الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

فصل في المسارعة إلى الخيرات قبل الفوات أو الوفاة

قال الله – سبحانه - : " وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أُعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون . أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين " .

فأمر الله عباده بأن يبادروا ويسارعوا إلى الأعمال الصالحات قبل الفوات وقبل أن تحين الوفاة ، فإن للتأخير آفات ، ولهذا أمر – سبحانه – بالأخذ بالحزم وفعل أولي العزم في المبادرة إلى أفعال هذه الخيرات . فهي التي تؤهلهم من المغفرة والرحمة والفوز بالجنات وقد مضى للأنبياء والأولياء أمثالها ، فقال تعالى " إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين " .

وكما وصف الله عباده الصالحين بها ، فقال تعالى : " والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون " ، وقد سألت عائشة – رضي الله عنها – فقالت : يا رسول الله أهم الذين يسرقون ويزنون ؟ ، قال : " لا يا ابنة الصديق ولكنهم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون ويخافون أن لا يقبل منهم أولئك الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة ، لأن المؤمن هو من جمع إحساناً وشفقاً ، والمنافق هو من جمع إساءة وأمناً فأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون .

فالمسارعة إلى وسائل المغفرة والرحمة والفوز بالجنة بمعنى المسابقة التي أمر الله بها بقوله : " فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون " . وقال " والسابقون السابقون أولئك المقربون " .. أي السابقون إلى الخيرات والأعمال الصالحات هم السابقون إلى الجنات والسابقون إلى الصلوات والجمعات هم المقربون إلى الله في الجنات ، ولهذا قال العلماء : إن الناس يكونون في القرب من الرب على قدر فربهم من الإمام يوم الجمعة .

وقال الحسن : إن الله – سبحانه – جعل شهر رمضان مضماراً لخلقه يتسابقون فيه بطاعته إلى مرضاته فسبق قوم ففازوا وتخلف آخرون فخابوا ، فالعجب من اللاعب الضاحك في اليوم الذي يفوز فيه العاملون ويخسر فيه المبطلون ، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون . وعن عمرو بن ميمون الاردي قال : سمعت النبي – صلى الله عليه وسلم – وهو يعظ رجلا يقول له : " اغتنم خمساً قبل خمس : شبابك قبل هرمك .. وصحتك قبل سقمك.. وغناك قبل فقرك .. وفراغك قبل شغلك .. وحياتك قبل موتك .. فما بعد الدنيا من مستعتب ولا بعد الدنيا دار إلا الجنة أو النار " . رواه الترمذي مرسلا .

فيا ساهياً في غمرة الجهل والهوى       صريـع الأماني عن قليل ستنـدم

أفق قد دنا الوقت الذي ليس بعـده      سوى جنـة أو حر نار تضــرم

فبادر إذاً ما دام في العمر فسحـة       وعدلك مقبـول وصرفك قيّــم

وجد وسارع واغتنم زمن الصبـا       وسر مسرعاً فالسيل خلفك مسرعاً

وهيهات ما منه مفـر ومهــزم        فهــن المنايــا أي واد نزلتـه

ففي زمـن الإمكان تسعى وتغنـم       عليهـا القـدوم أو عليك ستقــدم

وقوله : " أعدت للمتقين " : يعني أن الله – سبحانه – خلق الجنة كرامة ونعمة لمن أطاعه واتقاه . كما خلق النار عقاباً وعذاباً لمن خالف أمره وعصاه ، ولما خلق الله الجنة قال لها : تكلمي . قالت : قد أفلح المؤمنون .. فقال : طوبي للك منزل الملوك وأن الجنة هي سلعة الله الغالية لا تنال إلا بالأعمال الصالحة ، قد هيئت وأعدت للمتقين الذين أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة واجتنبوا المحرمات وأنفقوا في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس .. لأن الله – سبحانه – يقول : " ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون " والتقوى هي وصية الله للأولين والآخرين . يقول الله – سبحانه - : " ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله " ، وحقيقتها تنحصر في فعل المأمورات واجتناب المحرمات خوفاً من عقاب الله ورجاء ثوابه .

ولهذا قال عمر بن عبدالعزيز : ليس التقوى بقيام الليل وصيام النهار والتخليط فيما بين ذلك . ولكن التقوى هي أداء ما فرض الله وترك ما حرم الله وإن زدت على ذلك فهو خير إلى خير ، فالمتقون يجعلون أعمالهم الصالحة بمثابة الوقاية دون عقاب الله ، كما في الحديث أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : " اتقوا النار ثم أعرض وأشاح ، ثم قال : اتقوا النار ولو بشق تمرة ، فمن لم يجد فبكلمة طيبة " ، وكان النبي – صلى الله عليه وسلم – يخطب ، فسأله رجل فقال : يا رسول الله ، من أكرم الناس ؟ فقال : أكرم الناس أتقاهم للرب وأوصلهم للرحم وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر ، وقد قيل :

ألا إنما التقوى هي العز والكـرم       وحبك للدنيـا هي الـذل والسقــم

وليس على عبـد تقي نقيصــة       إذا كان ذا تقوى  وإن حاك أو حجم

ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً ذلك أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجراً ، فالتقوى هي قوام أمر الشخص وملاك دينه وغاية شرفه في دنياه وآخرته ، يقول الله – سبحانه – " إن أكرمكم عند الله أتقاكم " .

كما قيل :

لقد رفع الاسلام سلمـان فارسي         كمـا وضع الشرك الشقي أبا لهب

لعمرك ما الإنسان إلا ابن دينـه        فلا تترك التقوى اتكالا على النسب

ثم شرع – سبحانه – في أوصاف المتقين فقال : " الذين ينفقون في السراء والضراء أي ينفقون ويتصدقون في حالة اليسر والعسر لرغبتهم في الثواب والأجر وخوفهم من العقاب والوزر ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً ، انما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً .. إنهم لم يقولوا هذا الكلام حين أطعموا الطعام ، ولكن الله علمه من قلوبهم فنطق به على ألسنتهم وأفضل الصدقة جهد المقل وابدأ بمن تعول " لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله " .

وروى البخاري عن أبي مسعود الأنصاري ، قال : حث النبي – صلى الله عليه وسلم – على الصدقة ولم يكن عندنا مال ، قال : فكنا نحامل على ظهورنا ونتصدق " وقد سبق : درهم من فقير مائة درهم من غني .

وفي البخاري قال رجل للنبي – صلى الله عليه وسلم - : يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجراً ! قال : " أن تتصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر ولا تمهل حتى إذا بلغت الروح الحلقوم ، قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان " . وروى أبو داود عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : " لأن يتصدق المرء في حياته بدرهم خير له من أن يتصدق بمائة عند موته " ، ثم قال : " والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين " .. وهذه أيضاً من صفات المتقين الذين أعد الله لهم جنات النعيم وأنهم يكظمون الغيظ ويعفون عن الناس والله عفو يحب العفو فهم يحتسبون إسقاط حقهم عفوا منهم عنه مع قدرتهم على الانتصار ، وفي كظم الغيظ فضل عظيم وهو ينبئ عن رزانة العقل والرغبة في الخير ، ولهذا يقال : ليست الأحلام في حال الرضا ، إنما الأحلام في حين الغضب ، سيما للصائم .. فإنه يستحب له متى غاضبه أحد أو شاتمه أن يلجم نفسه بلجام التقوى ويستمسك من الورع بالعروة الوثقى وليقل : إني صائم كبحاً لنفسه عن التشفي والانتقام وردعاً لخصمه عن الجريان في هذا الميدان ، لأن الصوم جنة يستجن به المسلم عن الإجرام والآثام وردئ الكلام ، ومن كان الصوم له جنة في الدنيا كان له جنة دون التار ، لأن الجزاء من جنس العمل وكما تدين تدان .

وقد سأل رجل النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال : يا رسول الله ، أوصني ! قال : لا تغضب ، فردد مراراً ، يقول : لا تغضب لأن الغضب يتفرع عنه كل شر .. وقد قال النبي – صلى الله عليه وسلم – يوماً لأصحابه : " ما تعدون الصرعة فيكم ! قالوا : الذي لا تصرعه الرجال . قال : لا ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد الذي يمسك نفسه عند الغضب " . ولهذا يستحب للرجل إذا غضب أن يتوضأ أو يغسل وجهه بالماء .. لأن الغضب من الشيطان المخلوق من النار والماء يطفئ النار وهو مجرب لتسكين الغضب .. ولهذا ختم الله هذه الآية بقوله " والله يحب المحسنين " .. لأن الله – سبحانه – كتب الإحسان على كل شيء على الناس فيما بينهم ..

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم          فطالما استعبد الإحسان إنسانا

وحتى البهائم ، ففي البخاري : بينما كلب يلهث من العطش إذ نزعت له امرأة موقها فسقته فشكر الله لها ذلك فغفر لها . فقالوا : أولنا في البهائم أجر . قال : نعم .. إن في كل كبد رطبة أجراً .

وقال : دخلت النار امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت .. لا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض . ثم قال : " والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون " .. فهذا من بعض أوصاف المتقين وأنهم إذا ارتكب أحدهم ذنباً على حين غفلة أو غلبة شهوة أو غضب ، فإنهم يفرون إلى الله بالتوبة ويتوبون إليه ويستغفرونه من ذنبهم ويندمون على ما وقع منهم ، إذ ليس من شرط المتقين العصمة فقد يقترف أحدهم الذنب ثم يتوب إلى الله منه والله يفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه ، وقد قال تعالى : " إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون " .

فأخبر الله عن الذين اتقوا بأنهم متى وقع من أحدهم ذنب أبصر الخروج منه بالتوبة عنه ، وقد قيل :

إن تغفر اللهم تغفر جما         وأي عبد لك لا ألما

وشروط التوبة : الإقلاع من الذنب والندم على ما فات والعزم على أن لا يعود ، وإن كانت عن مظالم مالبة فيردها إلى أربابها لأنها من الدواوين التي لا يترك الله منها شيئاً وأن الهلاك كل الهلاك في الإصرار على الذنوب وعدم التوبة منها ، كما في الحديث " ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون " وما أصر من استغفر ، كما ثبت بذلك الحديث لكنه متى تاب من الذنب واستغفر منه وقلبه متعلق بمحبته وعازم على معاودته .ز فإن هذه توبة الكذابين المستهزئين بربهم .

وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال : اني تبت الآن .

إن أعظم ما يهتم به العاقل هو سؤال لمغفرة والفوز بالجنة والعمل على حساب ذلك بأن يسعى لها سعيها وهو مؤمن ، وقد قال بلال للنبي – صلى الله عليه وسلم - : إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ ، إما أني أسأل الله الجنة وأستعيذ به من النار . فقال رسول الله : " حولهما ندندن ". وفي صحيح ابن خزيمة عن سلمان في فضل رمضان أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : " إنه شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار فاستكثروا فيه من أربع خصال خصلتين : ترضون بهما ربكم وخصلتين لا غناء بكم عنهما . فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم : فلا إله إلا الله والاستقفار ، وأما الخصلتان اللتان لاغناء بكم عنهما : فتساءلونه الجنة وتستعيذون به من النار " .

وسيد الاستغفار هو أن يقول : اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت .. أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت .

فبدأ – سبحانه – هذه الآيات بالدعوة إلى المغفرة والفوز بالجنة وختمها بالمغفرة والفوز بالجنة والله أعلم .

فاعملوا لدار لا يموت سكانها ولا يخرب بنيانها ولا يتغير حسنها وإحسانها هواءها النسيم وماؤها التسنيم يتقلب أهلها في رحمة أرحم الراحمين ويتمتعون بالنظر إلى وجهه كل حين دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين .