![]() |
|
|
من فتاوي ابن تيمية وقال
شيخ الإسلام – قدس الله روحه - : الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب وجعله تبياناً لكل شيء
وذكرى لأولي الألباب . وأمرنا بالاعتصام به ، إذ هو حبله الذي أثبت الأسباب ،
وهدانا به إلى سبل الهدى ومناهج الصواب ، وأخبر فيه أنه " جعل الشمس ضياء
والقمر نوراً وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب " . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رَبّ الارباب ،
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوثُ بجوامع الكلم ، والحكمة وفصل الخطاب وعلى
آله صلاة دائمة باقيـة بعد إلى يوم المآب . أما بعد : فإن الله قد أكمل لنا ديننا وأتم علينا نعمته ،
ورضي لنا الإسلام ديناً ، وأمرنا أن نتبع صراطه المستقيم ، ولا نتبع فتفرق بنا عن
سبيله ، وجعل هذه الوصية خاتمة وصاياه العشر ، التي هي جوامع الشرائع التي تضاهي
الكلمات التي أنزلها الله على موسى في التوراة ، وإن كانت الكلمات التي أنزلت
علينا أكمل وأبلغ ، ولهذا قال الربيع بن خثيم : من سرّه أن يقرأ كتاب محمد صلى
الله عليه وسلم الذي لم يفض خاتمه بعده ، فليقرأ آخر سورة الأنعام " قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم
" الآيات . وأمرنا أن لا نكون كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم
البيّنات ، وأخبر رسوله أن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء ، وذكر
أنه جعله على شريعة من الأمر ، وأمره أن يتبعها ، ولا يتبع سبيل الذين لا يعلمون .
وقال تعالى : " وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب
ومهيمناً عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل
جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ، ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما
آتاكم ، فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ،
وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل
الله إليك " فأمره أن لا يتبع أهواءهم عما جاءه من الحق وإن كان ذلك شرعاً أو
طريقاً لغيره من الأنبياء ، فإنه قد جعل لكل نبي سنة وسبيلا وحذره أن يفتنوه عن
بعض ما أنزل الله إليه ، فإذا كان هذا فيما جاءت به شريعة غيره ، فكيف بما لا يعلم
أنه جاءت به شريعة ، بل هو طريقة من لا كتاب له . وأمره وإيانا في غير موضع أن نتبع ما أنزل إلينا ، دون ما
خالفه فقال : " المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى
للمؤمنين . اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من أولياء قليلا ما تذكرون
" . وبيّن حال الذين ورثوا الكتاب فخالفوه والذين استمسكوا به
فقال : " فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون
سيغفر لنا " إلى قوله : " والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا
نضيع أجر المصلحين " . وقال : " وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا
لعلكم ترحمون . أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا " الآيات .
وقال : " يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان
عليماً حكيماً . واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعلمون خبيراً "
وقال : " واعتصموا بحبل الله جميعاً " وحبل الله كتابه ، كما فسره النبي
صلى الله عليه وسلم . وقال : " واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله
" إلى غير ذلك من نصوص الكتاب والسنة التي أجمع المسلمون على اتباعها وهذا
مما لم يختلف المسلمون فيه جملة . ولكن قد يقع التنازع في تفصيله ، فتارة يكون بين العلماء
المعتبرين في ( مسائل الاجتهاد ) ، وتارة يتنازع فيه قوم جهال بالدين أو منافقون
أو سماعون للمنافقين . فقد أخبر الله سبحانه أن فينا قوماً سمّاعين للمنافقين
يقبلون منهم . كما قال : " لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم
يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم " وإنما عداه باللام لأنه متضمن معنى القبول
والطاعة كما قال الله على لسان عبده : " سمع الله لمن حمده " أي استجاب
لمن حمده ، وكذلك " سماعون لهم " أي مطيعون لهم ، فإذا كان الصحابة قوم
سماعون للمنافقين فكيف بغيرهم ؟ . وكذلك أخبر عمن يظهر الانقياد لحكم الرسول صلى الله عليه
وسلم حيث يقول : " لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا
بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم
يأتوك " إلى قوله : " سماعون للكذب أكالون للسحت " فإن الصواب أن
هذه اللام لام التعدية ، كما في قوله : " أكالون للسحت " أي قائلون
للكذب ، مريدون له سامعون مطيعون لقوم آخرين غيرك فليسوا مفردين لطاعة الله ورسوله
ومن قال : إن اللام لام كي ، أي يسمعون ليكذبوا لأجل أولئك فلم يصب . فإن السياق
يدل على أن الأول هو المراد ، وكثيراً ما يضيع الحق بين الجهال الأميين وبين
المحرفين للكلم الذين فيهم شعبة نفاق ، كما أخبر – سبحانه – عن أهل الكتاب حيث قال
: " أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه
من بعد ما عقلوه وهم يعلمون " إلى قوله : " ومنهم أميون لا يعلمون
الكتاب إلا أمانيّ " الآية . ولمّا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر : أن هذه الأمة تتبع سنن من
قبلها حـذو القذة بالقذة ، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه . وجب أن يكون فيهم من
يحرف الكلم عن مواضعه ، فيغير معنى الكتاب والسنة فيما أخبر الله به أو أمر به ،
وفيهم أميون لا يفهون معاني الكتاب والسنة ، بل ربما يظنون أن ما هم عليه من
الأماني التي هي مجرد التلاوة ومعرفة ظاهر من القول هو غاية الدين . ثم قد يناظرون المحرفين وغيرهم من المنافقين أو الكفار مع
علم أولئك بما لم يعلمه الأميون ، فإما أن تضل الطائفتان ويصير كلام هؤلاء فتنة
على أولئك حيث يعتقدون أن ما يقوله الأميون هو غاية علم الدين ، ويصيروا في طرفي
النقيض ، وإما يتبع أولئك الأميون أولئك المحرفين في بعض ضلالهم ، وهذا من بعض
أسباب تغيير الملل إلا أن هذا الدين محفوظ . كما قال تعالى : " إنا نحن نزلنا
الذكر وإنا له لحافظون " ولا تزال فيه طائفة قائمة ظاهرة على الحق فلم ينله
ما نال غيره من الأديان من تحريف كتبها وتغيير شرائعها مطلقاً . لما ينطق الله به
القائمين بحجة الله وبيناته ، الذين يحيون بكتاب الله الموتى ، ويبصرون بنوره أهل
العمى . فإن الأرض لن تخلو من قائم لله بحجة لكيلا تبطل حجج الله وبيناته . وكان مقتضى تقدم هذه المقدمة : أني رأيت الناس في شهر صومهم
وفي غيره أيضاً ، منهم من يصغي إلى ما يقوله بعض جهال أهل الحساب : من أن الهلال
يرى أو لا يرى ، ويبي على ذلك إما باطنه وإما في باطنه وظاهره ، حتى بلغني أن من القضاة
من كان يرد شهادة العدد من العدول لقول الحاسب الجاهل الكاذب : إنه يرى أو لا يرى
. فيكون ممن كذب بالحق لما جاءه وربما اجاز شهادة غير المرضى لقوله ، فيكون هذا
الحاكم من السماعين للكذب ، فإن الآية تتناول حكام السوء ، كما يدل عليه السياق
حيث يقول : " سماعون للك>ب أكالون للسحت " وحكام السوء يقبلون الكذب
ممن لا يجوز قبول قوله من مخبر أو شاهد ويأكلون السحت من الرشا وغيرها . وما أكثر
ما يقترن هذان . وفيهم من لا يقبل قول المكنجم ، لا في الباطن ولا في الظاهر
، لكن في قلبه حسيكة من ذلك وشبهة قوية لثقته به ، من جهة أن الشريعة لم تلتفت إلى
ذلك ، لا سيما إن كان قد عرف شيئاً من حساب النيرين واجتماع القرصين ، ومفارقة
أحدهما الآخر بعدة درجات ، وسبب الإهلال والإبدار والإستتار والكسوف والخسوف .
فأجرى حكم الحاسب الكاذب الجاهل بالرؤية هذا المجرى ، ثم هؤلاء الذين يخبرون من الحساب
وصورة الأفلاك وحركاتها أمراً صحيحاً قد يعارضهم بعض الجهّال من الأميين المنتسبين
إلى الإيمان ، أو إلى العلم أيضاً فيراهم قد خالفوا الدين في العمل بالحساب في
الرؤية أو في اتباع أحكام النجوم في تأثيراتها المحمودة والمذمومة ، فيراهم لما
تعاطوا هذا – وهو من المحرمات في الدين – صار يرد كل ما يقولونه من هذا الضرب ولا
يميّز بين الحق الذي دل عليه السمع والعقل ، والباطل المخالف للسمع والعقل مع أن
هذا أحسن حالا في الدين من القسم الأول ، لأن هذا كذب بشيء من الحق متأولا جاهلا
من غير تبديل بعض أصول الإسلام ، والضرب الأول قد يدخلون في تبديل الإسلام . فإنا نعلم بالاضطرار من دين الاسلام أن العمل في رؤية هلال
الصوم أو الحج أو العدة أو الإيلاء أو غير ذلك من الأحكام المعلقة بالهلال بخبر
الحاسب أنه يرى أو لا يرى لا يجوز . والنصوص المستفيضة عن النبي صلى الله عليه
وسلم بذلك كثيرة ، وقد أجمع المسلمون عليه ولا يعرف فيه خلاف قديم أصلا ولا خلاف حديث إلا أن بعض المتأخرين من
المتفقهة الحادثين بعد المائة الثالثة زعم أنه إذا غمّ الهلال جاز للحاسب أن يعمل
في نفسه بالحساب ، فإن كان الحساب دل على الرؤية صام وإلا فلا . وهذا القول وإن كان
مقيداً بالإغمام ومختصاً بالحاسب فهو شاذ ، مسبوق بالإجماع على خلافه ، فأما اتباع
ذلك في الصحو أو تعليق عموم الحكم العام به فما قاله مسلم . وقد يقارب هذا قول من يقول من الاسماعيلية بالعدد دون
الهلال ، وبعضهم يروي عن جعفر الصادق جدولا يعمل عليه ، وهو الذي افتراه عليه عبد
الله بن معاوية . وهذه الأقوال خارجة عن دين الإسلام . وقد برأ الله منها جعفراً
وغيره . ولا ريب أن أحداً لا يمكنه مع ظهور دين الإسلام أن يظهر الاستناد إلى ذلك
. إلا أنه قد يكون له عمدة في الباطن في قبول الشهادة وردّها وقد يكون عنده شبهة
في كون الشريعة لم تعلق الحكم به وأنا إن شاء الله أُبيّن ذلك وأوضح ما جاءت به
الشريعة دليلا وتعليلا وشرعاً وعقلا . قال الله تعالى : " يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت
للناس والحج " فأخبر أنها مواقيت للناس ، وهذا عام في جميع أمورهم وخص الحج
بالذكر تمييزاً له ، ولأن الحج تشهده الملائكة وغيرهم ، ولأنه يكون في آخر شهور
الحول . فيكون علماً على الحول ، كما أن الهلال علم على الشهر ، ولهذا يسمون الحول
حجة فيقولون : له سبعون حجة ، وأقمنا خمس حجج ، فجعل الله الأهلة مواقيت للناس في
الأحكام الثابتة بالشرع ابتداء أو سبباً من العبادة ، والأحكام التي تثبت بشروط
العبد ، فما ثبت من المؤقتات بشرع أو شرط فالهلال ميقات له . وهذا يدخل فيه الصيام
والحج ومدة الإيلاء والعدة وصوم الكفارة . وهذه الخمسة في القرآن . قال الله تعالى : " شهر رمضان " وقال تعالى :
" الحج أشهر معلومات " ، وقال تعالى : " للذين يؤلون من نسائهم
تربص أربعة أشهر " ، وقال تعالى : " فصيام شهرين متتابعين " وكذلك
قولـه : " فسيحوا في الأرض أربعة أشهر " وكذلك صوم النذر وغيره . وكذلك
الشروط من الأعمال المتعلقة بالثمن ، ودين السلم والزكاة والجزية والعقل والخيار
والأيمان وأجل الصداق ونجوم الكتابة والصلح عن القصاص ، وسائر مايؤجل من دين وعقد
وغيرهما . وقال تعالى : " والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون
القديم " ، وقال تعالى : " هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً وقدره
منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق " ، فقوله :
" لتعلموا " متعلق والله أعلم بقوله : " وقدره " لا بجعل ،
لأن كون هذا ضياء، وهذا نوراً لا تأثير له في معرفة عدد السنين والحساب ، وإنما
يؤثر في ذلك انتقالهما من برج إلى برج ، ولأن الشمس لم يعلق لنا بها حساب شهر ولا
سنة ، وإنما علق ذلك بالهلال كما دلت عليه تلك الآية ، ولأنه قد قال : " إن
عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها
أربعة حرم " فأخبر أن الشهور معدودة إثنا عشر ، والشهر هلالي بالاضطرار ،
فعلم أن كل واحد منها معروف بالهلال . وقد بلغني أن الشرائع قبلنا أيضاً إنما علقت الأحكام
بالأهلة ، وإنما بدل من بدل من أتباعهم ، كما يفعله اليهود في اجتماع القرصين ،
وفي جعل بعض أعيادها بحساب السنة الشمسية ، وكما تفعله النصارى في صومها حيث تراعي
الاجتماع القريب من أول السنة الشمسية ، وتجعل سائر أعيادها دائرة على السنة
الشمسية ، بحسب الحوادث التي كانت للمسيح ، وكما يفعله الصابئة والمجوس وغيرهم من
المشركين في اصطلاحات لهم ، فإن منهم من يعتبر بالسنة الشمسية فقط ، ولهم اصطلاحات
في عدد شهورها ، لأنها وإن كانت طبيعية فشهرها عددي وضعي ، ومنهم من يعتبر القمرية
لكن يعتبر اجتماع القرصين ، وما جاءت به الشريعة هو أكمل الأمور وأحسنها وأبينها
وأصحها وأبعدها من الاضطراب . وذلك أن الهلال أمر مشهود مرئي بالأبصار ، ومن أصح
المعلومات ما شوهد بالأبصار ، ولهذا سمّوه هلالا ، لأن هذه المادة تدل على الظهور
والبيان : إمّا سمعاً وإما بصراُ ، كما يقال : أهل بالعمرة ، وأهل بالذبيحة لغير
الله إذا رفع صوته ، ويقال لوقع المطر الهلل ، ويقال : استهل الجنين إذا خرج
صارخاً ، ويقال : تهلل وجهه إذا استنار وأضاء . وقيل : إن أصله رفع الصوت ، ثم لما كانوا يرفعون أصواتهم
عند رؤيته سموه هلالا ، ومنه قوله : يهل بالفرقـد ركبانهـا
كما
يهل الراكب المعتمر وتهلل
الوجه مأخوذ من استنارة الهلال . فالمقصود أن المواقيت حددت بأمر ظاهر بيّن يشترك فيه الناس
ولا يشرك الهلال في ذلك شيء ، فإن اجتماع الشمس والقمر الذي هو تحاذيهما الكائن
قبل الهلال أمر خفي لا يعرف لا بحساب ينفرد به بعض الناس ، مع تعب وتضييع زمان
كثير ، واشتغال عما يعني الناس وما لا بد له منه ، وربما وقع فيه الغلط والاختلاف
. وكذلك كون الشمس حاذت البرج الفلاني أو الفلاني ، هذا أمر
لا يدرك بالأبصار وإنما يدرك بالحساب الخفي الخاص المشكل الذي قد يغلط فيه ، وإنما
يعلم ذلك بالاحساس تقريباً ، فإنه إذا انصرم الشتاء ودخل الفصل الذي تسميه العرب
الصيف ويسميه الناس الربيع ، كان وقت حصول الشمس في نقطة الاعتدال الذي هو أول
الحمل ، وكذلك مثله في الخريف ، فالذي يدرك بالإحساس الشتاء والصيف ، وما بينهما
من الاعتدال تقريباً ، فأما حصولها في برج بعد برج فلا يعرف إلا بحساب فيه كلفة
وشغل عن غيره مع قلة جداوة . فظهر أنه ليس للمواقيت حد ظاهر عام المعرفة إلا الهلال . وقد انقسمت عادات الأمم في شهرهم وسنتهم القسمة العقلية ،
وذلك أن كل واحد من الشهر والسنة : إما أن يكونا عددين أوطبيعيين أو الشهر طبيعياً
والسنة عددية أو بالعكس . فالذين يعدونهما : مثل من يجعل الشهر ثلاثين يوماً والسنة
اثني عشر شهراً والذين يجعلونهما طبيعيين ، مثل : من يجعل الشهر قمرياً والسنة
شمسية ويلحق في آخر الشهور . وجاء في الصفحة 114-118 من كتاب الفتاوى نفسه : سئل – قدس الله روحه - : عن رجل رأى الهلال وحده ، وتحقق
الرؤية : فهل له أن يفطر وحده ؟ أو يصوم وحده ؟ أو مع جمهور الناس ؟ فأجاب : الحمد لله ، إذا رأى هلال الصوم وحده ، أو هلال
الفطر وحده ، فهل عليه أن يصوم برؤية نفسه ؟ أو يفطر برؤية نفسه ؟ أم لا يصوم ولا
يفطر إلا مع الناس ؟ على ثلاثة أوقوال هي ثلاث روايات عن أحمد : أحدها : أن عليه أن يصوم ، وأن يفطر سراً وهو مذهب الشافعي
. والثاني : يصوم ولا يفطر إلا مع الناس وهو المشهور من مذهب
أحمد ومالك وأبي حنيفة . والثالث : يصوم مع الناس ، ويفطر مع الناس . وهذا أظهر
الأقوال ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم
( صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون ( رواه الترمذي
وقال : حسن غريب ، ورواه أبو داود وابن ماجه . وذكر الفطر والأضحى فقط . ورواه
الترمذي من حديث عبدالله بن جعفر عن عثمان بن محمد المقبرى عن أبي هريرة أن النبي
صلى الله عليه وسلم قال : ( الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون
( قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب . قال : وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال :
حدثنا محمد بن عبيد حدثنا حماد من حديث أيوب عن محمد بن المنكدر عن أبي هريرة ذكر
النبي صلى الله عليه وسلم فيه فقال : ( وفطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون ) وكل
عرفة موقف ، وكل منى منحر ، وكل فجاج مكة منحر ، وكل جمع موقف . ولأنه لو رأى هلال
النحر لما اشتهر ، والهلال اسم لما استهل به ، فإن الله جعل الهلال مواقيت للناس
والحج ، وهذا إنما يكون إذا استهل به الناس والشهر بيِّن وإن لم يكن هلالا ولا
شهراً . وأصل هذه المسألة أن الله سبحانه وتعالى علق أحكاماً شرعية
بمسمى الهلال والشهر ، كالصوم والفطر والنحر ، فقال تعالى : ( يسألونك عن الأهلة
قل هي مواقيت للناس والحج " فبين سبحانه أن الأهلة مواقيت للناس والحج . قال تعالى : " كتب عليكم الصيام – إلى قوله – شهر
رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للنـاس " أنه أوجب صوم شهر رمضان وهذا متفق
عليه بين المسلمين . لكن الذي تنازع فيه الناس أن الهلال : هل هو إسم لما يظهر في
السماء ؟ وإن لم يعلم به الناس ؟ وبه يدخل الشهر أو الهلال اسم لما يستهل به الناس
. والشهر لما اشتهر بينهم ؟ على قولين : فمن قال بالأول يقول : من رأى الهلال وحده فقد دخل ميقات
الصوم ودخل شهر رمضان في حقه . وتلك الليلة هي في نفس الأمر من رمضان ، وإن لم
يعلم غيره ، ويقول من لم يره : إذا تبين له أنه كان طالعاً قضى الصوم ، وهذا هو
القياس في شهر الفطر وفي شهر النحر ، لكن شهر النحر ما علمت أحداً قال : من رآه
يقف وحده ، دون سائر الحاج ، وأنه ينحر في اليوم الثاني ويرمي جمرة العقبة ،
ويتحلل دون سائر الحاج ، وإنما تنازعوا في الفطر : فالأكثرون ألحقوه بالنحر ،
وقالوا : لا يفطر إلا مع المسلمين ، وآخرون قالوا : بل الفطر كالصوم ، ولم يأمر
الله العباد بصوم واحد وثلاثين يوماً . وتناقض هذه الأقوال يدل على أن الصحيح هو
مثل ذلك في ذي الحجة . وحينئذ فشرط كونه هلالا وشهراً شهرته بين الناس ، واستهلال
الناس به حتى لو رآه عشرة ولم يشتهر ذلك عند عامة أهل البلد لكون شهادتهم مردودة
أو لكونهم لم يشهدوا به كان حكمهم حكم سائر المسلمين ، فكما لا يقفون ولا ينحرون
ولا يصلون العيد إلا مع المسلمين . وهذا معنى قوله : ( صومكم يوم تصومون وفطركم
يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون ( ولهذا قال أحمد : " يد الله على الجماعة
" . وعلى هذا تفترق أحكام الشهر : هل هو شهر في حق أهل البلد
كلهم ؟ أو ليس شهراً في حقهم كلهم ؟ يبين ذلك قوله تعالى : " فمن شهد منكم
الشهر فليصمه " فإنما أمر بالصوم من شهد الشهر ، والشهود لا يكون إلا لشهر
اشتهر بين الناس حتى يتصور شهوده والغيبة عنه . وقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا رأيتموه فصوموه وإذا
رأيتموه فافطروا ، وصوموا من الوضح إلى الوضح ) ونحو خطاب للجماعة . لكن من كان في
مكان ليس فيه غيره ، إذا رآه صامه فإنه ليس هناك غيره . وعلى هذا فلو أفطر ثم تبين
أنه رؤي في مكان آخر أو ثبت نصف النهار لم يجب عليه القضاء ، وهذا إحدى الروايتين
عن أحمد . فإنه إنما صار شهراً في حقهم من حين ظهر واشتهر ، ومن حينئذ وجب الإمساك
كأهل عاشوراء ، الذين أُمروا بالصوم في أثناء النهار ، ولم يؤمروا بالقضاء على
الصحيح ، وحديث القضاء ضعيف ، والله أعلم . ويقول – رحمه الله – في الصفحة 180 من الكتاب نفسه : ومنهم من يعتمد على رؤيته بالمشرق قبل الاستسرار ، فيوجبون
استسراره ليلتين ، ويقولون : أول يوم يرى في أوله فهو من الشهر الماضي ، واليوم
يكون اليوم الذي لا يرى في طرفيه ، ثم اليوم الذي يرى في آخره هو أول الشهر الثاني
ويجعلون مبدأ الشهر قبل رؤية الهلال ، مع العلم بأن الهلال يستسر ليلة تارة
وليلتين أخرى ، وقد يستسر ثلاث ليال . والله أعلم . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين . عبـدالله بن زيـد آل
محـــمود رئيس المحاكم الشرعية
والشئون الدينية بدولة
قطر |