![]() |
|
|
فصل
في التذكير بفرض الزكاة وفضلها وما يترتب على إخراجها من الخير والبركة ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال :
" بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله
وإقام الصلاة وايتاء الزكاة والحج وصوم رمضان " . فهذه هي أركان الإسلام لمن
سأل عن الإسلام وهي الفرقان بين المسلمين والكفار والمتقين والفجار ، كما أنها محك
التمحيص لصحة الإسلام ، بها يعرف صادق الإسلام من بين أهل الكفر والفسوق والعصيان
وكل من تأمل القرآن يجده مملوءاً بالأمر بإقام الصلاة وايتاء الزكاة ، لأن الصلاة
عمود دين الإسلام كما أن الزكاة أمانة الله في مال كل غنسان ، لأن الله – سبحانه –
قد افترض في أموال الأغنياء بقدر الذي يسع الفقراء ولن يجهد الفقراء أو يجرعوا أو
يعروا إلا بقدر ما يمنعه الأغنياء من الحق الواجب في مالهم ، وقد قال النبي - صلى
الله عليه وسلم - : " أمرت بأن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله
وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني
دماءهم وأموالهم إلا بحقها " . رواه البخاري ومسلم . ولهذا استباح الصحابة قتال المانعين للزكاة وعدوهم مرتدين
بمنعها ، ولما بلغ عمر بن الخطاب أن قوماً يفضلونه على أبي بكر . قال : أما إني
سأخبركم عني وعن أبي بكر إنه لما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم – ارتدت
العرب فمنعت زكاتها شاءها وبعيرها فاتفق رأينا أصحاب محمد أن أتينا إلى أبي بكر
الصديق فقلنا : يا خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم – كان يقاتل الناس بالوحي
والملائكة يمده الله بهم وقد انقطع ذلك اليوم فالزم بيتك فإنه لا طاقة لك بقتال
العرب كلهم . فقال : أوكلكم رأيه على هذا ! قلنا : نعم . فقال : والله لأن أخر من
السماء فتخطفني الطير أحب إلى من أن يكون هذا رأي . ثم قال : أيها الناس من كان
يعبد محمداً ، فإن محمداً قد مات ، ومن كان يعبد الله ، فإن الله حي لا يموت ،
أيها الناس ، إن قل عددكم وكثر عدوكم ركب الشيطان منكم هذا المركب ، والله ليظهرن
الله هذا الدين على الأديان كلها ولو كره المشركون .. قوله الحق ووعده الصدق ، بل نقذف
بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون ، وكم من فئة قليلة
غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين . والله أيها الناس لو منعوني عقالاً
كانوا يؤدونه إلى رسول الله لجاهدتهم عليه واستعنت بالله عليهم وهو خير معين ،
والله أيها الناس ، لو أفردت من جمعكم لسللت سيفي حتى أبلي في سبيل الله بلوى أو
أقتل في سبيل الله قتلا. قال عمر : فعلمنا أنه الحق فاتبعناه حتى ضرب الناس له
بعطن وإنما استباح الصحابة قتال المانعين للزكاة من أجل أنم الفقراء شركاء
الأغنياء في القدر المفترض لهم في أموال الأغنياء ، فمتى أصر الأغنياء على منعه
وجب على الحاكم جهادهم بانتزاعها منهم ودفعه إلى فقرائهم وهذه هي الاشتراكية
الشرعية التي نزل بها الكتاب والسنة على أن في المال حقاً سوى الزكاة . إنه عند حلول حول الزكاة وطلب الفقراء من الأغنياء حقهم
منها وقالوا : " آتونا من مال الله الذي آتاكم " فعند ذلك يتبين التاجر
المؤمن الأمين من التاجر الخائن المهين ، فالتاجر المؤمن الأمين يحاسب نفسه ويراقب
ربه ويبادر بأداء زكاته طيبة بها نفسه يحتسبها مغنماً له عند ربه ويقول : اللهم
اجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرماً . فهو يعلم من واجبات دينه أن هذا المال فضل من الله ساقه
إليه واستخلفه عليه ليمتحن بذلك صحة إيمانه وأمانته ليبلوني أ أشكر أم أكفر ، فهو
يشكر الله الذي فضله بالغنى على كثير من خلقه وأداء الزكاة هو العنوان على شكر
نعمة الغني بالمال ، لهذا ترى الفقراء يلهجون له بالثناء والدعاء بألسنتهم أو بقلوبهم
ويقولون : تقبل الله منك ما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت وجعله لك طهوراً وأجراً . أما التاجر الخائن المهين ، فإنه يؤثر محبة ماله على طاعة
ربه ويستبيح أكل زكاته وحرمان فقراء بلده منها ، فهو يعدها مغرماً ، أي يجعلها
بمثابة الغرم الثقيل كما قال – سبحانه - : " ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق
مغرماً " وكذلك من الحضر من يتخذ ما ينفق في سبيل الزكاة والصدقة والصلة
مغرماً ، فهو بمثابة الغرم الثقيل في نفسه ، كما قيل : ولم أر
كالمعروف تدعى حقوقه مغارم
في الأقوام وهي مغانم
وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم – " أن الناس في
آخر الزمان يتخذون الأمانة مغنماً والزكاة مغرماً " ، ولهذا يستحب للمؤمن عند
دفع زكاته أن يقول : اللهم اجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرماً . سميت الزكاة زكاة من أجل أنها تزكي المال ، أي تنميه وتنزل
البركة فيه حتى في يد وارثه ، كما أنها تزكي إيمان مخرجها من مسمى الشح والبخل
وتطهره ، يقول الله : " خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها " . وقد
أقسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم – أنها ما نقصت الصدقة مالا ، بل تزيده
" وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين " . فلو جربتم لعرفتم ، وقد قيل : من ذاق عرف ومن حرم انحرف ،
فاسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيراً لأنفسكم ، " ومن يوق شح نفسه فأولئك هم
المفلحون " . فبادروا
بزكاة المال إن بهـا للنفس
والمال تطهيراً وتحصينا أ تحسبون
بأن الله أورثـكم مالا
لتشقوا به جمعاً وتخزينـا وتحرموا
منه فقيراً ومسكينا وتصرفوه
في مرضاة أنفسكـم أنه ما بخل أحد بنفقة واجبة في سبيل الحق من زكاة وصدقة
وصلة إلا سلطه الشيطان على نفقة ما هو أكثر منها في سبيل الباطل ، ثم نعود ونقول :
أنه ما انفق أحد نفقه في سبيل الحق من زكاة وصدقة وصلة إلا أخلفها الله عليه
أضعافاً مضاعفة " من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة
" فحصنوا أموالكم بالزكاة فإنها ما بقيت الزكاة في مال إلا أفسدته وأذهبت
بركته ، جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم – فقال : يا رسول الله أنا ذو مال
كثير وأهل وحاضرة ، فأخبرني ماذا يجب علي في مالي . فقال : تخرج الزكاة من مالك ،
فإنها طهرة تطهرك وتصل أقرباءك وتعرف حق المسكين والجار والسائل ، فأرشده النبي -
صلى الله عليه وسلم – إلى ما ينبغي أن يفعله . فالمال غاد ورائح وموروث عن صاحبه ويبقى المال شرف الذكر
وعظيم الأجر ، فأيما رجل غمره الله بنعمته وفضله بالغني على كثير من خلقه ، ثم
يجمد قلبه على حب ماله وتنقبض يده من أداء زكاته ومن الصدقة منه والصلة لأفاربه
والنفقة في وجوه البر والخير الذي خلق لأجله إنه لرجل سوء وتاجر فاجر قد بدل نعمة
الله كفراً وأحل بغناه دار البوار " يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها
جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون " .
فحذار حذار أن يقول أحدكم هذا مالي أوتيته على حذق مني بكسبه حتى كثر ووفر ، ولكن
ليقل : هذا من فضل ربي ليبلوني أ أشكر أم أكفر ، ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ، فأداء
الزكاة هي العنوان على شكر نعمة الغنى بالمال ، كما أنها الدليل والبرهان على
الأمانة وصحة الإيمان . وفي الحديث " الصدقة برهان " ، أي تبرهن عن
إيمان مخرجها وكونه آثر طاعة ربه على محبة ماله ، وسميت الزكاة صدقة لكونها تصدق
وتحقق إيمان مخرجها ، كما أن منع الزكاة هو العنوان على النفاق ، يقول الله :
" والمنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف
ويقبضون أيديهم ، أي عن أداء زكاة أموالهم " إن بعض الناس في حال فقره يعد
نفسه ويمنيها أن لو أغناه الله لأنفق وتصدق وأدى زكاة ماله ، فلما حقق الله آماله
وكثر ماله فر ونفر وبخل واستكبر ، كما قال تعالى : " فلما آتاهم من فضله
بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا
الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون " . والزكاة قدر يسير يترتب عليها أجر كبير وخلف من الله كثير ،
وهي في النقود وفي مال التجارة ربع العشر ويستحب للمسلم أن يجعل له شهراً معيناً
معلوماً يحصي فيه ماله ويخرج زكاته فبعض الناس يستحب إخراجها في محرم إذ أنه بدأة
السنة وبعضهم يجعلها في رمضان لفضل الصدقة والنفقة فيه غير أنه لا يجوز أن ينتقل
في دفعها من محرم إلى رمضان أما تعجيل الزكاة قبل حولها ، فيجوز للحاجة الحاضرة بخلاف
تأخيرها عن وقتها فإنه لا يجوز ، ففي خمسمائة ريال إذا حال عليها الحول اثنا عشر
ريالاً ونصف ، وفي أربعة آلاف ريال مائة وفي أربعين ألفاً ألف واحد ، وهكذا الحساب
يجري على هذا المنوال . والأوراق المتعامل بها عند الناس المسماة بالنيطان
والدولارات والجنيهات الاسترلينية هي بمثابة نقود الذهب والفضة يجب فيها الزكاة
على حسب أثمانها في البلد ومن له وديعة نقود في البنك أو عند تاجر من التجار ، وجب
عليه أن يخرج زكاتها عند راس الحول ، الذين يودعون النقود ثم لا يودون زكاتها هم
آثمون وعاصون وجدير بهذه النقود التي لا تؤدى زكاتها أن تنتزع منها البركة وأن يحل
بها الشؤم والفشل ويحرم صاحبها من بركتها ، لأنها ما بقيت الزكاة في مال إلا
أهلكته وما هلك مال في بر ولا بحر ولا جحود ولا عصب إلا بحبس الزكاة عنه والمال
المجعول أسهماً في شركة الأسمنت أو شركة الكهرباء أو شركة الأسمدة أو الملاحة أو
شركة الأسماك أو أي شركة من الشركات ، فإنه يجب فيه على صاحبه الزكاة عند رأس
الحول ، بحيث يخرج زكاته على قدر قيمته ، أشبه عروض التجارة لأنه لو أراد بيع رأس
ماله لباعه من ساعته ، وإذا تحصل صاحبه على ربح فإنه يخرج زكاته عندما يقبضه ، لأن
ربح التجارة ملحق برأس مال التجارة وكذلك العقار المعد للإيجار ، فقد صار في هذا
الزمان من أنفس أموال التجار ، حتى أن أحدهم ليؤجر العمارة الواحدة بمائة ألف أو
بخمسين ألفاً أو أقل أو أكثر في السنة الواحدة ، وما كان شرع الإسلام المبني على
مصالح الخاص والعام ليهمل هذا المال الكثير بدون إيجاب حق فيه للفقير ، والنبي -
صلى الله عليه وسلم – أمر أن تخرج الصدقة أي الزكاة من الذي نعده للبيع وما أعد
للكرى ، فهو بمثابة ما أعد للبيع والشراء أشبه الحلي المعد للكرى ، فإن فيه الزكاة
بإجماع العلماء ، ولسنا نقول بإيجاب تثمين العقار وإخراج زكاة قيمته ، لأن فيه
إجحافاً للملاك ولا نقول بإسقاط زكاته فإن فيه إجحافاً للفقراء وإنما القول القصد
الوسط في هذا المقام الهام : أنه يجب إخراج الزكاة من غلة العقارات ، فمن تحصل على
أربعة آلاف أخرج زكاتها مائة ريال أو تحصل على أربعين ألفاً ، أخرج زكاتها ألفاً واحداً
، أو أربعمائة ألفاً خرج زكاتها عشرة آلاف وليس على المسلم زكاة في البيت الذي
يسكنه ولا في السيارة التي يركبها ولا في السيارة التي يعيش عياله من كسبها ، ولا
في آلات النجارة أو الحدادة التي يمتهن بها ويتكسب بها ، كأدوات البناء وغيرها . قياساً على العوامل التي أسقط النبي - صلى الله عليه وسلم –
الزكاة فيها . وتجب الزكاة في حلي النساء ، أي المصاغات من الذهب الموجودة عند
النساء المثريات اللاتي يتخذنه خزينة لا زينة ، فيجب أن تخرج زكاته مصوغاً على حسب
قيمته . فمتى كانت المصاغات تبلغ أربعة آلاف ريال أخرجت زكاته مائة ريال أو أربعين
ألفاً أخرجت زكاته ألفاً واحداً ، ويجري الحساب الزائد والناقص على حسب ذلك . أما
المصاغات التي تستعملها المرأة في الزينة وتعيرها غيرها ، فقد رجح الفقهاء سقوط
الزكاة فيه ، لأن زكاته لبسه وإعارته . والزكاة في النقود وفي التجارة وفي اإبل وفي
الغنم هي من أسباب بركة المال ونموه وحفظه من الآفات وأكثر ما يجني على المال
بالهلاك والتلف والشؤم والفشل ونزول الآفات من الجرب وغيره .. كل هذا من أسباب منع
الزكاة . أضف إلى ذلك كونه يعذب به صاحبه يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها
جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتـم تكنزون " . |