![]() |
|
|
فصل
في وجوب إمساك الصائم عن الاجرام والآثام وسائر ما يجرح الصيام ثبت في البخاري ومسلم أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال
: قال الله – عز وجل - : " كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به
" والصيام جنة فإذا كان صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ولا يجهل ، فإن سابه أحد
أو شاتمه فليقل إني صائم والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من
ريح المسك ، للصائم فرحتان يفرحهما : إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقي ربه فرح بصومه . وعن معاذ بن جبل أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال :
" ألا أدلك على أبواب الخير ، قلت : بلى يا رسول الله . قال : الصوم جنة
والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار وصلاة الرجل في جوف الليل ، ثم تلا
" تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقنهم ينفقون فلا
تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون " رواه الترمذي
وصححه فأخبر النبي – صلى الله عليه وسلم – في هذا الحديث أن الصوم جنة يستجن به
المسلم عن الإجرام والآثام وعن الكذب والغيبة والنميمة وشهادة الزور واللعن والسب
ورديء الكلام وعن الخصام وظلم الأنام ، حتى لو تعدى أحد فسبه أو شتمه وجب أن يلجم
نفسه بلجام التقوى وأن يتمسك من الورع بالعروة الوثقى ويقول : إني صائم ، كبحاً
لنفسه عن التشفي والانتقام وردعاً لخصمه عن الجريان في هذا الميدان ، ومن كان
الصوم له جنة في الدنيا عن الإجرام والآثام كان له جنة دون النار ، لأن الجزاء من
جنس العمل وكما تدين تدان . وترك مقال
الزور في الناس واجب ولكنــه
من صائـم ذو تأكد لتذكيــر
نفس أو لدفـع معتــد فإن
شتم أشرع قوله أنا صائم وروى البخاري وأبو داود قال : قال رسول الله – صلى الله
عليه وسلم – " من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع
طعامه وشرابه " لكونه لا يتم التقرب إلى الله بترك الأكل والشرب في الصيام
إلا بعد التقرب إليه بترك ما حرم الله عليه من الكذب والظلم والعدوان على الناس ،
لحديث " ليس الصيام عن الطعام والشراب ، وإنما الصيام عن اللغو والرفث "
. ولهذا قال السلف : أهون الصيام ترك الطعام والشراب .. وفي
الحديث أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : " رب صائم حظه من صيامه الجوع
والعطش ورب قائم حظه من قيامه السهر " لأن كل صيام أو قيام لا ينهى صاحبه عن
الفحشاء والمنكر لم يزدد به صاحبه إلا بعداً .. ولهذا قال جابر : إذا صمت فليصم
سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم ودع أذى الجار وليكن عليك سكينة ووقار يوم
صومك ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء . إن من يتقرب إلى الله بترك المباحات من الشراب والطعام في
حالة الصيام ثم يرتكب المحرمات من الزنا والربا وشرب الخمر ، فإنه بمثابة من يترك الفرائض
ويتقرب بالنوافل ، فهو وإن كان صومه مجزياً عند الجمهور ، بحيث لا يؤمر بإعادته
لأن العمل إنما يبطل بارتكاب ما نهى عنه فيه بخصوصه دون ارتكاب ما نهى عنه لغير
معنى يختص به . وروى أبو جعفر الباقر مرسلا : من أتى عليه رمضان فصام نهاره
وصلى ورداً من ليله وغض بصره وحفظ فرجه ولسانه ويده وحافظ على صلاته في الجماعة
وبكر إلى جمعة ، فقد صام الشهر واستكمل الأجر وأدرك ليلة القدر وفاز بجائزة الرب . |