الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

فصل في بشرى أهل الاسلام ببلوغ شهر الصيام

يقول الله سبحانه : " شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام ُأخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون " .

ففي هذه الآية التنويه بفضل شهر رمضان الذي أوجب الله فيه الصيام ، كما فيها التنويه بفضل القرآن الذي أُفيضت فيه على جميع البشر هداية الرحمن ببعثة محمد – عليه الصلاة والسلام – برسالته المتضمنه للهداية العامة لجميع الأنام " وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين " .

إن شهر رمضان هو غرة الزمان ومتجر أهل الإيمان ، خصه الله بإنزال القرآن وأوجب فيه على المؤمنين الصيام وجعل صومه أحد أركان الإسلام الذي ما تم دين إلا به ولا استقام .. فمن جحد وجوبه فهو كافر بإجماع علماء الإسلام ومن أفطر يوماً منه عمداً من غير عذر لم يقضه عنه صوم سائر الزمان . قال ابن عباس – حبر الأمة وترجمان القرآن - : ثلاثة أُسس عليها الإسلام : الشهادتان والصلاة والصيام . افترض الله صيام رمضان على النبي – صلى الله عليه وسلم – في السنة الثانية من الهجرة ، فصام رسول الله تسع رمضانات وصام المسلمون معه ووافق فرضه شدة الحر مع نهاية طول اليوم مع عدم اعتيادهم للصوم ومع ذلك قالوا : سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير .

وإنما سمي المسلم مسلماً لاستسلامه لله بالطاعة والإ>عان وانقياده للعمل بإقام الصلاة وايتاء الزكاة وصيام رمضان وسائر شرائع الإسلام ، وهذه هي الفرقان بين المسلمين والكفار والمتقين والفجار ، كما أنها محك التمحيص لصحة الإيمان بها يعرف صادق الإسلام من بين أهل الكفر والفسوق والعصيان وعند الامتحان يكرم المرء أو يهان ، فقوله : " شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن " سمي الشهر شهراً لشهرته ، لأن الله سبحانه نصب الشهر علامة لجميع الناس يعرفون به ميقات صومهم وحجهم وعدد نسائهم وحلول ديونهم .

وكان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يبشر أصحابه بقدومه ، كما روى ابن خزيمة في صحيحه عن سلمان ، قال : خطبنا رسول الله في آخر يوم من شعبان فقال : " إنه قد أظلكم شهر عظيم مبارك شهر كتب الله عليكم صيامه شهر جعل الله صيامه فريضة وقيام ليله تطوّعاً ، من تقرّب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فيه فريضة ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة وشهر المواساة وشهر يزاد في رزق المؤمن ، من فطر فيه صائماً كان مغفرة لذنوبه وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء " .

فسماه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – شهر الصبر ، لأن فيه صبراً على طاعة الله من الصيام والصلاة وصبراً عما حرم الله من الطعام والشراب وسائر ما يفطر الصائم أو يجرح صومه أو ينقص ثوابه وأجره . وصبراً على أقدار الله المؤلمة ومنها الصوم الذي قدره الله وفرضه على عباده وسماه شهر المساواة ، لأن المسلمين يتساوون فيه في الجوع لرب العالمين غنيهم وفقيرهم فيصبح المسلم صائماً صابراً عن مطعومه ومشروبه لقصد رضى ربه ومحبوبه . والله يقول : " الصوم للي وأنا أجزي به " وشهر يزاد في رزق المؤمن : يعني أن الخيرات وسعة الأرزاق تنبسط في رمضان حتى تكون أوفر فيه من غيره وكان الفقراء يفرحون بقدومه لاتساع الرزق عليهم لأن الطاعات أثرها في سعة الرزق وبسطته .

والصوم عبادة دينية ورياضة بدنية وتأديب للشهوة الإنسانية لتتعود الصبر على طاعة الله ثم الصبر عما حرم الله وحتى يقوى صاحبها على كبح جماح نفسه عن الشهوات وعلى ترك المألوفات والمحرمات .. ولهذا أسماه رسول الله " شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة " ، ولم يشرع الله الصيام إلا لمصلحة تعود على الناس في أديانهم وأبدانهم وإيمانهم ، لأن الله سبحانه لا يوجب شيئاً من الواجبات ، كالصيام والصلاة والزكاة إلا ومصلحته راجحة ومنفعته واضحة ولا يحرم شيئاً من المحرمات ، كالربا والزنا وشرب الخمر إلا ومضرته واضحة ومفسدته راجحة لكون الشريعة الإسلامية مبنية على جلب المصالح ودفع المضار فهي عنوان النظام والكمال والتهذيب .

كما أن الصيام نوع من الجهاد في سبيل الله ، لكون المجاهد هو من جاهد نفسه في طاعة الله – عز وجل – وقد وعد الله المجاهدين في سبيله بأنه لا يصيبهم جوع ولا ظمأ ولا تعب إلا كتب لهم به حسنات ورفع درجات في الجنات . فقال سبحانه : " ذلك بأنه لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطئاً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون وادياً إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون " من سورة التوبة .

والصوم هو من أسباب الصحة للأبدان ويستشفى به من أدواء كثيرة ، أهمها داء السكر الذي هو داء المترفين ، لأن في البدن فضولا سيالة تنشف بالصوم فتقوى العضلات ويعتدل الهضم ويشتهي الطعام باشتياق أشبه تضمير الخيل للسباق فهو من الحمية التي تعقب البدن الصحة ، وفي الحديث أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : " صوموا تصحوا ، وقال : إن لكل شيء زكاة وزكاة الجسد الصوم " رواه ابن ماجه عن أبي هريرة . يعني أن الصوم يزكي البدن وينميه ، ومن المشاهد بالاعتبار أن الذين يعتادون التطوع بالصيام أنهم من أصح الناس أجساماً وأطول الناس أعماراً ويجدون قوة ولذة في صومهم أشد مما يجدها المتنعم في أكله وشربه ، وللصائم فرحة عاجلة عند فطره وفرحه عند لقاء ربه ، فهنيئاً لهم تقبل الله منهم .