الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

فصل في تفضيل الشهور القمرية الشهور الشمسية

لقد سمعنا من بعض الجهال تفضيلهم الشهور الشمسية التي عليها مدار حساب الانجليز على الشهور القمرية العربية بحجة أن الشهور الشمسية لا تتغير شتاءً ولا صيفاً ، وهذا التفضيل بهذه الصفة غلط في التعبير وخطأ في التفضيل لا يصدر إلا عن جهل عريق وجفاء عميق .. فإن الشهور الشمسية لا يعرفها إلا الحاسب أو الكاتب وأكثرهم لا يعرفها  ولا يعرف اسم الشهر ولا كم مضى منه إلا عن طريق الجداول المخصصة لها ، لأنها ليست بشهور مشهورة تشاهد بالعيان وإنما هي عبارة عن حرز أيام يسمونها أشهراً وأكثر العامة لا يعرفونها ولا يعرفون كم مضى من الشهر وقد عمل علماء المسلمين طريقة لحساب السنة لا تتغير شتاءً ولا صيفاً ، فجعلوا السنة اثني عشر برجاً ، أي كل فصل على مقدار الشهر فبعضها ثلاثون وبعضها واحد وثلاثون وبعضها تسعة وعشرون ، فجعلوا للشتاء ثلاثة بروج أحدها الجدي وهو تسعة وعشرون يوماً ، والدلو ثلاثون يوماً ، والحوت ثلاثون يوماً . وللربيع ثلاثة بروج أحدها الحمل وهو واحد وثلاثون يوماً ، وبرج الثور واحد وثلاثون يوماً ، وبرج الجوزاء اثنان وثلاثون .. وهكذا سائر البروج فما من شيء من المحاسن إلا وسبق الإسلام إليه وأخذ بالنصيب الوافر منه .

أما الشهور العربية القمرية فكل الناس يعرفونها لشهرتها ومشاهدتهم لها ، يقول الله : " إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم " . وقال سبحانه : " الحج أشهر معلومات " ، وقال : " شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ". وفي الصحيحين أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاكملوا العدة ثلاثين يوماً " ، وفي رواية قال : " لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة " .

فهي شهور مشتهرة متركزة في السماء يستوي في العلم بها العالم والعامي والحضري والبدوي والرجال والنساء حتى أنهم ليعرفون كم مضى من الشهر بمعرفة منزلة القمر لكونه منصوباً لكافة الناس في معرفة صومهم وحجهم ، والأشهر الحرم الذي يحرم فيها القتال وما كان بهذه الصفة فإنه يجب أن يكون ثابت الأركان لا يتغير في مكان دون مكان كما أن علماء الهيئة في هذا الزمان أثبتوا عدم تغيره في مطلعه ومغيبه وأن طلوعه في المشرق كطلوعه في المغرب على حد سواء .

فإذا طلع في المشرق قبل الشمس طلع في المغرب قبلها ، وإذا غاب في المشرق قبل الشمس غاب في المغرب قبلها على حد سوي ، وما يذكر من اختلاف المطالع عند استهلاله فمنشؤة من تحقيق الرؤية وعدمها وإزالة المانع ووجوده ، فالاختلاف هو من الرؤية لا من المرئي .

وإنما سمي شهراً لشهرته ، كما سمي هلالا لاستهلال الأصوات برؤيته ، يقول الله : " يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج " وسبب هذا السؤال أن أناساً من الصحابة قالوا : يا رسول الله إن الهلال يبدو ضعيفاً ضئيلا ثم يكبر إلى أن يصير بدراً ثم يأخذ في النقص إلى أن يضمحل . فأنزل الله سبحانه " يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج " ، فعدل بهم – سبحانه – عن الاشتغال بالسؤال عن جرم الهلال إلى الإخبار بما يترتب عليه خلق الهلال من المصالح والأحكام ، إذ هي المقصود الأعظم من خلق الهلال ، يقول الله سبحانه : " هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصّل الآيات لقوم يعلمون " .