الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

فصل في صفة نزول القرآن على نبينا محمد عليه الصلاة والسلام

قال الله – عز وجل – " وقالوا لولا نزل هذا القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحس تفسيراً " . وقال سبحانه : " وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا " . وقال : " شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان " . وروى البخاري عن عائشة أم المؤمنين – رضي الله عنها – أن الحارث بن هشام سأل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال : يا رسول الله كيف يأتيك الوحي ؟ فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : " أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده عليَّ فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال ، وأحياناً يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول " ، فالت عائشة : ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وأن جبينه يتفصد عرقاً .

وروى البخاري عن ابن عباس في قوله تعالى : " لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه " ، قال : كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يعالج من التنزيل شدة وكان يحرك شفتيه خشية أن ينساه ، فأنزل الله " لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه " ، أي جمعه للك في صدرك وتقرأه فإذا قرأناه ، أي أوحيناه فاتبع قرآنه ، أي فاستمع له وأنصت ثم إن علينا بيانه : أي علينا أن تقرأه فلا تنسى شيئاً منه . فكان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إذا أتاه بعد ذلك جبريل استمع له وأنصت فإذا ارتفع عنه جبريل قرأه النبي بدون أن ينسى شيئاُ منه .حتى أنها لتنزل عليه السورة الطويلة كسورة الأنعام فإنها نزلت عليه جملة واحدة ، فقام رسول الله حافظاً لها من ساعته ، والحافظ المجد صاحب الذاكرة القوية يمكث في تحفظها الشهر والشهرين فلا يتقن حفظها مع ممارسته لقراءتها ، والنبي – صلى الله عليه وسلم – كان أمياً وقد فاجأه الوحي بغار حراء ، وهو لا يكتب ولا يقرأ المكتوب صيانة للوحي من أن يتطرق إليه الظنون الكاذبة ، فيقال : كتبه من كتاب كذا أو تعلمه من كذا .

وليس عند قريش في مكة مدارس ولا كتب ويسمون بالأميين لكون الأمية سائدة من بينهم ، يقول الله : " وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون ، بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون " .

يقول الله : " أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون " ، فكان القرآن هو المعجزة العظمى للنبي محمد – عليه الصلاة والسلام – كما في البخاري أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : " ما من نبي إلا وقد أوتي من المعجزات ما آمن به البشر وأن المعجزة التي أوتيتها هو هذا القرآن وإني أرجو أن أكون أكثرهم تبعاً " .

نشأ – صلى الله عليه وسلم – يتيماً في حجر عمه أبي طالب بمكة ، وكان أهل مكة وكافة قريش يطلقون عليه اسم " الأمين " وقد رعى الغنم بقراريط لأهل مكة ، وقال : " ما من نبي إلا وقد رعى الغنم " فقوله : " شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن " قيل أنه أُنزل جملة واحدة إلى بيت العزة في السماء الدنيا ، ثم نزل منجماً على قدر الوقائع . حكاه ابن جرير وابن كثير والبغوي والقرطبي عن ابن عباس ولم يحكوا قولا غيره . لهذا ظن كثير من العلماء والمفسرين أن التفسير به صحيح لكثرة ما يمر ذكره بأسماعهم .

وقال ابن الجوزي في التفسير فيه ثلاثة أقوال : أحدها أنه أنزل فيه القرآن جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا . قاله ابن عباس ، والقول الثاني : أن معناه أُنزل فيه القرآن لغرض صيام رمضان ، روي عن مجاهد والضحاك ، والقول الثالث : أن القرآن ابتدئ بنزوله على النبي – صلى الله عليه وسلم – في رمضان ، قاله ابن إسحاق وأبو سليمان الدمشقي .. انتهى .

وأقول : إن هذا القول الأخير هو الصحيح ، وهو أن القرآن ابتدأ نزوله في رمضان في ليلة القدر منه وهي الليلة المباركة كما قال سبحانه : " إنا أنزلناه في ليلة مباركة " ، وقال : " إنا أنزلناه في ليلة القدر " ، ومعنى إنزال القرآن في شهر رمضان مع أنه من المعروف باليقين أن القرآن نزل منجماً متفرقاً في خلال عشرين سنة زمن البعثة . والمعنى أنه ابتدئ نزول القرآن في رمضان ، لكون لفظ القرآن والإنزال يطلقان ويراد بهما هذا القرآن بجملته ويطلقان ويراد بهما بعضه ، كقوله " الرحمن علم القرآن " وإنما يتعلم الناس القرآن شيئاً بعد شيء ، وهذا واضح جلي لا مجال للشك في مثله ، وأن معنى أُنزل فيه القرآن : أي بدؤه وأوله . وفي تفسير المنار ما يدل على الجزم بهذا وعدم الالتفات إلى ما يخالفه .

فقد قال : إن معنى شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن ، أي ابتدئ نزوله في رمضان في ليلة القدر منه وهي الليلة المباركة لأن المعروف باليقين أن القرآن نزل منجماً متفرقاً في مدة البعثة كلها ، على أن لفظ القرآن يطلق ويراد به القرآن بجملته ويطلق ويراد به بعضه ، كما في الآية . قال : وقد ظن بعض المفسرين أن الآية مشكلة ورووا في حل الإشكال أن القرآن نزل في ليلة القدر إلى السماء الدنيا ، ثم نزل على النبي – صلى الله عليه وسلم – منجماً بالتدريج ، وظاهر قولهم هذا أنه لم ينزل على النبي – صلى الله عليه وسلم – في رمضان ، وهو خلاف ظاهر القرآن ، إذ لا يقول سبحانه : " شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن " وهو في السماء ولم ينزل بعد . قال : وقد رووا على هذا روايات في كون الكتب السماوية أُنزلت في رمضان ، كما قالوا : إن الأمم السابقة كلفت صيام رمضان ، وقال الأستاذ الإمام ولم يصح من هذه الأقوال والروايات شيء وإنما هي حواش أضافوها لتعظيم رمضان .. انتهى .

لا يقال إن القرآن شيء فاض على نفس محمد بدون أن يتكلم الله به ، وبدون أن ينزل به جبريل عليه ، فإن هذا حقيقة في الكفر به . يقول الله : " وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين " . وقال نزله روح القدس من ربك بالحق " .

وأما قول ابن عباس : أن القرآن نزل جملة إلى بيت العزة في السماء الدنيا فهذا القول خرج على سبيل الاجتهاد منه بدون أن يسنده ويأجره الله عليه وليس بالمرفوع حتى لا يكون للاجتهاد مجال في مخالفته ، وكان ابن مسعود وبعض الصحابة يخالفون ابن عباس في كثير من تفسير الآيات مما يعلمون أنه قاله عن اجتهاد منه . وكذلك علماء التابعين ، كمجاهد وسعيد بن جبير يخالفون ابن عباس في تفسير بعض الآيات . على أنه اعلم الصحابة بالتفسير بالاتفاق ، حتى قيل : كأنه ينظر إلى الغيب عن ستر رقيق ، وقد دعا له رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وقال : " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل " . لكن لا يلزم أن يكون كل ما يقوله في التفسير على سبيل الاجتهاد أنه الصحيح وما يخالفه فباطل . إذ المعلوم أن العلماء من الصحابة ومن بعدهم يتفاوتون في فهم بعض الآيات ، وكل انسان مهما بلغ من العلم والمعرفة فإنه سيحفظ شيئاً وتضيع عنه أشياء ، إذ الكمال المطلق لله سبحانه وكم ترك أول لآخر .

وعلى فرض قول ابن عباس ، فإن القرآن لم ينزل على النبي – صلى الله عليه وسلم – في رمضان حينما يفسر بإنزاله إلى السماء الدنيا ولا تظهر به المنة على المؤمنين ولا تقوم عليهم به الحجة مادام في السماء ، ولم يقل الله سبحانه : شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن – إلى السماء الدنيا – ثم غن القول بهذا يقوي حجة من قال : إن القرآن مخلوق وهو باطل قطعاً بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة ، فإن القرآن كلام الله نزل به جبريل على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بدون واسطة بيت العزة ولا غيره " قل نزله روح القدس من ربك بالحق " وقال سبحانه : " وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين " .