الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

فصل في ختام شهر الصيام

إن الله سبحانه يختص برحمته من يشاء فيفضل إنساناً ومكاناً على مكان وزماناً على زمان ، وقد خص الله بالتفضيل شهر رمضان ، حيث أنزل فيه القرآن وأوجب فيه على المؤمنين الصيام وجعله شهر جد واجتهاد ومزرعة للعباد وتطهير للقلوب من الفساد وقمع وللشهوة الشره والعناد ، فمن زرع فيه خيراً حمد عاقبة أمره وقت الحصاد . شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار .

وقد قوضت الآن منه الخيام وتقلصت منه الليالي والأيام وأنه لنعم الشاهد بما عملتموه والحافظ لما أودعتموه إنه لأعمالكم بمثابة الخزائن المحصنة والصناديق المصونة وستدعون يوم القيامة لفتحها يوم تجد كل نفس مالها وعليها والرب ينادي عليها : يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ، ثم أوفيكم إياها ، فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه .

صعد النبي - صلى الله عليه وسلم – المنبر ، فقال : " آمين آمين " ، قالوا علام أمنت يا رسول الله ، فقال : " جاءني جبريل فقال : يا محمد رغم أنف امرئ دخل عليه شهر رمضان ثم خرج ولم يغفر له فأدخله النار فأبعده فيها قل : آمين .. فقلت : آمين " ، فهذا الرجل الذي دخل عليه شهر رمضان شهر النفحات شهر إقامة العثرات شهر مضاعفة الحسنات شهر تكفير السيئات ، ثم خرج ولم يحظ فيه لا بمغفرة ولا برحمة ولا بإقالة عثرة ولا بقبول توبة ، إنه لرجل سوء قد سد باب الخير والرحمة عن نفسه ، حيث ساءت خليقته وأحاطت به خطيئته فأفنى شهره ودهره في البطالة وعدم الطاعة حتى لم يبق للصلاح منه موضع ولا لحب الخير من قلبه منزع ، قد رضي لنفسه بأن يخسر حين يربح الناس وأن يعقد ويرقد حين يصلي الناس وأن يأكل ويشرب حين يصوم الناس وإن هذا والله لهو الغاية في الإفلاس والإبلاس ولا يرضى به سوى من سفه نفسه من الناس ، كهؤلاء الإباحيين الملحدين الذين لا يتقيدون بالدين الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات وخرقوا سياج الشرائع .. واستخفوا بحرمات الدين واتبعوا غير سبيل المؤمنين ، ثم يدعي أحدهم الإسلام ، بمعنى الجنسية لا بالتزام أحكامه الشرعية ، فتراه لا يصلي ولا يصوم ولا يؤدي الزكاة الواجبة وقد قلنا غير مرة : أنه لا يستحل ترك الصلاة والصيام عمداً من غير عذر سوى ملحد مرتد عن دين الاسلام .. ترونه يمشي مع الناس في صورة إنسان لكنه يعيش بأخلاق أخس حيوان ، فهو شر من الكلب والخنزير ، قد ساءت طباعه وفسدت أوضاعه فعصى رب العالمين ، واتبع غير سبيل المؤمنين ولم يأمر الله على لسان نبيه بقتل المرتد التارك لدينه إلا رحمة بمجموع الأمة أن تفسد به أخلاقهم فإن الأخلاق تتعادى والطباع تتنافل والمرء على دين خليله وجليسه .. قتل هذا الملحد ما أكفره ، أمره ربه بالصلاة فتركها وأمره بالزكاة فأكلها ، وأمره بالصيام فأكل وشرب في نهار رمضان ، ومع هذا الكفر المتظاهر البواح فإنه يتسمى بالإسلام وقد جمع بين ضلال مع إصرار وكفر مع استكبار لا ندم يعقبه ولا استغفار " ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون " ، " وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ويل يؤمئذ للمكذبين " .

إن الله سبحانه قد أنزل في كتابه المبين التعزية والتسلية للمؤمنين عن هؤلاء المرتدين عن الدين ، فقال تعالى : " ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئاً ، يريد الله أن لا يجعل لهم حظاً في الآخرة ولهم عذاب عظيم ان الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئاً ولهم عذاب أليم " .

وقال تعالى : " إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم " . إنه ما ظهر الإلحاد والزندقة في بلد الكفر أهلها بالشريعة الإسلامية وتركوا الصلاة والزكاة والصيام الفرضية وسائر الطاعات المرضية واستباحوا المنكرات وشرب المسكرات الوبية إلا فتح عليهم من الشر كل باب وصب عليهم ربك سوط عذاب " واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب " . فالصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر .. رواه مسلم من حديث أبي هريرة .