![]() |
|
|
فصل في المحافظة على
الصلوات هي العنوان على صحة الايمان إن الله – سبحانه – خلق الخلق لعبادته وأمرهم بتوحيده
وطاعته . أوجب ذلك عليهم في خاصة أنفسهم وأن يجاهدوا عليه أهلهم وأولادهم بقول
الله : وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم " وأعظم الجهاد جهاد الإنسان
نفسه وأهله وعياله على عبادة ربهم ، فالطاعة قيد النعم والمعاصي من أسباب حلول
النقم ورأس الطاعة بعد الشهادتين . الصلاة التي هي عمود الديانة ورأس الأمانة تهدي
إلى الفضائل وتكف عن الرذائل تذكر بالله الكريم الأكبر . وتصد عن الفحشاء والمنكر
، يقول الله : " اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن
الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر " تفتح باب الرزق وتيسر الأمر وتشرح الصدر
وتزيل الهم والغم وهي من أكبر ما يستعان بها على أمور الحياة وعلى جلب الرزق وكثرة
الخيرات ونزول البركات . وكان الصحابة إذا حزبهم أمر من أمور الحياة أو وقعوا في شدة
من الشدات ، فزعوا إلى الصلاة ، لأن الله يقول : " واستعينوا بالصبر والصلاة
" فهي قرة العين للمؤمنين في الحياة ، كما في الحديث ، أن النبي – صلى الله
عليه وسلم – قال : " حبب إليَّ من دنياكم الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في
الصلاة " رواه الإمام أحمد والنسائي من حديث أنس . وهي خمس صلوات مفرقة بين
سائر الأوقات لئلا تطول مدة الغفلة بين العبد وبين ربه ، من حافظ عليها كان له عند
الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يحافظ عليها لم يكن له عند الله عهد . فرضت الصلاة
على النبي - صلى الله عليه وسلم – بمكة ليلة الإسراء فهي أول ما فرض من شرائع
الإسلام ، كما أنها آخر ما يفقد من دين كل إنسان فليس بعد ذهابها إسلام ولا دين . وقد وصفها رسول الله - صلى الله عليه وسلم – بنهر غمر – أي
كثير – يغتسل منه المسلم كل يوم خمس مرات ، هل يبقى من دونه شيء ؟ قالوا : لا .
قال : فكذلك الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا . رواه مسلم من حديث جابر . سميت صلاة من أجل أنها تشتمل على الدعاء . أو من أجل أنها
صلة بين العبد وبين ربه ، فالمصلي متصل موصول من فضل الله وبره وكرمه ، كما في
الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال : " آمركم بالصلاة فإن الله ينصب
وجهه قبل وجه عبده ما لم يلتفت في صلاته " ، فالمحافظة على فرائض الصلوات في
الجماعات هي العنوان على صحة الإيمان ، لأن الله يقول : " إنما يعمر مساجد
الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وأتى الزكاة ولم يخش إلا الله "
. وعمارتها تحصل بالصلاة فيها ومن بنى مسجداً يحتسب ثوابه عند الله بنى الله له
قصراً في الجنة . أما من بنى مسجداً ثم هجره من الصلاة فيه فإنه آثم في عمله
وهجرانه لمسجد ربه ، وإنما بنيت المساجد ونصبت فيها المآذن وشرع النداء فيها كله لقصد
الصلاة جماعة الذي يستدعي التعارف والتآلف بين المسلمين . وكان الصحابة يرون التارك للصلاة في الجماعة منافقاً ،
يقولون ذلك ولا يتأثون ، كما في صحيح مسلم عن ابن مسعود ، قال : لقد رأيتنا وما
يتخلف عن الصلاة في الجماعة إلا منافق معلوم النفاق ، لأن من صفة المنافقين ما
أخبر الله عنهم بقوله : " وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعباً ذلك
بأنهم قوم لا يعقلون " ، فنفى الله عنهم العقل الصحيح من أجل عدم إجابتهم
لنداء الصلاة الذي هو نداء بالفلاح والفوز والنجاح . لأنه إنما سمي العقل عقلا من
أجل أنه يعقل عن الله مراده . أمره ونهيه أو من أجل أنه يعقل صاحبه على المحافظة
على الفرائض والفضائل ويردعه عن منكرات الأخلاق والرذائل . لن ترجع
الأنفس عن غيها مالم
يكن منها لها زاجـر
إنه لو كان عند هؤلاء التاركين للصلاة في الجماعة عقل صحيح
لما أهملوا حظهم من هذا الفلاح والمنادي ينادي فيهم : حي على الصلاة حي على الفلاح
. والنبي - صلى الله عليه وسلم – يقول : " من دعي إلى الفلاح فلم يجب لم يرد
سمع داعي الله بالصلاة ، ثم لا يجيب " وقد هم رسول الله - صلى الله عليه
وسلمبإحراق بيوت المتخلفين عن الصلاة في الجماعة لو لا ما اشتملت عليه البيوت من
الذرية والنساء الذين لا تجب عليهم الجماعة .. سيما إذا كان هذا التارك للصلاة في
الجماعة من المنتسبين للعلم أو من الأساتذة المعلمين فيسمع النداء ثم يصر مستكبراً
عن الحضور إلى المسجد ، فإنه يكون فتنة للعامة لأن تخلفه بمثابة الدعاية السافرة
والتعليم منه بهجران المساجد ، حيث يتوهم العامة بنظرهم إليه أن صلاة الجماعة ليست
بواجبه . والنبي - صلى الله عليه وسلم – قد حذر من الاغترار بمثله ، فقال : "
ما بال أقوام يتخلفون عن الصلاة في الجماعة فيتخلف بتخلفهم آخرون أولئكم شراركم
وأولئكم شراركم " ، لأن الناس يقلد بعضهم بعضاً في الخير والشر .. وقال :
" ما من ثلاثة في قرية أو في بر لا تقام فيهم الصلاة جماعة إلا استحوذ عليهم
الشيطان فعليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية . ومن المشاهد بالتجربة والاعتبار أن الذين لا يشهدون الصلاة
في الجماعة أنهم غالباً لا يصلون وحدهم ، لأن التهاون بالشيء مدعاة إلى تركه . إن رأس العلم خشية الله ، فلو كان عند هؤلاء المنتسبين
للعلم نصيب من خشية الله لما أهملوا حظهم من حضور الصلاة في الجماعة التي من حافظ
عليها كان في ذمة الله وعهده ورعايته ، كما في الحديث الصحيح أن النبي – صلى الله
عليه وسلم – قال : " من صلى الفجر في جماعة كان في ذمة الله حتى يمسي "
وقال : " من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف الليل ، ومن صلى الفجر في
جماعة كان كقيام الليل كله " ، والمتخلف عن الجماعة قد خسر هذا الخير كله . إن أعظم الناس بركة وأشرفهم مزية ومنزلة الرجل يكون في
المجلس وعنده جلساؤه وأصحابه وأولاده وخدمه ، فيسمع النداء بالصلاة فيقوم إليها
فزعاً وفرحاً ويأمر من عنده بالقيام إلى الصلاة معه فيؤمنون مسجداً من مساجد الله
لأداء فريضة من فرائض الله .. يعلوهم النور والوقار على وجوههم ، كل من رآهم ذكر
الله عند رؤيتهم .. أولئك الميامين على أنفسهم والميامين على جلسائهم وأولادهم
" أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب " . وبضد هؤلاء قوم يجلسون في المجالس وفي المقاهي وفي النوادي
وفي ملاعب الكرة ، فيسمعون النداء بالصلاة ثم لا يجيبون .. ألسنتهم لاغية وقلوبهم
لاهية ، قد استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذرك الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب
الشيطان هم الخاسرون .. فهؤلاء هم المشائيم على أنفسهم والمشائيم على جلسائهم
وأولادهم . يشقى رجال
ويشقى آخرون بهم ويسعد
الله أقوامــاً بأقــوام
أما التارك للصلاة بالكلية ، بحيث يمر عليه اليوم واليومان
والشهر والشهران وهو لا يصلي وربما يتعذر بعدم طهارة ثوبه وسراويله .. فهذا كافر
قطعاً بشهادة رسول الله عليه " وقد خاب من افترى " .. ففي الصحيح عن
جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال : " بين الرجل وبين الكفر ترك
الصلاة من تركها فقد كفر " . وقال : " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة
فمن تركها فقد كفر " .. وروى " لا دين لمن لا صلاة له إن موضع الصلاة من
الذين كموضع الرأس من الجسد " ، لأن الصلاة عمود دين الإسلام وهي آخر ما يفقد
من دين كل إنسان . ولهذا كان العلماء يسمونها الميزان ، فإذا أرادوا أن يبحثوا
عن دين إنسان سألوا عن صلاته ، فإن حدثوا بأنه يحافظ على الصلاة علموا بأنه ذو دين
وأنه مؤمن ، وإن حدثوا بأنه لا حظ له في الصلاة علموا بأنه لا دين له ، ومن لا دين
له جدير بكل شر بعيد عن كل خير وعادم الخير لا يعطيه وكل إناء ينضح بما فيه .. فإن
تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين . خسر الذي ترك الصلاةة وخابا وأبى معاداً
صالحــاً ومآبــا إن كان يجحــدها فحسبك أنه أضحى بربك كافـراً
مرتابــا أو كان يتركهــا لنوع تكاسل غطى على وجه
الصواب حجابا فالشــافعي ومالك رأيــا له إن لم يتب حـد
الحسام عقابــا وقد حكى بعض العلماء إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة
عمداً ، كما أن أئمة المذاهب الأربعة قد أجمعوا على كفر من استباح ترك الصلاة ، إذ
لا يصر على ترك الصلاة مؤمن بوجوبها .. فحافظوا على فرائض ربكم وخذوا بأيدي
أولادكم إلى الصلاة في المساجد معكم ، فإن من شب على شيء شاب على حبه ، ولأنه بأخذ
يد الولد إليها ومجاهدته عليها يعود حبها ملكة راسخة في قلبه تحببه إلى ربه وتقربه
من خلقه وتصلح له أمر دنياه وآخرته ولنها بمثابة الدواء الفرد تقيم اعوجاج الولد
وتصلح منه ما فسد وتذكره بالله الكريم الأكبر وتصده عن الفحشاء والمنكر .. وإنكم
متى أهملتم تربية أولادكم فلم تهذبونهم على فعل الصلاة في المساجد معكم ، فإنه لا
بد أن يتولى تربيتهم الشيطان ، فيجب إليهم الكفر والفسوق والعصيان وصدق الله
العظيم " ومن يعش – أي يعرض – عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين
وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون " . أما إذا ترك الوالد الصلاة ، فإن الولد يتأسى به في تركها ،
لأن الوالد مدرسة لأولاده في الخير والشر ، وإذا صلح الراعي صلحت الرعية وإذا فسد
الراعي فسدت الرعية . فمتى ترك الوالد الصلاة تركها الولد وتركتها الزوجة والبنات
أو شرب الوالد المسكرات شربها الولد أو شرب الدخان ( لتنباك ) شربه الولد أو أطلق
لسانه باللعن والشتم عند أدنى مناسبة ، أطلق أولاده ألسنتهم بهما ، لأن هذا بمثابة
التعليم الذي ينطبع في أخلاقهم والجريمة جريمة المربي الذي لم يؤسس فعل الخير في
أولاده ، كما يجب على المرأة المحافظة على واجبات دينها من طهارتها وصلاتها وأن
تأمر بذلك أولادها وبناتها ، فإنها مسؤولة عن حسن تربيتهم . وفي الحديث "
المرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها " . فيا معشر شباب المسلمين ، إن الله – سبحانه – قد شرفكم
بالإسلام وفضلكم به على سائر الأنام ، متى قمتم بالعمل به على التمام وأن دين
الإسلام هو بمثابة الروح لكل إنسان فضياعه من أكبر الخسران وأنه ليس الإسلام هو
محض التسمي به باللسان والانتساب إليه بالعنوان ولكنه ما وقر في القلب وصدقته
الأعمال .. لأن للإسلام صوى ومناراً كمنار الطريق يعرف به صاحبه . فاعملوا
بإسلامكم تعرفوا به وادعوا الناس إليه تكونوا من خير أهله فإنه لا إسلام بدون
العمل ، وقد وصف الله المؤمنين بقوله : " والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء
بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله
" ، فمتى سافر أحدكم إلى الأقطار الأجنبية لحاجة التعلم أو لحاجة العلاج أو
لحاجة التجارة فمن واجبه أن يظهر إسلامه في أي بلد يحل به فيدعو إلى دينه وإلى
طاعة ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ، وإذا حضرت فريضة من فرائض الصلوات وجب عليه أن
يبادر بأدائها في وقتها فيأمر من عنده من جلسائه وزملائه بأن يصلوا جماعة حتى يكون
مباركاً على نفسه ومباركاً على جلسائه وزملائه . أما إذا أهملتم تربية أنفسكم وأولادكم وضيعتم فرائض ربكم
ونسيتم أمر آخرتكم وصرفتم جل عقولكم وجل أعمالكم واهتمامكم للعمل في دنياكم واتباع
شهوات بطونكم وفروجكم .. ولم ترجعوا إلى طاعة ربكم صرتم مثالا للمعايب ورشقاً
لنبال المثالب وسيسجل التاريخ مساوئكم السيئة التي خالفتم بها سيرة سلفكم الصالحين
الذين شرفوا عليكم بتمسكهم بالدين وطاعة رب العالمين فلا أدري من أحق بلأمن إن
كنتم تعلمون . فانتبهوا من غفلتكم وتوبوا من زللكم زحافظوا على فرائض ربكم وأطيعوا
الله ورسوله إن كنتم مؤمنين . |