أبو داود و النسائي و الترمذي و ابن ماجة ، و مسائله التي
سأل عنها الإمام أحمد لا تخرجه عن عداد المحدثين ، إذ كل محدث يكون معه من
الفقه بحسبه ، لكون الفقه مستنبطا من الكتاب و السنة ، كما في البخاري عن
معاوية أن النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ قال : » من يرد الله
به خيرا يفقهه في الدين « يقال : فقه (
بكسر القاف ) إذا فهم ، و فقه ( بضم القاف ) بوزن ظرف ، إذا كان الفقه خلقا و
سجية له و انطبعت فيه أوصافه و هو المراد بقولي : أنها لم تكن معروفة عند
فقهاء الحنابلة المتقدمين ، و لم يأت هذا الناقد بما يناقض ما قلت ، و لو وجد
شيئا لذكره ، فنحن على ما قلنا حتى يقوم دليل . على أن أبا داود في مسائله
التي رواها عن الإمام أحمد هو السائل لا المسئول ، و مثل السؤال عن هذه المسائل من كل
ما يتعلق بالأحكام و أمور الحلال و الحرام يجوز أن يقع من المحدث و من
الفقيه و
من العامي ، يقول الله : » فاسألوا أهل
الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات و الزبر « ، و أما قوله
: أن أبا داود قال في سننه : ذكرت الصحيح و ما يشبهه و يقاربه و ما كان فيه و
هن شديد بينته و ما لم اذكر فيه شيئا فهو صالح . فالجواب : أن العلماء من المحققين قد طرقوا موضوع ما سكت
عنه أبو داود ، و قرروا بأنه لا يلزم أن يكون كل ما سكت عنه يكون صالحا
للاستناد و الاعتماد ، بل قد يكون صحيحا و التضعيف ، قال الحافظ بن حجر صاحب
فتح الباري أن قول أبي داود : » و ما فيه وهن
شديد بينته « ، يفهم منه
أن ما يكون فيه و هن غير شديد لم يبينه و من هنا يظهر لك طريق كل من يحتج بكل
ما سكت عنه أبو داود ، فإنه يخرج أحاديث جماعة من الضعفاء و يسكت عليها ،
كابن لهيعة ، و صالح مولى التؤمة و موسى بن وردان ، فلا ينبغي للناقدأن
يتابعه في الاحتجاج بأحاديثهم بمجرد سكوته ، بل طرقه أن ينظر . هل لذلك
الحديث متابع يعتضد به أو هو غريب فيتوقف فيه ، سيما إذا كان مخالفا لرواية
من هو أوثق منه ، فإنه ينحط إلى فبيل المنكر ، وقد يخرج أحاديث من هو أضعف من
هؤلاء بكثير ، كالحارث بن وجيه و صدقة الذقيقي و محمد بن عبد الرحمن
البيلماني ، و كذا ما فيه من الأسانيد المنقطعة ، و أحاديث المدلسين الغعقاء
، و الأسانيد التي فيها من أبهمت أسماؤهم فلا يتجه الحكم على أحاديث هؤلاء
بالحسن من أجل سكوت أبي داود عنها ، لأن سكوته تارة يكون اكتقاء بما تقدم له
من الكلام في ذلك الراوي ، و تارة يكون ذهولا منه ، و تارة يكون لظهور شدة
ضعف ذلك الراوي و اتفاق الأئمة على طرح روايته ، كأبي الحديد و يحي بن العلاء
، و تارة يكون لاختلاف الرواة عنه و هو الأكثر ، ثم قال : و الصواب عدم
الاعتماد على مجرد سكوته لما وصفنا من أنه يحتج بالأحاديث الضعيفة و يقدمها
على القياس ، هذا إن حملنا قوله وما لم أذكر فيه شيئا فهو صالح ، على أن
مراده صالح للحجية هو الظاهر ، و إن حملناه على ما هو أعم من ذلك و هو الصلاح
للحجية و الاستشهاد و المتابعة ، فلا يلزم أن يحتج بالضعيف . ا . هـ ( من
المنهل العذب المورود على سنن أبي داود 1ص7 ) . ثم قال الشيخ إسماعيل : » إنه يتبين أن
حديث علي في نظر أولئك الأجلة الحفاظ: أبي داود و الترمذي و الحاكم و الذهبي
، ليس كما هو في نظر الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود ، فعسى أن لا ينالهم شيء
من مهاجمته لأهل العلم في هذه الرسالة « . فالجواب : أن هذا الناقد في سبيل نصر رأيه و إعلاء كلمته
يوهم الناس أن أبا داود و الترمذي و الذهبي ، قد حكموا بصحة هذا الحديث و
العمل به ، استدلالا بأن أبا داود ترجم له في سننه و ساق الحديث بجملته ، و
مثله الترمذي في جامعه ، و هذا الاحتجاج غير صحيح و ليس من اصطلاح المحدثين ،
فإن أبا داود يترجم دائما للأحاديث التي ليست بصحيحة عنده و ليست على مذهبه ،
و إنما يترجم لها حسبما بلغه منها و بعده يتعقبها أهل النقد بالتمحيص و
التصحيح ، فيقولون : رواه أبو داود بسند صحيح و رواه أبو داود بسند حسن و
رواه أبو داود بسند ضعيف ، فلا يدل كل حديث ساقه في سننه و ترجم له أنه قد
ارتضاه صحة و عملا و مذهبا ، من ذلك قوله : باب الوضوء من النبيذ ، ثم قال :
حدثنا هناد و سليمان بن داود المعتكي قالا : حدثنا شريك عن أبي فزارة عن أبي
زيد عن عبد الله بن مسعود ، أن النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ قال له ليلة
الجن : » ما في أدواتك
؟ قلت نبيذ ، قال : تمرة طيبة و ماء طهور . زاد الترمذي فدعا به فتوضأ منه
« فهذا حديث
ضعيف جدا عند أهل الحديث ، لأن راويه أبا زيد مجهول ، و ابن مسعود ينكر أن
يكون مع رسول الله ليلة الجن أحد ، و أبو داود لا يرى العمل به و ترجم له و
ساقه بسنده في سننه ، و قد تقدم كلام الحافظ بن حجر ، حيث قال : إن أبا داود
يخرج أحاديث جماعة من الضعفاء و يسكت عنها ، فلا ينبغي للناقد أن يتابعه على
الاحتجاج بها ، بل طريقه أن ينظر هل لذلك الحديث متابع يعتضد به ؟ أو هو غريب
فيتوقف فيه ؟ و في هذا البنان الرد على من جعل سكوت أبي داود حكما قطعيا على
صحة ما سكت عنه ، و من واجب المخلص في قول الحق و نصيحة الخلق أن لا يحكم على
الحديث بالصحة و هو يعلم أنه ضعيف ، و لا بالضعف و هو يعلم أنه صحيح ، تدليسا
و تلبيسا على أفهام الناس . و أما الترمذي فقد روى هذا الحديث و قال : غريب
لا نعرفه إلا من رواة شريك ، فحكم عليه بالغرابة لكونه لم يروه عن علي أحد
غير حنش بن المعتمر الصنعاني ، و أكد غرابته بقوله : لا نعرفه إلا من حديث
شريك ، و الغريب هو ما يرويه واحد وهو ضد المعروف المشهور ، لهذا يغلب على
الغريب الضعف في أكثر أحواله ، كما قال في ألفية الحديث للسيوطي :
» و الغالب
الضعف على الغريب
« يقال حديث غريب
، لانفراد
راويه عن غيره ، قال في شرح بلوغ الوطر من مصطلح أهل الأثر ( ص 13 ) :
و اعلم أن وصف الحديث المشهور و العزيز و الغريب لا ينافي الصحة و لا الضعف ،
بل قد يكون كل من الثلاثة صحيحا ، و قد يكون ضعيفا ، و لكن الضعف في الغريب
أكثر ، و من ثم كره جمع من الأئمة تتبع الأحاديث الغريبة ، فقد قال مالك :
» شر العلم
الغريب ، و خير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس « ، و قال
الإمام أحمد : » لا تكتبوا
هذه الغرائب ، فإنها مناكير و غالبها عن الضعفاء « ا. هـ . و
متى اتفق الحديث غريبا و راويه مجروح فهو متروك لا يحتج به عند المحدثين و
هذا الحديث غريب في سنده و غريب في متنه و راويه حنش الصنعاني مجروح لا يحتج
بحديثه عند المحدثين كما سيأتي الكلام عليه في محله ، و قد قال أبو بكر بن
العربي بعد تخريجه لحديث علي في شرحه على الترمذي ، قال » و بالجملة
فهذا حديث مجهول « و قال صاحب
تحفة الأحوذي على الترمذي : » إني لم أجد
في التضحية عن الميت منفردا حديثا صحيحا ، و أما حديث على هذا ضعيف كما عرفت
« . و أما نسبة
تصحيح هذا الحديث إلى الذهبي ، فإنه من جملة ما نسبه إلى أبي داود و الترمذي
و نحن نطالبه إن كان صادقا بأن يحيلنا على الكتاب الذي حكم فيه الذهبي بصحة
هذا الحديث حتى يبرأ من عهدة نسبته إليه ، كما قيل :
قال الشيخ إسماعيل : » إن الحاكم في
المستدرك ، قد جمع بين الاحتجاج بالحديث و بين تصحيحه ، قال ، جـ4 ـ ص229 ، و
قد رويت أخبار في الأضحية عن الأموات ، فمنها ما حدثنا الشيخ أبو بكر بن
إسحاق ، أنبأنا بشر بن موسى الأسدي ، وعبد العزيز بن على البغولي ، قالا : حدثنا
محمد بن سعد الأصبهاني ، حدثنا شريك عن أبي الحسناء عن الحكم عن حنش ، قال :
ضحى على بكبشين كبش عن النبي ــ صلى الله عليه و سلم ــ و كبش عن نفسه ، فقال
: أمرني رسول الله أن أضحي عنه أبدا . رواه الحاكم و قال : صحيح الإسناد و لم
يخرجاه . فالجواب : أن العلماء المحققين من أهل الحديث يعرفون
حالة الحاكم و تسامحه في سلوكه في مستدركه ، و أنه يصحح كثيرا من الأحاديث
الساقطة ، و الموضوعة و يكثر من ذلك حتى كثر الكلام فيه بسببها و حتى حمله
بعض الناس على التشيع ، و أحسن ما قيل في الاعتذار عنه أنه أصيب بغفلة في آخر
عمره ، فكان يعتمد في تصحيحه على رواية غير الثقة ، فتصحيحه لحديث حنش عن على
هو من قبيل تصحيحه لحديث : » أنا مدينة
العلم و على بابها « ، قال الحاكم
في مستدركه : حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، حدثنا محمد بن عبد الرحيم ،
حدثنا أبو الصلت عبد السلام بن صالح ، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مجاهد
عن بن عباس ــ رضي الله عنهم ــ قال ، قال رسول الله : » أنا مدينة
العلم و علي بابها ، فمن أراد المدينة فليأت الباب « ، قال هذا
حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه ، فاستدرك على البخاري و مسلم عدم تخريجهما
لهذا الحديث الذي أجمع حفاظ السنة و أئمة الحديث على أنه موضوع أي مكذوب على
رسول الله، كذلك حديث حنش عن علي فقد تكلم أئمة الحديث على حنش و أنه ينفرد
عن علي بما لا يشبه حديث الثقاة فصاروا لا يحتجون بحديثه كما سيأتي الكلام
عليه إن شاء الله ، وهو عراقي و معلوم غلو أهل العرق في علي . و أعلم أن أئمة أهل الحديث و جهابذة النقاد قد تصدوا
لتمحيص الأحاديث و تصحيحها ، و بيان حالة رواتها و ما يتصفون به من الجرح و
التعديل ، نصيحة منهم للدين و حماية له عن تحريف الغالين و انتحال المبطلين و
تأويل الجاهلين و تدليس الكذابين ، فيذكرون الراوي بصفته و يقولون : فلان
كذاب ، و فلان مدلس ، و فلان سيئ الحفظ ، و فلان يكثر من ذكر الأحاديث
الموضوعة أو يتساهل في تصحيحها ، إلى غير ذلك مما تقتضيه صفة الراوي للتنبيه
على حالته و عدم الاغترار بروايته ، و لا يعدونه من الطعن المذموم و لا
الغيبة المحرمة ، بل هو النصيحة الواجبة ، فإن الدين النصيحة لله و لكتابه و
لدينه و عباده المؤمنين ، و يستدلون على ذلك بقول النبي ــ صلى الله عليه و
سلم ــ : » أ أذنوا له
بئس أخو العشيرة هو « ، و بقوله :
» أظن فلانا و
فلانا لا يعرفان من ديننا شيئا « ، و بقوله في صاحب الشجة :
» قتلوه قتلهم
الله ، هلا سألوا إذا لم يعلموا ، فإنما شفاء العي السؤال « إلى غير ذلك
، و نقل صاحب الآداب الشرعية عن شرح مسلم على قوله ــ صلى الله عليه وسلم ــ
: » من ستر مسلما
ستره الله في الدنيا و الآخرة « قال : الستر
المندوب إليه هنا هو الستر على ذوي الهيئات و من لا يعرف بالأذى و الفساد و
انتهاك الحرمات ، فينبغي الستر عليهم لحديث : » أقيلوا ذوي
الهيئات عثراتهم إلا الحدود « قال : فأما
من عرف بالأذى و الفساد و انتهاك الحرمات ، فلا ينبغي الستر عليهم ، بل ينبغي
رفع أمرهم ، و مثله جرح الرواة و الشهود و الأمناء على الأوقاف و اليتامى و
غيرهم ، فلا ينبغي الستر عليهم ، بل ينبغي رفع أمرهم لاتقاء ضررهم ، و ليس
هذا من الغيبة المحرمة ، بل من النصيحة الواجبة . ا. هـ ، و بهذا يتضح بطلان ما
يتوهمه هذا الناقد ، حيث جعل من يتكلم في الرواة ، و أقوال العلماء بما
يقتضيه من التصحيح و التضعيف أنه مهاجمة للعلماء ، و ذلك حينما قلت : أن حديث
حنش عن علي في
أضحيته للنبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ ضعيف جدا لا يحتج به ، و أنه
من قبيل ما يتناقله الفقهاء من الأحاديث الضعيفة معرفة صحيحة ، فينشأ أحدهم
على قول لا يعرف غيره و لم يقف على طعن أهل الحديث في ضعفه ، فيظنه صحيحا و
يبني على ظنه جواز العمل به و الحكم بموجبه ، فهذا حاصل ما نقمني عليه ، حيث
أفحش في التعبير عني بدعوى أنني أهاجم العلماء ، فكل ما ذكرت فإنه من الأمر
الواقع الذي لا أعتذر عنه من ذلك قولهم : » و لا يرفع
حدث رجل طهور يسير خلت به امرأة لطهارة كاملة عن حدث « ، فإن هذه
الفقرة بهذه الصفة تجدها في كل كتاب من كتب الحنابلة ينقلها بعضهم عن بعض
مستدلين على ذلك بحديث » لا يغتسل
الرجل بفضل المرأة و لا المرأة بفضل الرجل « رواه أبو
داود و النسائي ، على أن الأمر الصحيح الثابت هو ما رواه مسلم عن ابن عباس ،
أن النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ كان يغتسل بفضل ميمونة و لأصحاب السنن :
اغتسل بعض أزواج النبي في جفنة ، فجاء النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ ليغتسل
منها ،
فقالت له : أني كنت جنبا ! فقال : إن الماء لا يجنب ، أفيكون التنبيه
على مثل هذا القول الضعيف الذي يتناقله الفقهاء من كتاب إلى آخر أنه من
التهجم على العلماء ، بل هو من باب النصيحة لله و لعباد الله ، و من الشهادة
بالحق التي أوجبها الله علي عباده بقوله : » يا أيها الذين
آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله « و إنما يتوجه
الملام على من يحاول رفع الأحاديث الضعيفة و الموضوعة إلى درجة الصحة في سبيل
نصر رأيه و إعلاء كلمته ، كحديث حنش عن علي عن النبي وصاه عن يضحي عنه ، و قد
تكلم العلماء الحديث في حنش و أنه يروي أحاديث عن علي لا تشبه عن أحاديث
الثقاة ، كما سيأتي الكلام عليه ، و يدل على ضعفه كون الصحابة لم يثبت عن أحد
العمل به ، أ فيكون حنش الصنعاني أعرف منهم بحديث رسول الله و كذا قولهم : لا
تقصروا الصلاة في أقل من ستة عشر فرسخا ،مستدلين عليه بحديث » لا تقصروا
الصلاة في أقل من أربعة برد « و كذا قولهم
في اشتراط انعقاد الجمعة بحضور أربعين من أهل وجوبها مستدلين عليه بحديث
» مضت السنة أن
في كل أربعين فصاعدا جمعة « ، فهذه
الأحاديث و ما بمعناها تجدها دائرة بين الفقهاء ، تذكر في كتاب من الفقه، على
أن الراجح خلافها و من أحد من العلماء إلا و يتكلم في مثل هذه الأحاديث أو
الأقوال المرجوحة عند مناسبة الكلام فيها. قال الخطابي في معالم السنن ( ج 1 ــ ص 7 ) ، قال :
» إن العلماء
على طبقتين : أهل حديث ، و أهل فقه « قال :
» فأما طبقة
أهل الفقه ، فإن أكثرهم لا يعرجون من الحديث إلا على أقله ، و لا يكادون
يميزون صحيحه من سقيمه و لا يعرفون جيده من رديئه و لا يعبأون بما بلغهم منه
إن يحتجوا به على خصومهم ، إذا وافق مذهبهم الذي ينتحلونه أو وافق رأيهم الذي
يعتقدون به ، وقد اصطلحوا على قبول الخبر الضعيف والحديث المنقطع إذا كان ذلك
قد اشتهر عندهم بغير ثبت فيه أو يقين ، وكان ذلك ضلة في الرأي وغبنا فيه.
انتهى.
يؤكده أن الفقيه في اصطلاحهم لا يطلب منه الدليل . وأما القول مني :
بأن حديث حنش ضعيف ، فإنني لم أقل ذلك بمجرد الرأي من نفسي ، إنما قلته بما
ظهر لي من أقوال أئمة الحديث الذين هم بمثابة الصاغة للرواة ، يميزون بين
الصحيح والسقيم وهذه نصوصهم معزوة إلى كتبهم: 1 - قال
البخاري إمام المحدثين في التاريخ الكبير (ص99) القسم الأول من الجزء
الثاني 2 - وقال ابن
حبان البستي في كتاب المجروحين له ( ص 267): قال حنش بن المعتمر ، والذي يقال
له حنش بن ربيعة الكنعاني والمعتمر كان جده ، يروي عن علي بن أبي طالب وروى
عنه الحكم والسماك : كان كثير الوهم في الأخبار، ينفرد عن علي بأشياء لا تشبه
حديث الثقاة حتى صار ممن لا يحتج به . 3 - وقال
المنذري في تهذيب سنن أبي داود (ج 4 ـ ص 95): قال حنش تكلم فيه غير واحد. 4 - وقال
الحافظ بن أبي حاتم الرازي في كتاب الحرج والتعديل (ج 1) : من القسم الثاني
(ص291): قال حنش بن المعتمر الكنعاني، ويقال حنش بن ربيعه روى عن علي ـ رضي
الله عنه ـ وروى عنه أبو اسحاق الهمداني والحكم بن عتيبه والسماك ، سمعت أبي
يقول: أنبأنا عبد الرحمن ، حدثنا محمد ابن أحمد بن البراء قال علي بن
المديني: حنش بن ربيعه الذي روى عنه الحكم لا نعرفه ، سمعت أبي يقول ذلك
ويقول: حنش ابن المعتمر عندي صالح ، قلت: أيحتج بحديثه ، قال: ليس أراهم
يحتجون بحديثه. 5 - وقال في
التلخيص الخبير (ص226) قال في علوم الحديث تفرد بحديث حنش عن علي أهل الكوفة
وفي إسناده حنش بن ربيعه ، وهو مختلف فيه . 6 - وقال
الإمام أبوبكر بن العربي المالكي في عارضة الأحوذي ، شرح الترمذي 7 - وقال في
تحفة الأحوذي على الترمذي: أنه لم يثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في
الأضحية عن الميت منفردا حديث صحيح وأما حديث علي فضعيف كما علمت. فهذه
شهادات أئمة الحديث الذين يتلقى عنهم الذهبي ومن في طبقته علم الحديث وأخبار
المحدثين المجروحين والمعدلين ، وقد اتفقت كلمتهم على عدم الاحتجاج بحديث حنش
، والقاعدة عند المحدثين أن بينة الجرح مقدمة على بينة التعديل ، لأن معها
مزيد علم قد يخفى على المعدلين وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من
رواية شريك ، والغريب إذا كان راويه مجروحا فهو متروك لاجتماع أسباب الضعف
فيه ، وهي غرابته وجرح راويه . ومما يؤكد ضعف هذا الحديث وعدم صحته هو أن
عليا ـ رضي الله عنه ـ مكث في المدينة بعد موت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ
لكونه لم ينتقل إلى العراق إلا عام 36هـ ، وفي كل هذه السنين الطويلة لم يسمع
أحد من أهل المدينة و لا من أهل بيت علي ، كالحسن و الحسين و محمد بن الحنفية
و ابن عباس ، أن رسول الله أوصى عليا بذلك ، و كذلك لم يسمعه أحد من الخلفاء
و لا من الصحابة ، و لو كان هذا الخبر صحيحا و أن عليا ــ رضي الله عنه ــ لا
يزال يضحي عن رسول الله كل سنة ، إذا لاشتهر خبره بين الصحابة ، كما اشتهرت
سائر السنن من الواجبات و المستحبات ، و إذا لشاركوا سائر السنن من الواجبات
و المستحبات ، و إذا لشاركوه في هذه الفضيلة والعمل بهذه الوصية بهذه الوصية
على العسر و اليسر و لم يختص بها على دونهم ، إذ الرسول أعز عليهم من أنفسهم
و من والديهم و أولادهم ، و من المحال كون هذه الوصية صحيحة ، ثم تخفى على
سائر الصحابة و لا يعلم بها إلا حنش الصنعاني الكوفي ، بل إن المحفوظ عن أهل
بيت رسول الله ، و منهم علي و الحسن و الحسين و محمد بن الحنفية و ابن عباس ،
أهم كانوا يكتفون بأضحية رسول الله عنهم عن أضحيتهم لأنفسهم ، كما أخبر بذلك
أبو رافع و هو خادم رسول الله و أعرف الناس بعمل أهل بيته ، فقد قال :
» أمرني رسول
الله أن أشتري له كبشين أقرنين أملحين ، فذبح أحدهما و قال : بسم
الله و الله أكبر اللهم هذا عن محمد و عن أمة محمد من شهد لك بالتوحيد و شهد
لي بالبلاغ ، ، ثم يؤتي بالثاني فيذبحه و يقول : اللهم هذا عن محمد و آل محمد
، قال أبو رافع فمكثنا سنين و ليس رجل من بي هاشم يضحي قد كفاه الله المؤنة
برسول الله و الغرم « و كان ابن عباس يعطي خادمه يوم العيد
دراهم يشتري له بها لحما ، و يقول له : من سألك فقل : هذه أضحية ابن عباس .
ثم إن عليا ــ رضي الله عنه ــ يكذب بهذا الخبر ، فقد تحدث أناس من شيعة
العراق بأن رسول الله قد خص عليا باختصاصات و وصايا دون الناس ، و أن عنده
قرآنا غير الذي بأيدي الناس ، قال بأيدي الناس ، قال أبو جحيفة ، فقلت لعلي :
» هل عندكم شيء
من الوحي غير القرآن . فقال : لا والذي فلق الحبة و برأ النسمة إلا فهما
يعطيه الله عز و جل رجلا في القرآن و ما في الصحيفة ، قلت : و ما في هذه
الصحيفة ؟ قال : العقل و فكاك الأسير و أن لا يقتل مسلم كافر « رواه البخاري ، و قد وقع هذا السؤال من
كثير من الصحابة ، يسألون عليا ، هل خصه رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ
بشيء من الوصايا دون الناس . فأنكر أن يكون رسول الله قد خصه بشيء دون الناس
، ذكر ذلك شيخ الإسلام في المنهاج . ثم
يقال للشيخ إسماعيل : متى
كنت تجزم بصحة حديث حنش عن علي » أن رسول الله أوصاه أن يضحي عنه و أنه
لا يزال يضحي عن رسول الله أبدا « ، فكيف ساغ لك في هذا المقام أن تنسى
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم تذكر في منشورك مشروعية الأضحية عنه ــ
عليه الصلاة و السلام ــ و هو الأصل في نص الوصية و غيره الفرع ، و كيف
تجاوزن جنابه و نسيت فضيلته و أهملت ذكر وصيته و أخذت تدعو إلى مشروعية
الأضحية عن أموات أمته بدون دليل يؤيده ، مستدلا على ذلك بمفهوم حديث علي ،
مع إهمالك للعمل بمنطوقه ، فكنت كمن يفضل القياس على النص و يهمل العين و
يتبع الأثر ، و حاسب نفسك كيف أعرض الصحابة و التابعون و سائر علماء المسلمين
و مشايخ الدعوة و غيرهم عن العمل بهذه الوصية ، حيث لم نسمع عن أحد منهم أنه
ضحى لرسول الله ، و لا نص عليها في وقفه و لا وصيته ، و لو كان هذا الحديث
صحيحا عندهم لبدأوا بأضحية النبي قبل أضحيتهم لأنفسهم ، لأنه أولى بكل مؤمن
من نفسه و أهله ، كما في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم ــ قال :
» لا يؤمن
أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده و ووالده و الناس أجمعين « ، لأنها متى صحت هذه الوصية منه لعلي ،
اعتبرت وصية منه لجميع الناس ، لأن الاعتبار بعموم لفظها لا بخصوص سببها ، أ
فتقول أنها سنة فجهلها الصحابة و العلماء ، أو أنهم علموها فأهملوا العمل بها
، كل هذا يعد من غير الممكن ، بل إن الأمر الصريح هو أن الحديث غير صحيح ، و
لا عمل عليه عندهم . ثم قال الشيخ
إسماعيل : أطال
مؤلف الرسالة (يعني الشيخ عبد الله بن زيد) في معاتبة شيخ الإسلام في تجويز
الأضحية عن الميت واختياره لها على الصدقة بما يطول الكلام بسرده ، وإنما
نجيب عنه بما يلي: » أما الأضحية عن الميت ، فقد سبق شيخ
الإسلام إلى القول به أبو داود والترمذي وبعض مشايخه والحاكم وأبو الحسن
العبادي وطائفة من أئمة الشافعية والقاضي أبو بكر بن العربي المالكي ، فلم لا
يعتبر ذلك على الأقل حاجزا بينه وبين سبه شيخ الإسلام ابن تيمية ، فيما سطره
في رسالته من دعوى مخالفته النصوص « انتهى.
فالجواب: أن في هذا الكلام من التلبيس والكتمان والتدليس على الأذهان
ما لا يخفى على ذوي العلم والعرفان ، أما إلصاقه بنا نسبة السب منّا لشيخ
الإسلام ، فجوابنا: أن نقول ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم
، وإنني أعجب أشد العجب من تصريحه بهذا الإعلان وللناس عيون وآذان وكتابنا
منتشر في البلدان وبيد كل إنسان ، فهو ينطق عنا بأوضح البيان، ولن يوجد فيه
شيء من هذا البهتان ومن ادعى ما لا حقيقة له فضحته شواهد الامتحان.
والله يعلم أننا من أشد الناس محبة لشيخ الإسلام
واحتراما له ، ونفضل اختياراته في كثير من المسائل التي خالف فيها أئمة
المذاهب ، لرجحانها عندنا بالدليل ، لكننا لا نعتقد فيه العصمة ، فنحن نعترف
و لا نعتذر من قول الحق والتصريح بالصدق ودونك نص ما قلت في شيخ الإسلام الذي
نعتقده دينا ومذهبا ، بدون جفاء ولا تعصبا ، وقد سمّاه هذا الناقد مهاجمة ولم
يخش في نشره عارا وعيبا. قلت في (ص 62): إن القول بتفضيل ذبح الأضحية عن الميت
على الصدقة عنه هو مقتبس من كلام الشيخ ابن تيمية ـ رحمه الله ـ ، كما ذكره
ابن اللحام في الاختيارات ، وأشار إليه ابن مفلح في الفروع ، حيث قال:
» واختار شيخنا
تفضيل ذبح الأضحية عن الميت على الصدقة« ، قلت: ولم
أر من سبق شيخ الإسلام إلى القول بهذا من سائر علماء المذاهب ، ولسنا نسقط
رأيه في هذه القضية بنظريات اجتهادية من عندنا ، وإنما نسقطه بما ظهر لنا من
الكتاب والسنة وإجماع الصحابة ، فقد حكى شيخ الإسلام الإجماع على وصول ثواب
الصدقة إلى الميت لوقوع الفتوى فيها من رسول الله في عدة قضايا وبالأخص
الأولاد ، لكنه لا يستطيع أن يحكى الإجماع على وصول ثواب الأضحية إلى الميت ،
إذ الأضحية عن الميت مختلف فيها ، وليس الأمر المتفق عليه كالمختلف فيه ،
فنحن إذ نرد كلامه في هذه المسألة ، فإنما نرد كلامه بكلامه فهو الذي عوّدنا
معارضة كل قول يخالف الكتاب والسنة وإجماع الصحابة ، مع قطع النظر عن قائله ،
إذا الحق فوق كل أحد ، وفرق بين أن يكون الإنسان قصده معرفة حكم الله ورسوله
في مثل هذا المسألة ، أو أن يكون قصده معرفة ما قاله إمام مذهبه أو فقهاءه أو
ما قاله الشيخ الفلاني الذي اشتهر علمه وفضله. وفي (ص64/65) قلت: » إن لشيخ
الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ الأجر الجزيل والثناء الجميل من الله ومن
الناس حتى فيما أخطأ فيه ولا يكون المنتصر لمقالته بمنزلته في حصول الأجر وحط
الوزر ، بل فرضه الاجتهاد والنظر حتى يتبين له الحق فيأخذه به ، وقد أعرض
العلماء عن بعض اختياراته لما تبين لهم أن الراجح خلافها وهو بنفسه لا يرضى
أن يقلده أحد فيما أخطأ فيه ، ويجعله شريكا لله في التشريع وأمور التحليل
والتحريم « . فهذا حاصل
ما قلت في شيخ الإسلام ، ولم أقل والحمد لله إلا خيرا ، وقد قال أمير
المؤمنين عمر بن الخطاب: » لا تظن بكلمة
خرجت من أخيك شرا وأنت تجد لها في الخير محملا ، فإنما ينشأ سوء الظن من خبث
النية وسوء السيرة « ، وهذا
الناقد مع شدة حثه وبحثه ، لم يجد عن أحد من العلماء مما سبق شيخ الإسلام أنه
قال بتفضيل ذبح الأضحية عن الميت على الصدقة عنه ، ولا من فقهاء الحنابلة ولا
من غيرهم ، ولو وجد شيئا من ذلك لذكره ، فنحن على ما قلنا حتى يقوم دليل ،
كما أنه لم يجد دليلا واحدا عن رسول الله ولا عن أحد من الصحابة ، يثبت
مشروعية الأضحية عن الميت لانفراده ، لأن هذا هو موضع البحث ، » قل هاتوا
برهانكم إن كنتم صادقين« . وأما قوله: أن أبا داود والترمذي قد سبق شيخ الإسلام إلى
القول: بمشروعية الأضحية عن الميت يوهم الناس بهذا القول أن أبا داود
والترمذي يقولان بصحة هذا الحديث ، كما صرح به في آخر البحث ، وقد سبق الكلام
منّا على الحديث ، وكلام أهل العلم فيه ، وأنه ضعيف لا يحتج به، وبينا تخريج
أبي داود والترمذي له ، وأن ذلك لا يدل على الحكم منهما بصحته ولا العمل
بموجبه، وكل قول فمرهون بدليله وبيان صحيحه من عليله و لا يجوز لمن أخلص في
قوله ونصح في عمله أن يحكم على الحديث بالصحة وهو يعلم أنه ضعيف و لا بالضعف
وهو يعلم أنه صحيح ، لأن هذا يعد من التلبيس للحق والغش للخلق، ولأن الدين
النصيحة لله ولكتابه ورسوله وعباده المؤمنين. قال الشيخ إسماعيل: » وأما أبوبكر
بن العربي فقد قال في شرح الترمذي (ج6ـ ص 290) قال: » اختلف أهل
العلم هل يضحى عن الميت مع اتفاقهم أنه يتصدق عنه والضحية ضرب من الصدقة،
لأنها عبادة مالية ، وليست كالصلاة والصيام « ، وقال عبد
الله بن المبارك: » أحب إلي أن
يتصدق عنه بثمن الأضحية ولا يضحي فإن ضحى فلا يأكل منها شيئا« ، قال ابن
العربي: الصدقة والأضحية سواء في الأجر عن الميت ، انتهى. فالجواب: أن أبا بكر بن العربي لما ترك موضوع هذا الحديث
قال: » وبالجملة هذا
حديث مجهول« ، فابتلع
الشيخ إسماعيل هذه الجملة في بطنه ، حيث استباح كتمانه وعدم بيانها وهي متصلة
بالكلام الذي ذكره كاتصال السبابة بالوسطى ، وكان من واجب الأمانة البحث أن
يأتي بها ثم يتعقبها بما يشاء من التصحيح أو التضعيف ، حسبما تقتضيه أمانة
التأليف ، فإن العلم أمانة والكتمان خيانة ، والله لا يصلح كيد الخائنين ،
ومتى ثبتت جهالة هذا الحديث سقط الاحتجاج به ولم يبقى سوى رأي أبي بكر بن
العربي والرأي يخطئ ويصيب وهو رجل ونحن رجال. ثم إن قوله: أن الأضحية عن الميت ضرب من الصدقة ليس على
إطلاقه لوقوع الفروق بين الصدقة والأضحية ، فإن الصدقة لا تسمى أضحية ، كما
أن الأضحية لا تسمي صدقة ، ولكل شيء حكمه على حسب حقيقته ومسماه ، أما رأيت
العلماء من المحدثين والفقهاء ، إذا ذكروا باب الأضحية ، فإنهم لن يذكروا
معها صدقة ، وإذا ذكروا صدقة ، فإنهم لم يذكروا معها أضحية، ثم إن الأضحية لو
أكلها جازت وأجزأت ، وأما الصدقة فإنها لا تكون صدقة حتى تخرج من يد المتصدق
إلى المستحق ، ثم إن
الأضحية لا يجوز فعلها إلا في الوقت المحدود لها ، وهو يوم العيد وأيام
التشريق ، أما الصدقة فتجوز كل وقت ، ولما ذبح أبو بردة ابن نيار ، خال
البراء ابن عازب ، أضحيته قبل صلاة العيد أمره النبي أن يذبح بدلها وقال:
» إن أول ما
نبدأ به يومنا هذا أن نصلى ثم ننحر، من فعل هذا فقد أصاب سنتنا ، ومن ذبح قبل
الصلاة ، فإنما هي شاة لحم عجلها لأهله« . رواه
البخاري، ففرق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذا الحديث بين الأضحية
الشرعية وهي الموافقة لسنة رسول الله في الحد والحقيقة ، وبين الذبيحة التي
ذبحها صاحبها بإسم الأضحية وهي مخالفة لسنة رسول الله وشرعه ، وأنها تعتبر
شاة لحم ، سواء أكلها صاحبها أو تصدق بها ، وليست من الأضحية في شيء، ولو
كانت كل أضحية صدقة لما كلف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أبا بردة بإبدال
أضحيته إذ الصدقة تجوز كل وقت.
ومثله صدقة الفطر ، فإنها واجبة على كل فرد من الأحياء
ولا تشرع في حق الأموات ، وهي صدقة من الصدقات ، فلو قال أحد بمشروعيتها عن
الأموات لحكم العلماء ببطلان قوله، ونحن بكلامنا هذا نريد التفريق بين
المشروع وغير المشروع ، إذ كل مشروع ملتحق بالعبادات وما ليس بمشروع فإنه
ملتحق بالعبادات والمبتدعات، لكن لو ذبح شاة أو بقرة أو ناقة في يوم عيد
النحر أوفي غيره من الأيام ، لقصد أن يتصدق بها عن والديه فإن هذا جائز وعمل
مشروع ، لإجماع العلماء على وصول ثواب الصدقة وبالخصوص من الولد لوالديه ،
كما لو اشترى لحما من الجزار فتصدق به عن والديه ، فإن هذا جائز ومشروع ، ثم
إن أبا بكر بن العربي والعبادي نحوهما القائلين: أن الأضحية عن الميت ضرب من
الصدقة عنه يعنون بذلك أن المضحي لميته يلزمه أن يتصدق بتلك الأضحية ، لأنها
لا تسمى صدقة حتى تخرج من يد المضحي إلى يد الفقير لكونهم يرونها حقا للفقراء
والمساكين ، ولهذا قالوا: لا يجوز للمضحي أن يأكل منها ، كما ذكره الترمذي في
صحيحه عن عبد الله ابن المبارك ، وكذا قال صاحب غنية الألمعي: أنه إن خص
الأضحية للأموات دون شركة الأحياء ، فهي حق للمساكين فبنوا القول بجواز
الأضحية للميت على ذلك ، وجعلوها بمثابة الصدقة عنه ، ولو علموا أن الذين
يضحون للأموات أنهم يأكلون لحمها ومخها و لا يتصدقون منها إلا بالقدر اليسير
لما قالوا بجواز ذلك. وقد قلنا في الرسالة: » أن الأضحية
لخاصة الحي أفضل من التصدق بثمنها باتفاق الأئمة الأربعة على ذلك ، لأن في
ذبحها إحياء لسنتها وامتثالا لطاعة الله ورسوله فيها، أما الأضحية عن الميت
منفردا بها فإنه لم يثبت مشروعيتها لا من الكتاب ولا من السنة . ولا عمل بها
الصحابة ، فكانت الصدقة بثمنها أفضل من ذبحها « . فإن قيل: أن في الأضحية عن الميت تقربا إلى الله ،
بإراقة دمها وصدقة بلحمها. قلنا: نحن لا نتكلم في اللحم المركوم بعد ذبحه ،
والذي لو لم يتصدق به أو يهدي منه لأنتن حتى يقذف به في بطون الكلاب ، أو في
محل غير مستطاب وليس التصدق بواجب ، فلو أكلها كلها إلا قدر أوقية تصدق بها
جاز ، على أن الذين يضحون لموتاهم إنما يقصدون إهداء ثواب دمها ، ثم يأكلون
مخها ولحمها ، إن تصدقوا بشيء فبالنزر الحقير منها ، فكيف تسمى صدقة وهم قد
أكلوها في بطونهم ، وهذا هو السبب الذي قال بعض الفقهاء : أنه متى ذبحها لميت
لم يجز له أن يأكل منها لاعتبار أنها حق للفقراء والمساكين . يبقى الكلام مع ولات الأوقاف والوصايا ، والذي يجتمع عند
أحدهم قدر الخمسين أو الستين من الضحايا ، يريد أن يجزرها في مقام واحد ،
كلها أضاحي عن الأموات ، وعند الثاني والثالث مثل ذلك ، وكذا المتبرعون
لأمواتهم بحيث يموت الرجل العظيم من عالم أو حاكم أو تاجر ، فينتدب كل واحد
من أسرته بذبح أضحية له ، بحيث يضحى له في يوم واحد بعشرين أو ثلاثين ، لوازم
هذا التصرف إتلاف المال ، وإزهاق أرواح الحيوان الذي يجب أن لا يسفك دمه إلا
بحق ، فإن الله كتب الإحسان على كل شيء ، فإن كان هذا الذبح في مثل هذه
الأغنام يقع بطريق شرعي فسبيل من هلك ومن قتل في حق ، فالحق قتله ، وإن كان
ذبحها يقع بطريق غير شرعي ، وأنه لم يثبت مثله عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم
ـ ولا عن أحد من الصحابة لا في تبرعاتهم ولا في أوقافهم و لا وصاياهم وجب
العدول عنها إلى الصدقة بثمنها المنصوص على فضلها ووصول نفعها ، ولكونها أنفع
للحي والميت ، وأقرب إلى طاعة الله ورسوله . والصرف في مثل هذا يعد من الإصلاح بالعدل الذي رفع الله
الإثم عن فاعله ، ويكفي من قول ابن العربي الذي جعله الناقد عمدة له في
الاحتجاج به قوله: » إن العلماء
قد اختلفوا في الضحية عن الميت ، مع اتفاقهم على أنه يتصدق عنه، فإن هذا
الاتفاق الواقع من العلماء هو حقيقة ما ندعو إليه من تفضيل الصدقة عن الميت
على الضحية عنه، وقد سمينا كتابنا » بالدلائل
العقلية والنقلية في تفضيل الصدقة عن الميت عن الضحية « ، كما فصلنا
القول في فضلها في الرسالة . والحاصل أن قول ابن العربي ومثله قول العبادي : أن
الأضحية عن الميت نوع من الصدقة ، محمول على القول المشهور من أن المضحي
لميته يلزمه أن يتصدق بأضحيته ، ولا يجوز له الأكل منها ، لكونها حقا للفقراء
والمساكين ، كما ذكره الترمذي في جامعه عن عبدالله بن المبارك ، وكما ذكره
صاحب غنية الألمعي وغيره وهو الظاهر من مذهب الشافعية والأحناف، فبناء على
ذلك قالوا: » أن الأَضحية
نوع من الصدقة لظنهم أن صاحبها يتصدق بها كلها و لا يأكل منها شيئا ، ولو
علموا أن صاحبها يذبحها ثم يأكلها في بطنه ، لتبدل رأيهم في القول فيها . ثم إن قولهما بذلك هو رأي منهما لا رواية ، ويقابل هذا
الرأي منهما بقول الإمام مالك عالم المدينة ، حيث قال: » لا يعجبني أن
يضحي عن أبويه الميتين « ، ويقابل
بقول عبد الله بن المبارك، فيما رواه الترمذي عنه: » أرى أن يتصدق
عن الميت بثمن الأضحية ولا يضحي عنه«، ويقابل أيضا
بقول المواهب الجليل في مختصر خليل ، حيث قال: » وكره فعل
الأضحية عن ميت كالعتيرة « ، ويقابل
أيضا بقول صاحب الشرح الكبير على الدردير ، حيث قال:
ثم قال الشيخ إسماعيل: وأما اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية ، بتفضيل ذبح
الأضحية عن الميت على التصدق عنه ، فلنا أن نقول على سبيل الإجمال بما قاله
ابن القيم في إعلام الموقعين حيث قال: فالجواب: أن نقول أن الشيخ إسماعيل قد أكثر في منشوره من
الهذر والهذيان والتدليس والكتمان ونسبة السب لشيخ الإسلام ودعوى عدم إقامة
الوزن منّا لاختياراته في الأحكام ، وكل هذا قد استباحه في سبيل التلبيس على
العوام ، وعلى ضعفة الأفهام ، يوهم الناس أنه من المنتصرين لشيخ الإسلام وقد
قيل: أحب الحديث أصدقه ، وخير القول ما يصدقه العيان ، ومن تزين بما ليس فيه
شانه الله.
وإن أسفه الناس رأيا وأسخفهم عقلا لرجل يكابر في إنكار
اليقينيات ، ويجادل في جحود الحقائق الجليات ، والله يعلم أننا من أشد الناس
محبة لشيخ الإسلام ، ومن المعظمين لاختياراته في الأحكام وليس من الأمر
الحرام مخالفتنا لشيخ الإسلام في مثل هذه المسألة الفرعية التي فهذا الكلام قاله على سبيل الاعتذار والانتصار منه لشيخ
الإسلام ، لما اشتد عليه بسببها الخصام وقد أحسن فيما قال ، فإن شيخ الإسلام
في ذلك على بينة من أمره من كتاب ربه وسنة نبيه ، ولكن حسده قومه على ما آتاه
الله من فضله ، وبالخصوص حين رأوه مخالفا لرأيهم وما عليه علماء مذهبهم ، ومع
هذا كله فما زالت فتواه تزداد نورا وتتجدد ظهورا ، وعاد أمر معاديه بورا
ورأيهم ثبورا ، وهكذا الحق مع الباطل ، فإن الله سبحانه قد ضمن للحق البقاء
وحسن العقبى، وأما الزبد فيذهب هباء ، وصارت فتواه بجعل الثلاث بلفظ واحد عن
طلقة واحدة والحلف بالطلاق يمين مكفرة يحكم بها الآن الحكام في أكثر المحاكم
الشرعية من سائر البلدان الإسلامية، والمقصود أن الفقهاء المحققين المذهب
نفسه في كثير من المسائل لم ترجح لهم بمقتضى الدليل خلافه ، فما بالك
لمخالفتهم لما هو وجه في المذهب إذا تبين لهم رجحان مخالفته والله أعلم
. ثم قال الشيخ إسماعيل : لقد وجدنا للمؤلف في ( ص 65 ) ما نصه : لقد أعرض العلماء
عن العمل ببعض اختيارات شيخ الإسلام ، لما تبين لهم أن الراجح خلافها ، و في
هذه العبارة ما لا يخفي ، فإن اختيارات شيخ الإسلام ليس فيها ما يصح القول
بأنه قد رفضه جميع العلماء ، ثم نطالب المؤلف بأن يذكر لنا عالما واحدا رد
على شيخ الإسلام في اختياراته ، هذا كما شنع عليه المؤلف في رسالته . فالجواب : أن نقول : ثبت في مسند الإمام أخمد من حديث
ابي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » مثل الذي لا
يحدث عن صاحبه إلا بشر ما يسمعه منه ، كمثل رجل أتى راعي غنم فقال له : أجزر
لي شاة من غنمك ! فقال : انطلق فاختر من أي الغنم شئت ، فأخذ بأذن كلب الغنم
« ، و هذا
الناقد يتظاهر بصورة الدفع و الدفاع عن العلماء الأعلام و عن شيخ الإسلام
لمحاولة تعظيمه عند العوام أو عند ضعفة الأفهام ، و ليت دفاعه يقع بصريح الصق
في البيان ، و لكنه بمجرد التدليس و الكتمان و التلبيس على الأذهان ، و إنكار
الحقائق التي يصدقها الحس و الوجدان ، و من ادعى ما لا حقيقة له فضحته شواهد
الامتحان ن و هذا الإمام الذهبي هو من أخلص الناس في محبة شيخ الإسلام و من
المناصرين له في السر و الإعلان ، و قد اعترف بأنه يخالف شيخ الإسلام في بعض
الأحيان ، دونك نص لفظه : قال الذهبي ــ رحمه الله ــ ما ملخصه: » كان يقضي من
شيخ الإسلام بالعجب ، إذا ذكر مسألة من مسائل الخلاف و استدل لها و رجح فما
رأيت أسرع انتزاعا للآيات الدالة على المسألة التي يوردها منه و لا أشد
استحضارا للمتون و عزوها منه ، كأن السنة نصب عينيه و طرف لسانه ، و كان آية
من آيات الله في التفسير فهذا الإمام الذهبي المعدود من أصفا الناس محبة له ، و
أشدهم احتراما و حماية له ، و قد أشار في كلامه بأنه يخالف شيخ الإسلام في
بعض المسائل و لن يقدح ذلك في صحة ولايته و قد صفى التاريخ الصادق خلاصة محنة شيخ الإسلام مع
خصومه فسجل التاريخ تسميته بشيخ الإسلام و تبقى الدين ، أنطق الله ألسنة
الناس بذلك بدون أن يتسمى به بنفسه و أثبت التاريخ بأنهم إنما نقموا عليه من
أجل أنه خالف رأيهم و ما عليه علماء مذهبهم و ما كانوا يعتقدونه في أنفسهم ،
فحسدوه على ما أتاه الله من فضله من سائر العلوم و الفنون التي بهرت العقول ،
كما قال ابن الوردي :
إن
بعض الناس لا يتحمل الصبر على مخالفة رأيه و مذهبه و لو في مسألة فرعية لا
إنكار في الخلاف في مثلها أو في مسألة نحوية وشبهها ، فتراه يغضب و يضطرب عند مخالفته
و يتحامل على من خالفه و لو بدون بينة من أمره ، فيفند رأيه و يصغر أمره ، و
يحاول الحط من قدره ، ليثبت في نفوس الناس عدم الاعتداد بقوله ، كما روى عن
أبي حيان صاحب التفسير المسمى » بالبحر
المحيط « ، أنه كان
يحب شيخ الإسلام و يجالسه و يأخذ العلم عنه و قد امتدحه بأبيات منها
:
|