الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

فصــــــــــــــــــل

قال فضيلة الشيخ عبد العزيز بن ناصر بن رشيد في منشوره الشهير:

» الحمد الله ـ لقد اطلعت على رسالة أملاها الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود ، ذكر فيها: أن الأضحية عن الميت لا تجوز وأنها غير شرعية ، وإن ما عليه الناس من علماء وعوام من الأضحية عن الميت والوصية في ذلك كله خطأ محض ، حملهم عليه حسن الظن بمن أفتى بصحة ذلك ، كشيخ الإسلام وغيره من علماء الدعوة ، وقد جرى مني دراستها فلم أجد من يصلح مستندا لما ذهب إليه بالعكس .. إلخ « .

الجواب: أن الشيخ ذكر بأنه درس الرسالة وأنه لم يجد ما يصلح مستندا لما ذهب إليه صاحبها ، وذلك كله من أجل أنه أمسكها ودرسها وهو كاره لها ، وإذا اشتدت كراهية الشخص للشيء لم يكد يراه و لا يسمعه ، لكون الهوى يعمى ويصم ، فلو أنه حين أراد دراستها أخلص علمه لله وعزب عنه هواه ، ثم تأمل فصول الرسالة وما تقتضيه من الدلالة لما وقع في شبك هذه الجهالة ونحن لا نعتذر من قول الحق على شيخ الإسلام أو على غيره ، إذ الحق فوق كل أحد ، وشيخ الإسلام هو حبيبنا وليس ربنا ولا نبينا ، وقد قال ابن عباس: » يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء ، أقول: قال رسول الله : وتقولون قال أبو بكر وعمر  « ، ومن المعلوم أن أبابكر وعمر أفضل من كل أحد بعد رسول الله ، وقد قال الإمام أحمد عجبت لقوم عرفوا إسناد الحديث وصحته ، فيتركونه ويذهبون إلى رأي سفيان وفلان وفلان ، والله يقول:

» فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنته أو يصيبهم عذاب أليم « ، ثم إن شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ قد خالف الأئمة الأربعة فيما يزيد على سبع عشرة مسألة مشهورة لدى أهل العلم والمعرفة ، ولا يعد انفراده بها شذوذا ، لأن من كان على الحق فهو الأمة الذي يجب أن يقتدى به ، وهذه الأقوال التي قلتها والبحوث التي نقلتها لم ألقها ساذجة من دليل الحكم وعلته ، كما يفعل بعض الناس ، وإنما وطدت ثبات ما قلت بالدلائل القطعية والبراهين الساطعة الجليلة ، قارنا كل قول بدليله ، مميزا بين صحيحه وعليله ، ولو أنصف الشيخ لعرف ولكنه تجاهل فحرف ومناظر المتعنت تعبان وصاحب المصنف مستريح ، والحق يبدو كرها وله تكون العاقبة ، والعاقبة للتقوى ، ومن واجب المسلم المنصف أن يكون مع الحق بلا خلق ، ومع الخلق بلا هوى ، وإني وإياه كما قيل:

غموض الحق حين تذب عنه

 

يقلل ناصر الخصم المحق

تظل عن الدقيق فهوم قوم

 

فنقضي للمجل على المدق

قال الشيخ عبد العزيز بن رشيد :

» إن الأدلة في الحكم الأضحية وفضائلها والأحاديث في وصول العمل المهدى إلى الأموات والقول في مشروعية الأضحية عن الأموات أنها أدلة واضحة على مشروعية الأضحية عن الميت كالحي وإن ذبحها أفضل من الصدقة بثمنها ، على عكس ما رآه وفهمه ، وأما ما أتى به من قبل نفسه وفسر به بعض الأحاديث وحاول به رد كلام علماء المسلمين في الموضوع ، فهو عمل خاطئ ، لا ينبغي السكوت عليه ولا إقراره لهذا رأيت من المتعين التنبيه على ذلك بصورة مختصرة لوضوح الأدلة المسألة وصراحتها وبالله التوفيق.. إلخ. «

الجواب: أن فضيلة الشيخ لما نشر هذا الإعلان لإعلام الخاص والعام ، ووعد بأنه سيورد من الأدلة الواضحة التي يثبت بها مشروعية الأضحية عن الميت كالحي ، وأن ذبحها أفضل من الصدقة بثمنها ، أنه لما أصدر هذا البيان أصغينا له الآذان وأفرغنا له الأذهان ، ننتظر ماذا يورده من الدليل والبرهان ، فنتبعه على الرغم منا والإذعان ، لأن واجب المسلم قبول الحق والانقياد له، لكنه وللأسف لم يأت بدليل واحد من الكتاب ولا من السنة ولا من قول أحد من الصحابة ولا التابعين ولا من قول أحد من فقهاء الحنابلة المتقدمين ، وإنما رمى بهذه الكلمة ثم انسحب عنها وبعد عن معناها ، كما قيل: يداه أوكتا وفوه نفخ ، وهذا دأبه في نقده ، يرمي بمثل هذه الكلمة على سبيل الخرص والجزاف غير موزونة بمعيار الصحة والإنصاف ، ثم يركب لتحقيقها التعاسيف في الصدور والورود ويستدل لها بما يعد بعيدا عن المقصود ، أشبه ديدن الحائر المبهوت، يتمسك في استدلاله بما هو أوهى من سلك العنكبوت.

وأما قوله: » بأنني حاولت رد كلام علماء المسلمين في الموضوع « .

فالجواب: أن هذه شكاة قد ذهب عنا عارها ، فالاحتجاج بمخالفة عمل الناس هي دعوى داحضة وحجة غير ناهضة ، لأن عمل الناس للشيء لا يدل على صحته في الشرع ، كما أن عدم علمهم بالشيء لا يدل على بطلانه في الشرع وكل شيء فمرهون بدليله ، لأن العبادة هي ما أمر به الشارع حكما من غير اطراد عرفي ولا اقتضاء عقلي ، وقد خالف شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ أئمة المذاهب الأربعة فيما يزيد على سبع عشرة مسألة مشهورة لدى أهل العلم والمعرفة ، ولا يعد انفراده بها شذوذا ، ومثله الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، إمام الدعوة ، فقد خالف شيخ الإسلام ابن تيمية وخالف الأئمة الأربعة ، في بطلان الوقف على الذرية وسماه:
» الوقف الجنف ، ووقف الجور « واستدل على بطلانه بقوله ـ صلى الله  عليه وسلم ـ : » إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث « ، وهذا يدخل في عموم الوصية للوارث ، لأن فيه حجرا لفرائض الله ، إذ هو بمثابة الملك المختص ، فهذا ملخص قوله ، قد خالف به سائر العلماء قبله ولن يقدح في إمامته مخالفته لهم ، ونحن نرى أنه أسعد بالصواب منهم لدخول هذا الوقف في عموم الوصية للوارث ، ولأن الوقف بهذا الصفة يعتبر جرثومة خصام وتقاطع أرحام ، ويحدث الاحن والشحناء بين الإخوان ، فمن أحب أن يخلف لعياله مشكلة يتقاطعون عليها الأرحام ، ويستمر بينهم فيها النزاع والخصام ، فيخلف لهم وقفا عليهم ، ونهاية الأمر أن يتغلب عليه أقواهم وأجلدهم ويطرد الباقين.

قال فضيلة الشيخ عبد العزيز بن رشيد:

» إن ما أفتى به المذكور خطأ من وجوه عديدة ، أحدها: أن الأضحية مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع ، قال الله تعالى: » فصل لربك وانحر« ، وعن أنس، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ضحى بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى وكبر « متفق عليه . وعن ابن عمر قال: كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ  » ينحر بالمصلى « رواه البخاري ، وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : » ما عمل ابن آدم من  عمل أحب إلى الله من إهراق الدم وإنه ليأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها « ، وأن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع بالأرض ، فطيبوا بها نفسا « رواه الترمذي وابن ماجة . وعن زيد بن أرقم قال، قال أصحاب رسول الله: يا رسول الله ، ما هذه الأضاحي؟ قال: سنة أبيكم إبراهيم ، قالوا: فمنا لنا  فيها؟ قال: بكل شعرة حسنة ، قالوا: فالصوف، قال: بكل شعرة من الصوف حسنة « رواه أحمد وابن ماجة ، ثم قال: واختلف العلماء في حكم الأضحية ، فقال بعضهم : أنها واجبة على الموسر ، وبه قال ربيعة والأوزاعي وأبو حنيفة وأحمد في رواية ، وقال به بعض المالكية واستدلوا على ذلك بالآية السابقة ، وبما رواه أحمد في سنده عن أبي هريرة مرفوعا: » من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا « ، وقال بعض العلماء : أنها مستحبة غير واجبة ، وبه قال الجمهور . قال ومن أقوى ما يحتج به لعدم الوجوب ما ورد من أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ضحى عنه وعن أمته في أحاديث صحيحة وحسنة ، فأسقط بذلك الوجوب ، إلى غير القرب في ذلك اليوم ، وصرح ابن القيم بتأكيد سنتها ، وأن ذبحها أفضل من الصدقة بثمنها ، وهم لا يواظبون إلا على الأفضل ، وعن ابن عمر ، قال: أقام النبي بالمدينة عشر سنين يضحي ، وعن ابن عمر أنه سأله رجل عن الأضحية ، أواجبة هي؟ فقال: ضحى رسول الله والمسلمون، فأعادها عليه ، فقال: ضحى رسول الله والمسلمون .. إلخ ، انتهى كلامه.

فالجواب: أن هذه الآية التي استدل بها والأحاديث التي أسندها وأقوال العلماء التي سردها كلها خارجة عن موضوع البحث ومثار النزاع ، فقد وعد في مقدمة رده أنه سيورد الأدلة التي تثبت مشروعية الأضحية عن الميت ، وكون ذبحها عنه أفضل من الصدقة بثمنها ، فأورد الآية والأحاديث التي أريد بها أضحية الحي، إذ هي الأضحية المشهورة المشروعة بنص الكتاب والسنة وعمل الصحابة وسلف الأمة ، ولو تفكر في الآية وما تقتضيه من الدلالة لعرف أنها حجة عليه لا له ، فإن الله يقول: » فصل لربك وانحر « فوردت الآية مورد الخصوص ومعناها العموم، لكون الرسول هو المبلغ عن الله وحيه يأمر الله عباده بأن يصلوا صلاة العيد لربهم ثم ينحروا أضاحيهم لربهم بعد فراغهم من صلاتهم ، فالمخاطبون بالأمر بالصلاة هم المخاطبون بنحر الأضحية ولا علاقة للآية بذكر الأموات البتة ، ويدل له ما روى البخاري عن البراء بن عازب ، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: » إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلى ثم نرجع فننحر ، من فعل هذا فقد أصاب سنتنا ومن ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم قدمه لأهله ، فقام أبو بردة بن نيار وقد ذبح ، فقال: إن عندي عناقا جذعة فقال: اذبحها و لا تجزي عن أحد بعدك« فدل الحديث على نحو ما دلت عليه الآية ، من تنظيم ذبح الأضحية ، وأن كل أضحية تذبح على خلاف ما سنه رسول الله ، فإنها شاة لحم قدمها لأهله ، وليست من الأضحية في شيء ، وإنما سن رسول الله الأضحية في حق الحي شكرا لنعمة بلوغ عيد الإسلام ، وإظهارا لشرفه وتعظيمه على سائر الأعياد ، ومثله استدلاله بما رواه الإمام أحمد أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ خطب يوم العيد فقال: » من كانت له سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا « حيث حث الموسرين على الأضحية إذ هي أفضل في حثهم من الصدقة وأفضل ما ينفقه الإنسان في يوم العيد ، فقال: » من كانت له سعة ولم يضح لميته فلا يقربن مصلانا ، حتى يكون له فيه حجة ، وقد استدل به من قال بوجوب الأضحية على الغني المقتدر ، وكذا يقال في سائر الأحاديث التي استدل بها ، كحديث: أن للمضحي بكل شعرة حسنة ، وحديث: ما عمل ابن آدم يوم النحر أحب إلى الله من إهراق دم، فإن المضحي والمهرق للدم هو الحي الذي عمل عمله في شراء الأضحية ، ثم التقرب إلى الله بذبحها في يوم العيد قائلا: » إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له «، حتى أن جهلة العوام منى سمعوا من لسان الخطيب أو الواعظ مثل هذه الأحاديث التي ترغب في الأضحية نشطوا إلى شرائها حرصا على حصول الأجر المترتب عليها ومن المعلوم عدم المناسبة بين هذه الأحاديث التي استدل بها وبين ما يريد أن يستدل له مما يقوى به حجته من القول بمشروعية الأضحية عن الميت ، وأنها أفضل من الصدقة بثمنها حسبما وعد به في نقده ، ولن يخفى عدم المناسبة على مثله ، لكن يترجح عندي أنه يتكلم بدون تفكير أو أنه لما أعوزته الحيلة عن وجود دليل صريح ينهض لصحة ما يدعي به لجأ إلى الاحتجاج بمثل هذه الأحاديث التي هي بعيدة عن المعنى المقصود كياسة منه لقصد الترويج بها على العوام وعلى ضعفة الأفهام ، ليوهم الناس أنني أنكر مشروعية الأضحية الثابتة بالكتاب والسنة ، حتى يقيم نفسه مقام الغيور والمكافح والمنتصر الفاتح على حد ما قيل: إن لم تغلب فاخلب، وإلا فإننا ذكرنا في الرسالة في فضل الأضحية والترغيب فيها أكثر مما ذكر ، وكل عالم أو كاتب فاهم متى قابلوا بين مقدمته في رده وبين مواضع استشهاداته ، عرفوا بطريق البديهة بأنه قد أغرق في النزع وبعد عن مثار البحث ، ولو كان عن جهل لعذرناه ن ولكنه عن علم فعذلناه ، وقد اقتضت حكمة الله ، بأن من أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس ، ومن تزين بما ليس فيه شأنه الله ، وكيف لا يستحي الناس ولهم عقول وعيون وآذان ، ومن ادعى ما ليس فيه فضحته شواهد الامتحان.

ثم إن بعض الفقهاء يتكلفون صرف الأحاديث إلى غير المعنى المراد منها ، ليطبقوها على قواعد مذهبهم ويحاولون الانتصار بها على خصمهم ، فيجعلون النصوص تابعة لأقوال علمائهم والحق أن أقوال العلماء هي التابعة لقول الله ورسوله ، لأن تطرق الخطأ إلى آراء العلماء يكثر بخلاف تطرقها إلى الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة ، ولأن الأدلة الشرعية حجة الله على عباده بخلاف رأي العالم ، فإنه يخطئ ويصيب وفرق بين أن يكون الإنسان قصده معرفة حكم الله ورسوله في مثل هذه المسألة ، أو أن يكون قصده معرفة ما قاله علماء مذهبه أو الشيخ الفلاني الذي اشتهر علمه وفضله.

ثم قال الشيخ عبد العزيز بن رشيد:

» إن ما أتى به صاحب الرسالة من قبل نفسه وفسر به بعض الأحاديث وحاول به رد كلام علماء المسلمين فهو عمل خاطئ لا ينبغي السكوت عليه و لا إقراره .. إلخ  « .

فالجواب: أن هذا الإنكار الصادر منه علينا هو قول غير مبرور والذي نشر لأجله هذا المنشور ، كأنني أتيت ببدع من القول وزور ، ومن واجب من يتصدى للرد أن يكون عالما بما يأمر به ، عالما بتحريم ما ينهي عنه ، وأن يكون لديه مؤهلات علمية واستعدادات في التبحر في البحوث الفقهية من كل ما يصيب به الهدف ويؤهله للوصول إلى الغاية بدون تعسف في التأويل ولا بعد عن سواء السبيل. من ذلك الإنكار الصادر من فضيلة الشيخ علينا في القول بعد مشروعية الأضحية عن الميت ، و نحن على ثقة من اليقين بصحة ما قلنا ، و أن الأضحية إنما شرعت في حق الحي لا الميت ، فذكر في إنكاره أننا أتينا بهذا القول من قبل أنفسنا ، و أننا نحاول به رد كلام علماء المسلمين ، و هذا إن دل على شيء ، فإنما يدل على أن هؤلاء المنكرين لهذا القول قد قصروا علومهم و أفهامهم على التفقه في قواعد مذهبهم و لم يتوسعوا عنه إلى النظر في غيره من كتب الخلاف و المذاهب ، فصاروا يستغربون كل قول يخالق رأيهم و مذهبهم ، كأنهم يرون أن العلم الصحيح هو فيما حفظوه من مختصر المقنع أو الإقناع أو المنتهى و غيرها من كتب المذهب ، فمثلهم كمثل من يخط شبه حلقة الخمس ثم يضع إصبعه وسطه و يقول : العلم ها هنا ، و ما خرج عنه فجهل ، و من طبيعة الإنسان أنه إذا جهل شيئا أسرع بإنكاره ، و ذلك لا يغنيه من الحق شيئا ، و الحق لا ينحصر في مذهب الحنابلة فقط ، و لو كان كذلك لحكمنا ببطلان ما سواه من المذاهب ، فلو أن هؤلاء توسعوا قليلا إلى النظر في شتى البحوث الفقهية و كتب الخلاف و كتب أئمة المذاهب لازدادوا علما إلى علمهم و لعرفوا حينئذ أنهم قد حفظوا شيئا من العلم و ضاعت عنهم أشياء ، و بذلك يتسع صدر أحدهم لما سيعرض عليه من المسائل الخلافية التي لم تكن معروفة في مذهبه ، و إن كانت مشهورة في مذهب غيره و يعرف القول الراجح بالدليل فيها ، لأن كلما اتسعت معارف الشخص و علومه اتسع رحبه لما يعرض له و ظهر له من العلم ما لم يكن يحتسبه و ما أحسن ما قال الإمام الشافعي في هذا المعنى :   

كلما أدبني الدهر أراني نقص عقلي

 

و كلما ازددت علما بعلمي زادني علما بجهلي

  من ذلك القول الذي نحن بصدده و هي الأضحية عن الميت ، حيث قلنا : أنه لم يثبت بطريق صحيح و لا صريح ما يدل على مشروعيته ، فإنه هذا القول لم يخرج منا ابتداعا و لا ابتداء ، بدون سبق عمل من العلماء بموجبه حتى نتهم بالشذوذ به ، فقد بينت في الرسالة بعدم مشروعية الأضحية عن الميت هو المشهور من مذهب الشافعية والمالكية والأحناف ، كما ذكرت ذلك موضحا في الرسالة معزوا إلى أصحاب المذاهب المذكورة وإلى كتبهم ، كما ذكرها أصحابهم في كتبهم والقول إذا اشتهر  ولم ينكر فهو المذهب ، وهذه المذاهب الثلاثة ينتحل العمل بها مئات الألوف من علماء المسلمين ما بين فقهاء ومحدثين ومفسرين من لدن القرن الثاني الذي فيه الأئمة إلى زماننا هذا ، كلهم يرون في مذاهبهم عدم مشروعية الأضحية عن الميت ، فالقول بذلك يعد من الأمر المشهور عند علماء الأئمة الثلاثة ، وإن كان القول به مهجورا عند المتأخرين من فقهاء الحنابلة ، فمن أجل الجهل به ظن الشيخ عبد العزيز ، بأني أتيت بما يخالف علماء المسلمين ، كما تراه مصرحا به من قوله لا يثنيه عنه وجل ولا يلومه خجل ، كما أنني ذكرت في الرسالة بأنه لم يثبت عن الإمام أحمد القول بمشروعية الأضحية عن الميت ، وكذلك سائر فقهاء الحنابلة المتقدمين من لدن القرن الثاني الذي فيه أئمة المذاهب  إلى القرن الثامن ، فلا تذكر في شيء من كتبهم لا في الضحايا ولا الوصايا ولا الأوقاف ، كما أنه لم يثبت  عن من الصحابة أنه فعلها أو أوصى بها ، أو وقف وقفا عليها ، وكما أنها لا توجد حتى الآن في البلدان التي خرج العلماء منها ، مثل: الشام ومصر والعراق وفارس واليمن فلا تذكر في تبرعاتهم ولا وصاياهم ولا أوقافهم ، باعتراف علمائهم ، أفيكون جميع هؤلاء العلماء ، بإضافة الصحابة إليهم على الخطأ ، وإن صاحب الإقناع والمنتهى ومن أخذ بقولهما هم المصيبون ، وكيف تجعل شرعية وهي لم تثبت من قول الرسول ولا فعله ولا إقراره ، ولم يفعلها أحد من الصحابة ، فعدم العمل بها يعد من الإجماع السابق زمن الصحابة والتابعين ، واستصحاب حكم الإجماع في موضع النزاع حجة ، وقد كنت أحسب لهذا الاستغراب الحساب فعملت من الدلائل القطعية والبراهين الجلية من كل ما يؤذن بصحته وصراحته ولم ألقه ساذجا خاليا من دليل الحكم وعلته ولا حيلة لي في إفهام من لا يريد أن يفهم ، ويعذر من فعلها أو أوصى بها أو وقف وقفا عليها من مشايخ الدعوة وغيرهم ، بأنهم لما سمعوا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في قوله: » أنه يضحي للميت كما يحج عنه ويتصدق عنه« ، وكذا القول المنسوب عنه ، من أن ذبحها أفضل من الصدقة بثمنها ، وتأكد ذلك في نفوسهم بقول صاحب المنتهى » وأضحية عن ميت أفضل منها عن حي « ، فلما سمعوا بهذه الأقوال ظنوا أنها من أفضل الأعمال ، وبنوا على ظنهم جواز التبرر بها والوصية بها والوقف على الأضحية ، كما قال الشيخ حمد بن ناصر بن معمر ، وهو من مشايخ الدعوة قال: إن الفقهاء لما سمعوا حديث علي أن النبي أوصاه أن يضحي عنه ظنوه صحيحا ، وبنوا على ظنهم جواز الوقف على الأضحية ، والوصية بها ، قال: والتضحية عن الميت لم تكن معروفة عند السلف والحديث ليس في الصحاح ، وبعض أهل العلم تكلم فيه وبعض الفقهاء لما سمعه أخذ بظاهره وقال: لا يضحي عن الميت إلا أن يوصي بذلك ، وإن لم يوص فلا يذبح عنه ، بل يتصدق بثمنها ، انتهى . فالعاملون بها هم مجتهدون مأجورون ، ولو تبين لهم الحق على خلاف ما فعلوا لأخذوا به وآثروه على قول كل أحد ، وقد صنف شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ رسالة سماها  » رفع الملام عن الأئمة الأعلام « ، ذكر فيها فنونا من الأعذار عن عدم عمل بعض الأئمة ببعض السنن الصحيحة ، وعن مخالفتهم لبعض السنن الصحيحة، وقال: » إن الأمر المجزوم به في حقهم هو عدم تعمدهم لمخالفة السنة الصحيحة قطعا ويعذرون بكون هذه السنة الصحيحة لم تبلغ أحدهم أو أنها بلغته بطريق لا يثبت عند لضعف سنده، أو أن هذه السنة كانت عنده ثم نسيها ، أو أنه ظن عدم شمولها للمعنى المراد ، أو أنها بلغته عن طريق ضعيف لطعن المحققين في رواة سنده ، وظنه صحيحا ، وعمل بموجبه إلى غير ذلك من الأعذار المقتضية لرفع الملام عن العلماء الأعلام ، ولأجله تنوعت المذاهب في مسائل الفروع واتفقوا جميعا على أن من استبانت له سنة رسول الله ، لم يكن له أن يدعها لقول أحد كائنا من كان.

تخالف النـــــــــــاس فيما قد رأوا أو رووا

 

وكلهم يدعون الفــــــــــــــــــــــوز بالظفر

فخذ بقول النص ينصــــــــــــــــــره

 

إما عن الله أو عن سيد البشــــــــــــــــــر

قال الشيخ عبد العزيز بن رشيد:

الوجه الثاني: أن الأضحية عن الميت كالصدقة عنه وكالحج ، وهذا جائز شرعا . وهل الأضحية عن الميت إلا نوع من الصدقة يصله ثواب الأضحية كسائر القرب ، وأي فرق بين وصول ثواب الصدقة والحج وبين وصول ثواب الأضحية وما هذه الخاصية التي منعت وصول ثواب الأضحية ،واقتضت وصول بقية الأعمال ، وهل هذا إلا تفريق بين المتماثلات إلا أن يقول قائل: أن الأضحية ليست بقربة وما أظن أحدا يتجرأ على ذلك ، لأنها مكابرة.

فالجواب: أن نقول: أن الشارع الحكيم ورسول رب العالمين هو الذي فرّق بين الصدقة والأضحية ،لأن الحلال ما أحله الله ورسوله ، والدين ما شرعه الله في كتابه وعن لسان نبيه ، وقد أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الأولاد بأن يتصدقوا عن آبائهم الميتين وأن يقضوا واجباتهم من حج وصوم ولم يأمر أحدا بأن يضحي عن والديه الميتين ، ونحن متبعون لا مشرعون ، لأن العبادات مبناها على التوقيف والاتباع ، لا على الاستحسان والابتداع ، ولهذا قال بعض السلف: » كل عبادة لم يتعبدها رسول الله ولا أصحابه فلا تتعبدوها ، فإن الأول لم يترك للآخر مقالا«، والأضحية عن الميت بانفراده لم يفعلها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم يفعلها أحد من أصحابه ، بخلاف الصدقة فقد ثبتت.

أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الأولاد أن يتصدقوا عن آبائهم وأن يقضوا واجباتهم من حج وصوم وقضاء ونذر ، وأن يصلوا أقارب آبائهم وأصدقائهم ، وكما أمر عمر ، بأن يتصدق بوقفه على الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل ، وغير ذلك من الأحاديث الدالة على أفضل ما يفعله الحي لميته ، وكلها أصل تؤيد قول من قال: » إن الأضحية عن الميت غير مشروعة ، لأن عدم نص النبي عليها وعدم فعل الصحابة لها ، لا في أوقافهم ولا وصاياهم ولا تبرعاتهم ، يدل على عدم ثبات مشروعيتها ، إذ لو كانت مشروعة أو أنه يصل إلى ميتهم نفعها لكانوا أحق بالسبق إليها ، فعدم فعلهم لها يعد من الإجماع السابق واستصحاب حكم الإجماع في محل النزاع حجة ، لأنها من التعبدات التي يجب لها الوقوف عند الكتاب والسنة وعمل الصحابة وبالجملة ، فإن هذه النصوص وما في معناها هي أوضح من نار على علم ، تلجم المخالف بلجام التقوى وتقوده إلى الإيمان بها بالعروة الوثقى . والعجب من عالم تقي تعرض عليه هذه النصوص وما في معناها ويؤمن بصحتها ، ثم يقول بتفضيل الأضحية عن الميت على الصدقة عنه بدون أن يأتي بدليل صحيح يثبت به مشروعية الأضحية عن الميت فضلا عن القول بتفضيلها على الصدقة ، والأضحية عن الميت لم تكن معروفة عن السلف ولا يمكن نقلها عن أحد منهم ، مع شدة حرصهم على الخير ولا أرشدهم إليها النبي بتصريح لا إيماء ، وقد أرشدهم إلى الدعاء والاستغفار والصدقة ، ولو كان ثوابها يصل إليهم بعد موتهم لأرشدهم إليها.

وأما قوله: » وهل الأضحية عن الميت إلا نوع من الصدقة « فهذا غير صحيح ، فإن الأضحية إذا أطلقت لا تسمى صدقة ، كما أن الصدقة لا تسمى أضحية ولكل شي حكمه على حسب حقيقته ومسماه ، أما رأيت العلماء من الفقهاء والمحدثين إذا ذكروا في كتبهم باب الأضحية، فإنهم لن يذكروا معها الصدقة، وإذا ذكروا باب الصدقة، فإنهم لن يذكروا معها الأضحية، وقد نص الفقها ء من أئمة المذاهب الأربعة على أن ذبح الأضحية أفضل من الصدقة بثمنها في حق الحي ، لأن في ذبحها إحياء لسنتها واتباعا لطاعة الله ورسوله فيها ولكونه يتمكن من الصدقة كل وقت و لا يتمكن من فعل الأضحية إلا في الوقت المحدود لها ، وهذا المفاضلة تقتضي المغايرة ، وأن الأضحية غير الصدقة، كما أنك إذا قلت الحديث أفضل من الفقه ، فإن الحديث غير الفقه ، نعم أنه لو ذبح ذبيحة في عيد الأضحى أو في أيام التشريق أو في غيرها من الأيام وتصدق بها عن والديه الميتين  فإن ذلك جائز ومشروع ، لاعتبار أنها صدقة وليست بأضحية ، أشبه ما لو اشترى لحما من الجزار فتصدق به عن والديه ، فإن هذا مشروع ، وقد أوضحنا القول بصحته في الرسالة ، ثم إن حكم الأضحية يفارق الصدقة في أمور عديدة ، منها أن الأضحية لو أكلها كلها إلا قدر أوقي تصدق بها جاز واجزأت أضحية ، والصدقة هي الأوقية التي خرجت من يده إلى يد مستحقها ، ومنها أن الأضحية لا يجوز ذبحها إلا في الوقت المحدود لها وهو يوم العيد وأيام التشريق ، وأما الصدقة فتجوز كل وقت ، ثم إن الأضحية لا يجوز فعلها إلا مع المسلم ، وأما الصدقة فتجوز على الكافر ، ولما تحرج الصحابة عن الصدقة على أقاربهم من المشركين ، وقالوا: لا نتصدق على من ليس من أهل ديننا ، أنزل الله : » ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون « ، فأمروا أن يتصدقوا على أقاربهم من المشركين.

ونحن بكلامنا هذا نريد التفريق بين المشروع وغير المشروع ، إذ كل مشروع ملتحق بالعبادات وما ليس بمشروع فإنه ملتحق بالمبتدعات أو العادات وهذه صدقة الفطر ، تجب على كل فرد من الأحياء إذا كان عنده ما يفضل عن قوته وقوت عياله يوم العيد وليلته و لا تفعل عن الأموات لعدم ما يدل على مشروعيتها وهي صدقة من الصدقات ، فلو ادعى أحد مشروعيتها عن الأموات بحجة أنها صدقة من الصدقات لحكمنا ببطلان قوله، والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: » من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات « أي ليست من الفطرة في شيء لخروجها عن حدود الشرع في الوقت ، ومثله قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما رواه البخاري عن البراء : أن النبي قال يوم العيد: » إن أول ما نبدأ به في يومنا أن نصلى ثم ننحر من فعل هذا فقد أصاب سنتنا ومن ذبح قبل الصلاة فإنها شاة لحم عجلها لأهله« ، ففرق رسول الله بين الأضحية الشرعية التي ذبحها صاحبها على وفق ما سنه رسول الله ، فوقعت موقعها في الصحة والإجزاء ، وبين الذبيحة التي ذبحها صاحبها قبل الصلاة ، لكونها وقعت على خلاف ما سنه رسول الله في الأضحية ، وهذا ينطبق على الأضحية عن الميت، فإنها ليست من سنته ولا فعل خلفائه وأصحابه فكانت شاة لحم ، وأنها شاة لحم مباحة الأكل وليست من الأضحية في شيء، سواء أكلها صاحبها أو تصدق بها، ومثله حديث: » لا فرع ولاعتيرة « والفرع هو أول ما تنتج الإبل ، وقيل : كان الرجل إذا تمت إبله مائة نحر بكرا وهو الفرع ، والعتييرة ذبيحة يذبحونها في العشر الأول من رجب، كانوا يفعلونها في الجاهلية وفعلها المسلمون في أول الإسلام ، على حساب أنها مشروعة ، ثم نسخ ذلك بقوله: » لا فرع ولا عتيرة« ، فنفى التقرب بهما على سبيل التبرر.

وأما قوله بقياس الأضحية عن الميت على الحج عنه ، فإنه قياس مع الفارق ، فإن الحج الذي أفتى النبي بقضائه عن الميت هو الحج الواجب بالشرع أو النذر المشبه بالدين اللازم ، قال: فدين الله أحق أن يقضى والأمر به وقع مع خاصة الأولاد وللأولاد مع الآباء حالة لا تشبه حالة غيرهم ، إذ الولد كسب لأبيه ، لأنه السبب في إيجاده فلحقته حسناته فلا يقاس الحج الواجب بالشرع أو بالنذر على الأضحية التي ليست بواجبة على الأحياء ولا مشروعة في حق الأموات، فليست مماثلة للحج في كل الحالات حتى يقال بمنع التفريق بينهما.

وأما قوله: » وما هذه الخاصية التي منعت وصول ثواب الأضحية واقتضت وصول بقية الأعمال ، وهل هذا إلا تفريق بين المتماثلات.. إلخ « .

فالجواب: أننا متبعون لا مشرعون وللأضحية حكم غير حكم الصلاة والصيام والحج، لأنها إتلاف حيوان محترم ، فإن أتلف بحق فسبيل من هلك ومن قتل في حق ، فالحق قلته، ولسنا ممن يجازف بالقول في جواز إهداء سائر الأعمال إلى الموتى من كل عامل حتى يحتج علينا بموجبه، إلا فيما خصه الدليل بمن قضاء الولد لواجبات أبيه من حج وصوم نفل صدقة وما عدا ذلك ، فإنه لا يقدس الإنسان سوى علمه ، ومن بطأ به عمله لم يسرع به عمل غيره ، يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله، وقد قلنا في الرسالة: أن قضاء الحج الواجب يجوز فعله من الأجنبي في ظاهر مذهب الإمام أحمد والشافعي ، لأنه مشبه بدين الآدمي ، فهو من باب الإبراء عن الحق الواجب وليس كذلك التضحية.

ثم قال الشيخ عبد العزيز بن رشيد:

» إني لا أظن أن أحدا ينكر وصول ثواب الأعمال إلى الموتى وهو محجوج بالكتاب والسنة والإجماع وقواعد الشرع ، قال: ذكر معناه ابن القيم ولم يقل بهذا إلا أهل البدع، ولهذا ذكرت هذه المسألة في كتب العقائد ، لبيان الاعتقاد الصحيح وتنفير مما عليه البدع « .

فالجواب: أن أفضل الكلام ما جلى الحقائق وهدى لأقوم الطرائق، وفضيلة الشيخ قد اعتاد إلقاء مثل هذه الجملة على سبيل الخرص والجزاف ، غير موزونة بميزان الصحة والإنصاف، لأنه قد صرف جل عقله وعمله وفهمه على التفقه في مذهبه ، ولم يتوسع عنه إلى النظر في  غيره، فظن أن إهداء الأعمال إلى الموتى من الأضحية وغيرها أنه من الأمر المجمع عليه عند علماء الإسلام . وأن من قال بخلاف ذلك ، فإنه مبتدع ، كما تراه مصرحا به من قوله، ولو حقق فيما قال النظر بإمعان وتفكر ، لعلم أنها مسألة خلافية ليست إجماعية وحتى فقهاء الحنابلة في كتبهم المشهورة يذكرون خلاف العلماء فيها ، قال في المغني: » إن الظاهر من مذهب الشافعية، أن ما عدا الدعاء والاستغفار والصدقة والحج الواجب ، وما عدا ذلك فإنه لا يصل إلى الميت ثوابه لعدم ما يدل على مشروعيته« ، وحكاه ابن كثير في التفسير مؤيدا له ، أفيرى فضيلة الشيخ أن الشافعي ومن اتبعه في قولهم بهذا يعدون مبتدعة وحتى شارح الإقناع حكى عن الأكثرين بأنه لا يصل إلى الميت ثواب القراءة ، وأن ذلك لفاعله لقول الله تعالى: » وأن ليس للإنسان إلا ما سعى « ، وقوله: » لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت« ، ومثله يقال في الأضحية عن الميت، فإن الظاهر من مذهب الشافعية والمالكية والحنفية ، أنه لا أضحية عن الميت لعدم ما يدل على مشروعيتها وقد أجمع الأئمة الأربعة على أنه لا يصلى أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد لورود النهي عن ذلك ، وأن مات وعليه صلوات ، فإنها تسقط بموته ، ولم يقولوا بوجوب قضاء الصلاة عنه ، وكذلك الصيام ، إذ توفى وعليه شيء من رمضان أطعم عنه عن كل يوم مسكين، ولا يصام عنه في ظاهر مذهب الأئمة الأربعة ، وحمل الإمام أحمد حديث عائشة : » من مات وعليه صيام صام عنه وليه « ، إن هذا محمول على صوم النذر ، فهو الذي يقضي عن الميت دون صوم الفرض ، ورجح ذلك العلامة ابن القيم ـ رحمه الله ـ في الأعلام وفي تهذيب السنن.

وأما نسبة القول بهذا إلى العلامة ابن القيم ، حيث قال: » إن من ينكر وصول ثواب الأعمال إلى الموتى  فإنه محجوج بالكتاب والسنة والإجماع وقواعد الشرع « ، فإن العلامة ابن القيم ـ رحمه الله ـ قد ذكر في كتاب  » الروح « الخلاف الواسع في هذه المسألة ، فأسهب فيها وأطنب وعلا وصوب، فذكر أقوال من أجاز ذلك مطلقا ، وأقوال من قيده بما تسبب إليه الميت في حياته وأقوال من فرق بين العبادات التي تدخلها النيابة ، كالصدقة والحج ، وبين ما لا تدخله النيابة ، كإهداء ثواب القراءة ، وكلم على إهداء سائر الأعمال بالتبع ، ورجح إهداء ثواب القراءة حسب رأيه.

ثم قال: هل تنتفع أرواح الأموات بشيء من سعي الأحياء أم لا ؟ وذكر في الجواب: أنها تنتفع بأمرين مجمع عليهما من أهل السنة ، أحدهما: ما تسبب إليه في حياته ، والثاني: دعاء المسلمين واستغفارهم له ، قال: والصدقة والحج على نزاع ، انتهى. وذكر شارح الطحاوية مثل هذا الكلام ، وقد رجحا جواز إهداء ثواب القراءة باجتهادهما ، ومن المعلوم أن روايتهما مقدمة على رأيهما في ذلك ، إذ الرأي يخطئ ويصيب ، وقال العلامة ابن القيم أيضا ، في المجلد الثالث من الأعلام ، قال: » إن للعلماء قولين في وصول ثواب القراءة  إلى الميت ، أحدهما: أن القراءة لا تصل إلى الميت ، والثاني: أنها تصل ووصولها فرع عن وصول الثواب للقارئ ، ثم ينتقل منه إلى الميت ، فإذا كانت القراءة من القارئ لأجل الجعل ولم يقصد به التقرب إلى الله لم يحصل له الثواب ، فكيف ينتقل منه إلى الميت وهو فرعه ، و لأن الانتفاع بسماع القرآن مشروط بالحياة، فلما مات انقطع عمله كله ، انتهى. وبه يعلم أن الاختلاف في هذه المسألة واقع مشهور، ولم تكن مما اتفق عليه الجمهور، وحسبك شهادة ابن القيم وشارح الطحاوية عن أهل السنة ، من أنهم لا يرون انتفاع الأموات بشيء من عمل الأحياء ، إلا ما تسبب إليه في حياته ، ومنه صدقة أولاده عنه وقضائهم لواجباته من حجه وصيامه ، لأنه السبب في إيجاد أولاده فلحقه حسناتهم ، لأنهم من كسبه لحديث: » أن أولادكم من كسبكم « ، والثاني: دعاء المسلمين واستغفارهم له ، والدعاء والاستغفار ليس من باب إهداء ثواب الأعمال وإن أدخله بعض الفقهاء في ذلك ، ولكنه من باب العبادة التي خلق الله الخلق لها وأمرهم بها ، كما سيأتي بيانه قريبا إن شاء الله . والمراد بأهل السنة الذين نسب  عنهم هذا الاعتقاد وهم الصحابة والتابعون ، وإنما سموا بأهل السنة لكونهم تمسكوا بسنة رسول الله وأصحابه في أقوالهم وأعمالهم واعتقادهم ، وساروا على السنة وهي الطريقة العملية التي جرى عليها عمل النبي وأصحابه ، وقد حقق ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ فقال: » إنه ليس من عادة السلف إهداء ثواب الأعمال إلى موتى المسلمين ، بل عادتهم أنهم كانوا يعبدون الله بأنواع العبادات المشروعة ، فرضها ونفلها ، وكانوا يدعون للمؤمنين والمؤمنات ، كما أمر الله بذلك ويدعون لأحيائهم وأمواتهم ، فلا ينبغي للإنسان أن يعدلوا عن طريق السلف فإنه أفضل « . ذكر ذلك أبن مفلح في شرح المحرر من آخر كتاب الجنائز ، ونقل ابن اللحام عن شيخ الإسلام نحو هذا الكلام ، فقال: أنه لم يكن من عادة السلف إذا صلوا تطوعا أو صاموا تطوعا أو حجوا تطوعا أو قرأوا القرآن أنهم يهدون ثواب ذلك لموتاهم فلا ينبغي للناس أن يعدلوا عن طريق السلف ، انتهى. فهذا هو الأمر الثابت عن شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ ولا يمكن أن يقول بهذا ويدعو الناس إلى العمل به ، ثم يخالفهم إلى خلافه ، فما نسب عنه من القول بجواز الأضحية عن الموتى وإهداء ثواب الأعمال إلى الموتى يعتبر غير صحيح والحالة هذه ، وأنه قول قاله ثم ترجح عنده خلافه.

وذكر ابن كثير في التفسير على قوله تعالى: » أن لا تزر وازرة وزر أخرى ، وأن ليس  للإنسان إلا ما سعى« ، قال: ومن هذه الآية استنبط الشافعي ومن اتبعه أن القراءة لا يصل ثوابها إلى الموتى ، لأنها ليس من عملهم ولا كسبهم ، ولهذا لم يندب إليها رسول الله أمته ولا حثهم عليها و لا أرشدهم إليها بنص ولا إيماء ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة ولو كان خيرا لسبقونا إليه ، وباب القربات يقتصر فيها على النصوص ولا يتصرف فيها بأنواع الأقيسة والآراء. قال: وأما الدعاء والصدقة فذاك مجمع على وصولهما ومنصوص من الشارع عليها، وأما الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: » إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له ، فهذه الثلاثة بالحقيقة هي من سعيه وكده ، كما في الحديث : » إن أطيب ما أكلتم من كسبكم«  وأن ولد الرجل من كسبه.

وكل ما ذكر من المنع ، من إهداء ثواب القراءة ، فإنه ينطبق على المنع من إهداء ثواب الأضحية من باب الأولى ، لأن ظاهر مذهب الشافعي أن ما عدا الحج الواجب والصدقة والاستغفار ، فإنه لا يصل إلى الميت ثوابه ، لعدم ما يدل على مشروعيته ، وذكر العز بن عبد السلام في فتاويه (24/2) قال: » من فعل طاعة الله ثم أهدى ثوابها إلى حي أو ميت لم ينتقل ثوابها إليه ، إذ ليس للإنسان إلا ما سعى ، فإن شرع في الطاعة ناويا أن يقع عن الميت لم يقع عن الميت ، إلا فيما استثناه الشرع ، كالصدقة والصوم والحج  « ، وقال في نيل الأوطار: أما غير الولد ، فإن الظاهر من العموميات القرآنية أنه:

لا يصل ثواب ما فعله إلى الميت فيوقف عليها حتى يأتي دليل يقتضي تخصيصها ، فاتفقت كلمة علماء أهل السنة وهم : شيخ الإسلام ابن تيمية ، وكذا ابن القيم ، وشارح الطحاوية ، فيما نقلاه عن أهل السنة ، وكذا العلامة ابن كثير والعز بن عبدالسلام والشوكاني ، كلهم ذكروا بأن إهداء ثواب الأعمال إلى الموتى ليس من عمل أهل السنة ، فليقابل العاقل بين أقوالهم وبين قول فضيلة الشيخ عبد العزيز بن رشيد: » إني لا أظن أحدا ينكر وصول ثواب الأعمال إلى الموتى، وأنه لا ينكر وصول ثواب الأعمال إلى الموتى إلا أهل البدع « يرى الفرق الواسع بني قوله هذا وبين أقوال علماء السنة ، لأن من عادته إلقاء مثل هذه الكلمة على سبيل الخرص والجزاف وغير موزونة بمعيار العدل والإنصاف ولا معرفة الوفاق والخلاف ، وقد قيل أن من شرط صحة الدعوى كونها تنفك عما يكذبها ، وقد قام الدليل والبرهان على خلاف ما يدعيه من الإجماع ، غير أن بعض علماء السنة لما سمعوا بالأحاديث الواردة في الدعاء للموتى ، وكذلك الأحاديث الواردة في الإذن للأولاد بأن يقضوا واجبات آبائهم من الحج الواجب بالشرع أو النذر كذا الصوم الواجب بالنذر كحديث المرأة التي قالت: » يا رسول الله ، إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم حجي عنه « ، وكذا المرأة التي قالت: » يا رسول الله ، أمي ماتت ولم تحج أفأحج عنها؟ قال: نعم حجي عن أمك، قالت: وإنها نذرت صوم شهر فماتت أفأصوم عنها ؟ قال: نعم صومي عنها « ، وسألته امرأة فقالت: » يا رسول الله ، أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت  أفأحج عنها؟ قال: نعم حجي عنها ، أرأيت لو كان على أمك دين أ كنت قاضيته ، اقضوا الله فالله أحق بالوفاء  « .

وحديث سعد بن عبادة ، حيث قال له: تصدق عن أمك ،وكذا حديث عمرو بن العاص، حين سأل عن نذر كان على أبيه ، فقال: » أنه لو كان أبوك مسلما فصمت وتصدقت عنه نفعه ذلك« ، وحديث عائشة: » من مات وعليه صيام صام عنه وليه « ، وكلها أحاديث صحيحة.

وهي حجة من استدل بها على إهداء ثواب الأعمال إلى الأموات ، وخفي عليهم أن هذه الأحاديث وردت في أعمال خاصة ورخص للأولاد ، أفتاهم النبي فيها بأن يقوموا بها عن الديهم، لأن هذا مما ينتفع به المرء من عمل غيره ، بحيث يعد من قبيل عمله ، لأنه كان سببا في إيجاد ولده فلحقته حسناته من دعاء ولده وقضائهم لواجب حجه وصومه وتصدقهم عنه . وهذا معنى ما نقله ابن القيم ـ رحمه الله ـ عن أهل السنة ، أنهم قالوا: إن أرواح الأموات لا تنتفع بشيء من سعي الأحياء إلا في أمرين مجمعين عليهما ،أحدهما: ما تسبب إليه في حياته ، والثاني: دعاء المسلمين واستغفارهم لهم ،انتهى. وهذا كله داخل في عموم قوله: » إذا مات الإنسان انقطع علمه إلا من ثلاث: صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له« ، رواه مسلم من حديث أبي هريرة وقد ألحق الله ذرية المؤمنين بهم في نص القرآن في قوله: » والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم« ، وفي الحديث الصحيح: » إن أولادكم من كسبكم « لكن مدار الجزاء بالثواب والعقاب وبالجنة والنار على عمل الإنسان بنفسه لنفسه جمعا بين الأخبار ، كقوله: » يوم تجزى كل نفس بما كسبت« ، فمن قال بانتفاع الميت بكل عمل يعمل له وإن لم يكن العامل ولده فقد خالف القرآن ولا حجة له في الحديث الصحيح ، ولا القياس الصحيح ، ويعذر من قال بذلك، بأنهم لما سمعوا بهذا الأحاديث ، ظنوا أن الأمر شامل لجواز إهداء ثواب سائر الأعمال إلى الموتى حتى قالوا بجواز إهداء الصلوات المفروضة ، كصلاة الظهر والعصر ، كما ذكره صاحب الإقناع وغيره ، قال القاضي: » إذا صلى فرضا وأهدى ثوابه صحت الهدية في ظاهر المذهب« ، قال في المبدع: وفيه بعد افترى أن نقبل هذا القول فنهدي فرائض صلاتنا لموتانا كلا والله ، بل نحتسبها لنا عند ربنا ، والقائلون بذلك هم مجتهدون مأجورون ، ولا يكون المنتصر لمقالتهم بمنزلتهم في حصول الأجر وحط الوزر ، بل فرضه الاجتهاد والنظر والبحث عن الدليل ليأخذ به ويدعو إلى العمل بموجبه والأصل في قواعد الشريعة أن لا يصلى أحد عن أحد و لا يصوم أحد عن أحد ، كما هو الظاهر من مذهب الأئمة الأربعة ، وأن من مات وعليه فرائض صلوات عجز عن فعلها في حياته أو تعمد تركها في صحته ، فإنها لا تقتضي عنه ، ومن مات وعليه صوم أطعم عن كل يوم مسكين في ظاهر مذاهب الأئمة الأربعة ولم يقولوا بقضاء صومه ما عدا الإمام أحمد ، فإنه خص جواز قضاء الولي لصوم النذر فقط ، وقد قلنا في الرسالة
( ص105): أنه يجوز للأولاد قضاء واجبات آبائهم من صلاة وصوم وحج ، سواء كانت واجبة بطريق الشرع أو النذر ، لورود الأخبار الصحيحة بجواز ذلك وهو اختيار ابن حزم وخلاف ما عليه الأئمة الأربعة.

وأما قوله: » أنه لم يقل بإنكار وصول ثواب الأعمال إلى الموتى غلا بعض أهل البدع، ولهذا ذكرت هذه المسألة في كتب العقائد لبيان الاعتقاد الصحيح وتنفير ما عليه أهل البدع « .

فالجواب: أن نقول مهلا يا أنجشة لا تكسر القوارير وانظر فيما تقول فإن فيه الخلاف الكثير، ونحن لم نجد هذه المسألة بهذه الصفة في شيء من كتب عقائد أهل السنة لا في الواسطية ولا الطحاوية ، ولا عقيدة ابن قدامة ولا في غيرها ، ونحن نطلب من فضيلة الشيخ ، بأن يحيلنا على العقيدة التي ذكرت فيه هذه الجملة ، أي: » وأن إهداء ثواب سائر الأعمال إلى الموتى حق«، أو أن من أنكر وصول ثواب الأعمال إلى الموتى فإنه مبتدع ، ليتضح بذلك صحة ما يدعيه ، ويحيل عهدته على قائليه ، كما قيل:

ونص الحديث إلى أهلـــــــــــــــــــــــــــه

 

فإن الوثيقة في نصــــــــــــــــــــــــــــــــه

وقد ذكر شارح الطحاوية اختلاف أهل السنة في هذه المسألة ، فقال: » اتفق أهل السنة أو الأموات ينتفعون من سعي الأحياء بأمرين ، أحدهما: ما تسبب إليه الميت في حياته، والثاني: دعاء المسلمين واستغفارهم له والصدقة والحج على نزاع « ، قال: » واختلف في العبادات البدنية كالصوم والصلاة وقراءة القرآن والذكر فذهب أبوحنيفة وأحمد وجمهور السلف إلى وصولها والمشهور من مذهب الشافعي ومالك ، عدم وصولها « انتهى.

وحكى في شرح الإقناع عن الأكثرين، أنهم قالوا: لا يصل إلى الميت ثواب القراءة ، وأن ذلك لفاعله ، لقول الله تعالى: » وإن ليس للإنسان إلا ما سعى « ، فالخلاف بين علماء السنة في هذه المسألة واضح مشهور ، ولم تكن مما اتفق عليه الجمهور ، وعدم علم الشيخ به لا ينفي وقوعه ، لأن عدم العلم بالشيء ليس علما بعدمه ، لكن يترجح أن فضيلة الشيخ قد غلط في فهم حقيقة ما قاله العلماء في هذا الابتداع وأسبابه ، فأتى إلى البحث من الخلف ولم يدخل إليه من بابه، وذلك أن أناسا من المتفلسفة والصوفية والمبتدعة تكلموا في الدعاء وقالوا: أنه لا ينتفع به الميت ولا يجدي شيئا على الحي ، فلا ينتفع به الداعي و لا المدعو له ، لأن الذي تدعو به إن كان قد قدر بطريق المشيئة الإلهية ، فإنه سيحصل ، وإن لم تدع وإن لم يقدر ، فإنه لن يحصل دعوت أو لم تدع ، وبثوا من هذه الفكرة ما يقتضي صرف الناس عن هذه العبادة ، فإن الدعاء عبادة من العبادات التي خلق الله الخلق لها ، وأمرهم بها ، كما روى النعمان بن بشير  » أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: الدعاء هو العبادة ، ثم قرأ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين « رواه أبو داود والنسائي والترمذي وصححه، وله من حديث أنس أن الدعاء مخ العبادة ، وله من حديث أبي هريرة  » ليس شيء أكرم على الله من الدعاء ومن لم يسأل الله يغضب عليه « .

ولم يشرع الله الدعاء ويأمر بالإكثار منه إلا لتحقق منفعته للحي والميت ، وهذا القول وهذا الاعتقاد في عدم منفعة الدعاء هو معلوم الفساد بالاضطرار من دين الإسلام ، لكونه يقتضي إبطال الأسباب الذي علقها الله على الدعاء ، لهذا رد عليهم علماء أهل السنة ، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ فقد قال: » من اعتقد أن الإنسان لا ينتفع بدعاء غيره  فقد خرق الإجماع وكذب بالكتاب وبما أرسل الله به رسله والقائلون بهذا هم من جنس القائلين أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل ، فأجابهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله: » اعملوا فكل ميسر لما خلق له « ، والله سبحانه خلق الأسباب والمسببات وجعل هذا سببا لهذا ، فإذا قال القائل: » إن كان هذا قد قدر لي بمشيئة الله ، فإنه سيحصل بدون دعاء ، وإن لم يقدر لي فلم يحصل بالدعاء، فجوابه أن يقال: أنه مقدر بالسبب ، أي الدعاء وليس مقدر بدون السبب، كما أن الله سبحانه قدر دخول الجنة بالأعمال ودخول النار بالأعمال ، وقدر حصول الولد بالوطء والزرع بالسقي إلى غير ذلك من الأسباب، وكذا العلامة ابن القيم ـ رحمه الله ـ فقد عقد فصلا لهذه المسألة في كتابه  » الجواب الكافي « قال: » ليس شيء من الأسباب أنفع من الدعاء ولا أكرم على الله منه ولا أبلغ في حصول المطلوب منه ولما كان الصحابة أعلم الأمة بالله ورسوله وأفقههم في دينه ، كانوا أقوم بهذا السبب وكان عمر يقول: » إني لا أحمل هم الإجابة ولكني أحمل هم الدعاء فإنني إذا أعطيت الدعاء وفقت للإجابة « ، أ.هـ. أضف إلى ذلك أن الدعاء من القدر والقدر يرد القدر، فهو ينفع مما نزل ومما لم ينزل ، كما روى عن ثوبان أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: » لا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر، وأن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه « رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم ، وقال: صحيح الإسناد ، فالأنبياء وخلفاء الرسل يحاربون القدر بالقدر ويحكمون الأمر على القدر ويفرون من القدر إلى القدر ، مع قوة توكلهم على ربهم وأن ما  شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ولا حول ولا قوة إلا بالله ومن أجل رواج هذه الفكرة صار بعض أهل السنة يذكرون انتفاع الأموات بدعاء الأحياء في عقائدهم ، لأن من لم يعتقد ذلك فأقل ما يقال أنه مبتدع ، إن لم يكن كافرا ، قال الطحاوي:

» وفي دعاء الأحياء منفعة للأموات والله يستجيب الدعوات ويقضي الحاجات « أ.هـ.

لكن ينبغي أن نعلم بأن انتفاع الأموات بدعاء الأحياء شيء وإهداء ثواب الأعمال إلى الموتى شيء آخر ، ولا تلازم بينهما ، فإن الداعي إنما يدعو به ولم يهد ثواب دعائه لأحد والدعاء عبادة مستقلة بين العبد وربه ، لا ينتقل ثوابها من الداعي إلى المدعو له ، سواء استجيب له أو لم يستجب له ، وإذا استجيب له لم تكن استجابته من باب إهداء ثوابه ، ولكنه تفضل من الله للمدعو له وللداعي أجر دعائه بكماله ومثله الصلاة على الجنازة ، بما فيها من الدعاء للميت، فقد ورد في الصحيح: » من صلى على الجنازة فله قيراط ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان «، فالمصلى عليها يحتسب ثواب صلاته ودعاءه لنفسه ، ويدعو لميته ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين بالمغرفة والرحمة ، فليس الدعاء من باب إهداء ثواب الأعمال وإن أدخله بعض الفقهاء فيه توسعا ، لأن إهداء ثواب الأعمال هو أن يعمل الإنسان عملا من صلاة وصيام وحج وصدقة وتلاوة قرآن وذكر ، ثم يهدي ثواب ما عمله أو نصفه أو ثلثه لميته ، فيقول: أثبتني على هذا العمل فاجعله لفلان ابن فلان ، فيخرج العامل من ثواب عمله المهدي ، كأنه لم يعمله ويحصل الأجر والثواب لمن لم يعمل وهو خلاف سنة الله وشرعه في الجزاء على الأعمال: » من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره « ،  » يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا « ،  » يوم تجزي كل نفس بما كسبت « ،  » فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون « ،  » واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفي كل نفس ما كسبت وهم لا