الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

فصل في فضل الدعاء وتحقق نفعه لدفع البلاء ورفعه

قال الله سبحانه : " وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون " .

فهذه الآية توجد متوسطة بين آيات الصيام من سورة البقرة ، والحكمة في وضعها بين آيات الصيام أن المؤمن الصائم يتوسع في أفعال الطاعات ويكثر من الدعاء والتضرع إلى الله لعلمه أن للصائم دعوة ما ترد وسبب نزولها أن أناساً قالوا النبي – صلى الله عليه وسلم - : يا رسول الله أربنا قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه " ، فأنزل الله هذه الآية . وكان رسول الله في سفر وكان الصحابة إذا علوا الربا كبروا وهللوا . وإذا هبطوا الأودية سبحوا يرفعون بذلك أصواتهم . فنادى منادي رسول الله : أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً وإنما تدعون سميعاً قريباً أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته .

فقوله : " وإذا سألك عبادي عني : أي عباد الإجابة والدعوة الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه . وإلا فكل الناس عبيد الله بطريق القهر والخلق والتكوين ، ولكن السائلين المتضرعين هم عباد الله الصالحون المخلصون الذين يعبدون الله ويدعونه بما شرع لهم ولا يدعون معه أحداً غيره .

فالدعاء عبادة ، لما روى النعمان بن البشير ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال : " الدعاء هو العبادة " ، ثم قرأ " وقال ربكم ادعوني أستجيب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين " . رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان وقال صحيح الإسناد .

وفي رواية " الدعاء مخ العبادة ومخ الشيء خالصه فليس شيء أكرم على الله من الدعاء لأنه عماد الدين ونور السموات والأرض وسلاح المؤمن وأنه لن يهلك مع الدعاء " أحد ، كما ثبت بذلك الهديث ، والله يحب أن يسأل ويحب الملحين في الدعاء ومن لم يسأل الله يغضب عليه .

الرب يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب

ونظير هذا ما حكى الله عن نبيه يونس – عليه السلام – وذلك أنه لما غاضبه قومه ولم يقبلوا هدى الله الذي جاء به خرج من البلد مغاضباً فركب في سفينة ، ثم إن السفينة أشرفت على الغرق فقذفوا في البحر جميع ما تحمله لتخف وترتفع فلم ترتفع فاتفقوا على أن يعملوا قرعة فمن وقع عليه سهم القذف رموا به في البحر ، فوقع سهم الإلقاء على نبي الله يونس بن متى ، فرموا به في البحر لكون الأنبياء أشد الناس بلاء في الدنيا ، قال الله : " فساهم فكان من المدحضين " ، أي الملقين فالتقمه الحوت وهو مليم ، أي أن الله – قد لامه على شدة الغضب الذي خرج من البلد بسببه ، وكان من واجبه أن يصبر نفسه على أذى قومه .. فعند ذلك دعا ربه وهو في ظلمات ثلاث : ظلمة البحر وظلمة الليل وظلمة بطن الحوت .. فكان من دعائه : " لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " ، قال الله – سبحانه - : "فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين " ، ثم ذكر الله سبب هذا الإنجاء وأن سببه كثرة دعائه لربه في حالة الرخاء ، فقال تعالى : " فلو لا أنه كان من المسبحين ، أي في حال الرخاء للبث في بطنه إلى يوم يبعثون " وفي الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال : " دعوة أخي ذي النون ما دعا بها مكروب إلا استجاب الله له " " لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من اظالمين " ، فمن أحب أن يستجيب الله له عند الشدائد فليكثر من الدعاء في الرخاء وإذا دعا المسلم بدعاء ليس فيه إثم ولا قطعية رحم حصل له إحدى ثلاث خصال : إما أن يعجل الله له دعوته أو يدخرها له في الآخرة أو يدفع عنه من السوء مثلها .. قالوا : إذاً نكثر نكثر يا رسول الله ، قال : فضل الله أكثر ، ومن فتح باب الدعاء وذاق حلاوته فقد فتح له باب الخير والرحمة والإجابة ، كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب : إني لا أحمل هم الإجابة ولكن أحمل هم الدعاء فإذا أعطيت الدعاء وفق للإجابة .

ولهذا يقال : يا ابن آدم لقد بورك لك في حاجة أكثرت فيها من قرع باب سيدك ، ومتى كان الدعاء عبادة ، بل هو مخ العبادة والإنسان مخلوق للعبادة ، لأن الله يقول : " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " فإنه لا ينبغي للإنسان أن يسأم من الدعاء ولا يعجز عنه ، ففي الحديث " يستجاب لأحدكم ما لم يعجل ، يقول : قد دعوت ودعوت فلم يستجب لي " ، وأفضل العبادة انتظار الفرج وفي الحديث الوذوا بياذا الجلال والإكرام : أي الزموا وداوموا .

والله يقول : " قل ما يعبأ بكم ربي لو لا دعاؤكم " ، سواء قلنا أن المراد به دعاء العبادة أو دعاء المسألة .

فالدعاء بمثابة الأشجار المثمرة والخزائن المدخرة ينفع مما نزل ومما لم ينزل فهو يدفع البلاء بعد انعقاده ، وقبل نزوله ويرفعه بعد نزوله .. لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " لا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر وأن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه " فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم – أن الدعاء يرد القدر والقضاء وفي دعاء القنوت " وقنا واصرف عنا شر ما قضيت " فلو لم يكن الدعاء سبباً في صرف شر القدر والقضاء ..لما شرعه النبي وأرشد إليه أمته .. وفي مراسيل ان النبي - صلى الله عليه وسلم – قال : " حصنوا أموالكم بالزكاة وداووا مرضاكم بالصدقة واستدفعوا أمواج البلاء بالدعاء والتضرع " . وفي حديث ابن عباس : أن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال له : " احفظ الله يحفظك .. احفظ الله تجده تجاهك .. تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة إذا سألت فاسأل الله .. وإذا استعنت فاستعن بالله " رواه الترمذي بطوله وقال حديث حسن صحيح .

إنه متى كان الإنسان له معاملة مع ربه بالدعاء والتضرع في حالة رخائه وسرائه ، ثم وقع في شدة من الشدات فدعا الله – عز وجل - ، قالت الملائكة يا رب صوت معروف من عبد معروف .. اللهم استجب دعاءه . ولهذا كان من دعاء بعض السلف : اللهم انك أمرت بالدعاء ووعدت بالإجابة وقد سألتك كما أمرتني فاستجب لي كما وعدتني . إن الإحسان هو أن تعبد الله كأنك تراه وتعتقد بأن دعاءك واقع بمسمع من الله .. كانت عائشة – رضي الله عنها – تقول : سبحان من وسع سمعه الأصوات لقد أتت المجادلة ، أي خولة بنت ثعلبة – إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم – تشتكي زوجها – أي أوس بن الصامت – وتقول : إنه أفنى شبابي وأكل مالي وكان لي منه عيال فلما كبر سنه ظاهر مني أشكو إلى الله حالي والله إني لفي كسر البيت أسمع بعض كلامها ويخفي على بعضه ، فما برحت من مكانها حتى سمع الله شكواها وأنزل الله : " قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميه بصير " . إنه يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين إنه هو السميع العليم " .

وللدعاء آداب ينبغي للداعي أن يتأدب بها ، لأن من حرم الأدب حرم التوفيق ، كما أنها بمثابة الباب الذي يدخل على إجابة الدعاء من طريقه ن والله يقول : " وأتوا البيوت من أبوابها " ، الأول : طيب المطعم وتنظيف البطن عن أكل الحرام . فقد ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم – الرجل الذي يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يقول : يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام ، فأنى يستجاب لذلك " رواه مسلم من حديث أبي هريرة . فكأن هذا بفعله قد سد باي الإجابة عن نفسه ، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم – لسعد بن أبي وقاص : " يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة .. الثاني : أن يبدأ في دعائه بحمد الله والثناء على ربه والصلاة على نبيه ، ثم يدعو بحاجته ، فقد سمع النبي - صلى الله عليه وسلم – رجلا يدعو ولم يحمد الله ولم يصل على النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال : " عجل هذا ، ثم دعاه فقال : إذا دعا أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه ثم يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم – ثم يدعو بحاجته لكون الوسائل مطلوبا تقديمها أمام المسائل ، يقول الله : " وابتغوا إليه الوسيلة " ، فتقديم الثناء على الله والصلاة على رسوله هي نعم الوسيلة التي ترفع الدعاء إلى الله ، ومنها أن يمد يديه في دعائه ، لأن في مد اليدين إظهاراً للتذلل والعبودية وإشعاراً بأنه فقير إلى ربه في كل حالاته . وفي الحديث " إن ربكم حي كريم يستحي من عبده إذا مد إليه يديه أن يردهما صفراً ، أي خائبتين " رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وصححه الحاكم مكن حديث سلمان .

ومنها أن يدعو بقلب حاضر موقن بالإجابة ، وللدعاء في السجود سر عجيب ، كما في الحديث " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم " فيدعو في سجوده سائر حاجاته من أمور الدنيا والآخرة وبصلاح دنياه وآخرته . وللدعاء أمر عجيب وحسن عاقبة في إصلاح الحال وإصلاح المال والعيال والتوفيق لصالح الأعمال .. فالذي له حظ ونصيب من الدعاء والتضرع إلى الله في كل حالاته وسائر حاجاته ويدعو له أبوه أو تدعو له أمه أو يدعو له الناس على حسن أعماله تجده ملحوظاً من الله بالتوفيق والتسديد وإصلاح الشأن والمحبة في قلوب الناس . أما من ليس له نصيب من الدعاء ولم يذق حلاوة المناجاة ويستكبر عن عبادة ربه ودعائه .. فهذا يعد محروماً من الخير محروماً من التقرب إلى الله والتحبب إليه قد سد عن نفسه باب الرحمة والاستجابة . لأن نزع حلاوة المناجاة من القلب هي أشد عقوبة يعاقب بها الشخص وهو لا يشعر . وقد استعاذ النبي - صلى الله عليه وسلم – من أربع ، فقال : " اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع وقلب لا يخشع ونفس لا تشبع ومن دعاء لا يسمع : أي لا يستجاب له " .

ومتى كان الدعاء عبادة ، بل هو مخ العبادة ، فليعلم أن من صرف هذه العبادة لغير الله فقد أشرك بالله ووقع في الشرك الأكبر الذي لا يغفر .. فمن دعا نبياً أو دعا ولياً أو دعا عبد القادر أو دعا العيدروس أو دعا صاحب قبر من القبور فقد أشرك بالله ومن أشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار ومن يشرك بالله فقد حبط عمله . وأخبر الله بأنه لا أضل ولا أظلم ممن يدعو مخلوقاً دون الله ويتوسل به في قضاء حاجاته وتفريج كرباته ، فقال – سبحانه - : " ومن أضل ممن يدعو من دون من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين " .. فسمى الله دعاء الأنبياء والأولياء عبادة ، فهؤلاء الذين يترددون رجالا ونساء على بعض القبور ويزعمون أنه قبر ولي وأنه يتصرف في الكون فيسألونه ويتوسلون به في قضاء حوائجهم وتفريج كربهم هم بالحقيقة من أضل الناس طريقة وأفسدهم عقيدة ، وأنه لا أجهل ولا أظلم ولا أضل منهم . وإلا فكيف يدعون ميتاً رميماً في قبره لا يستطيع زيادة في حسنات نفسه ولا نقصاً من سيئاته فضلا عن أن ينفع غيره .. يقول الله : " وإن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير " آية 14 – فاطر . وهو الله ومثله الذين يأتون عند قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم – فيتضرعون إليه ويسألونه ، يقول أحدهم : يا محمد أغثني ، يا محمد اشفع لي عند ربي .. وإذا قام أحدهم أو قعد قال : يا رسول الله أو يا علي .. فإن معنى يا رسول الله ادعوا رسول الله ، ومعنى يا علي أو عبد القادر ادعو علياً أو أدعو عبد القادر . والله يقول : " ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله " .

وشفاعة الرسول لا تنال من أشرك بالله ، وإنما تكون لمن وحد الله ولم يشرك به أحداً .. ولما قال رجل للنبي - صلى الله عليه وسلم - : من أحق الناس بشفاعتك يا رسول الله ! ، فقال : " من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه " فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص ولا تكون لمن أشرك بالله . قال رجل للنبي - صلى الله عليه وسلم - : إنا نستشفع بك على الله ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " شأن الله أكبر من ذلك .. إنه لا يشفع بالله على أحد من خلقه " ، فنهى رسول الله عن الاستشفاع به أو بجاهه وأمر أمته بأن يخلصوا دعاءهم لربهم وأن يكثروا من الصلاة عليه فقال قولوا : " اللهم صلّ على محمد اللهم بارك على محمد اللهم آت محمد الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته ، فأمر أمته بأن يدعوا له ، لأن الذي يدعي له لا يدعي " ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك ، فإن فعلت فإنك إذاً من الظالمين " .. نعوذ بالله من الشرك والشك وسوء الأخلاق وفساد الاعتقاد .