المســـكرات والخمـــور

وما يترتب عليها من الأضرار والشرور

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله معز من أطاعه واتقاه ومذل من أضاع أمره وعصاه ، الذي وفق أهل طاعته للعمل بما رضاه وخذل أهل معصيته فاستحوذ عليهم الشيطان وحبب إليهم الكفر والفسوق والعصيان وأنساهم ذكر الله . وأشهد أن لا إله إلا الله ولا رب لنا سواه ، وأشهد أن محمداً نبيه ورسوله الذي اصطفاه من بين خلقه واجتباه واختاره لأعباء نبوته وتبليغ رسالته فأوحى إليه ما أوحاه . اللهم صل على نبيك ورسولك وعلى آله وصحبه ومن تمسك بسنته واتبع هداه .

أما بعد : فقد قال الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ، فهل أنتم منتهون وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا إنما على رسولنا البلاغ المبين " .

قال بعض السلف : إذا سمعت الله يقول : " يا أيها الذين آمنوا " فاصغ لها سمعك ، فانها خير تؤمر به أو شر تنهى عنه .

نادى الله عباده باسم الإيمان بعدما هاجروا إلى المدينة ورسخ الايمان في قلوبهم ، وانقادت للعمل به جوارحهم فلا توجد هذه الصيغة إلا في السور المدنيات ، وهذه الآيات هي من سورة المائدة التي هي من آخر القرآن نزولا فأحلوا حلالها وحرموا حرامها .

وهي نص قطعي في تحريم الخمر ، فمن قال بإباحتها فقد كفر . والله سبحانه لا يحرم شيئاً من المحرمات كالربا والزنا وشرب الخمر إلا ومضرته واضحة ، ومفسدته راجحة ، ولا يوجب شيئاً من الواجبات ، كالصلاة والزكاة والصيام ، إلا ومصلحته راجحة ومنفعته واضحة .

وقد حرّم الله الخمر لفنون المضار المتفرعة عنها ، لأنها أم الخبائث وجماع الإثم ومفتاح الشرور والداعية إلى الفجور ، تهتك الأسرار وتقصر الأعمار ، وتولد في الجسم أنواع المضار ، تذهب بالثروة وتهدم بيوت الأسرة وتورث شاربها فنوناً من الجنون والجهالة والغفلة .

ولا يزال الرجل يمشي مع الناس العنق بعفاف وشرف وحسن خلق إلى أن يشرب الخمر ويدب السكر في رأسه ، فعند ذلك ينسلخ من الفضائل ويتخلق بالرذائل ويستوحش من أهله وأقاربه وجيرانه ، وتنزل الكآبة وسيما السوء على وجهه ، وتخيم الوحشة على أهل بيته ، فيبتلون بالخوف الشديد من توقع سطوته ، لكونه قد أزال عن نفسه نعمة العقل التي شرفه الله بها وألحق نفسه بالمجانين ، وكيف يرضى بجنون من عقل .

وحسبكم وصف القرآن لها بصفات عشر كلها تستدعي البعد عنها صيانة لدينه وعرضه وبدنه ، فوصفها بأنها رجس والرجس هو النجس الخبيث ، فمتى تربى الجيسم على هذا الرجس النجس الخبيث ، صار نجساً خبيثاً ، لأن الغاذي شبيه بالمغتذي وحتى أن نسل شارب الخمر من أبنائه وبناته ويصيرون معتوهين مشوّهين ، معرّضين للأمراض والأضرار والجنون والخبال ، لتكوينهم من نطفة نجسة التي هي بمثابة البذر الخبيث ، والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكداً .

ثم وصفها ثانياً : بأنها من عمل الشيطان ، فلا يحبها ويدمن شربها إلا من هو شيطان مثلها ليس من أولياء الرحمن ، وحسبكم ما تحسونه من سوء تصرفات الشيطان ، وكونه يسعى دائماً بفعل الفحشاء والمنكر .

ثم وصفها ثالثاً : بقوله " فاجتنبوه لعلكم تفلحون " وهذه صيغة مبالغة في المباعدة ، كأنه يقول : إبعدوا كل البعد عنها ، كونوا في جانب وهي في جانب .

فقوله : اجتنبوه هي أبلغ في الزجر من قوله : دعوه أو اتركوه لعلكم تفلحون ، فدلت هذه الآية بطريق الفحوى على أن شارب الخمر بعيد من الفلاح ، غارق في الفساد والسفاه ، ( قد استحو> عليهم الشيطان فأنساهم >كر الله أولئك حزب الشيطان )

ثم عاد رابعاً : إلى الزجر عنها ، فقال : " إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر " ، أما العداوة في الخمر فمعروفة محسوسة ، وهو أن الانسان إذا شرب الخمر وسكر ، هذى وافترى وسب وضرب وشتم أهله وعياله ، لكونه قد أزال عن نفسه نعمة العقل الذي شرفه الله بها .

وكان جماعة من الأنصار جالسين في شرب الخمر في الجاهلية قبل أن يحرمها الإسلام ، فشربوا ثم سكروا فعبث بعضهم ببعض وثار بعضهم على بعض بالضرب والقتل ، فلما صحوا وزال عنهم السكر ، قال بعضهم لبعض : والله ما فعل بي فلان هذا إلا لحقد كامن في قلبه على قبل السكر ، فنشبت بينهم الحرب سنين عديدة حتى أطفاها الله بالإسلام وببعثة محمد – عليه الصلاة والسلام – وأنزل الله " واذكروا إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً " . وقد قال النبي – صلى الله عليه وسلم – لأشج عبد القيس : " ما هذه الشجة التي أرى في وجهك . فقال : يا رسول الله إن رجلا من قومي شرب الخمر فسكر ، فضربني بلحي جمل حتى شجني . فقال : نعم . قاتل الله الخمر هكذا تفعل بشاربها " وذكر ابن رجب في اللطائف : أن رجلا كان يشرب الخمر وكانت أمه تنهاه عن شربها ، فبينما هي ذات يوم وقد سجرت تنورها فجاء ابنها وهو سكران فحمل أمه وقذف بها في التنور فاحترقت .

فهذا من فنون العداوة في الخمر ، وأما العداوة في الميسر ، فإن الميسر : القمار ، ومتى غلب أحدهما صاحبه في القمار وغبنه ماله ، فإنه يحتقب له العداوة والبغضاء من أجل سلبه ماله هو عديل روحه وقوام بنيته وبيته ، ولأنه أكل للمال بالباطل ، وقد نهى الله في كتابه وعلى لسان نبيه عن كل عمل وكل كسب يؤول إلى العداوة والبغضاء بين المسلمين .

وأما قوله : " ويصدكم عن ذكرالله وعن الصلاة " ، فإن هذا أمر واقع ومحسوس ملموس ، فإنك قلًّ أن تجد السكير أو اللاعب بالقمار في المسجد ، لكونهما في غفلة ساهون ، استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله ، ومن المعلوم أنهما لو داوما على فعل الصلاة ، لنهتهما عن ارتكاب مثل هذه المنكرات ، فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر . ثم قال : " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين " . فلا أبلغ في الزجر والتحذير عن مخالفة أمره بارتكاب محرماته وترك طاعاته ، والآية سيقت لتأكيد تحريم شرب الخمر الذي هو مفتاح كل شر .

إن الله سبحانه ، لمّا ذكر هذه الزواجر عن هذه الجريمة الأثيمة ، قال بعد هذا كله : " فهل أنتم منتهون " ، فقد أحسن من انتهى إلى ما سمع . ولهذا قال عمر بن الخطاب : سمعاً وطاعة لله ورسوله ، فقد انتهينا ، قبحاً لها وسحقا ، قرنت بالأنصاب والأزلام . وكان جماعة من الأنصار مجتمعين في بيت أبي طلحة على شرب ما قبل أن تحرم الخمر ، فسمعوا صوتاً عالياً ، فقال أبو طلحة لأنس بن مالك : انظر ما هذا الصوت ، فخرج ثم رجع ، فقال : هذا منادي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ينادي بتحريم الخمر ، وكانت الكؤوس بأيديهم فأخذوا يضربون بها الحيطان ويقولون : سمعاً وطاعة لله رسوله ، ثم خرجوا إلى السوق وبه ضروف الخمر ، فجعلوا يضربونها بالسكاكين حتى سالت بالأزقة ، وكان بعضهم يقول : والله إن كنا لنكرمك عن هذا المصرع قبل هذا اليوم . ولمّا حرم بيعها وشراءها وكل وسيلة تؤول إلى شربها .

وسأل أبو طلحة النبي – صلى الله عليه وسلم – عن خمر لأيتام في حجره ، وهل يجعلها خلا ، فنهى رسول الله عن ذلك ، ولهذا لعن رسول الله الخمر ، عاصرها ومعتصرها وساقيها وشاربها وبائعها ومشتريها وحاملها والمحمولة اليه كل هؤلاء واقعون في اللعنة لتساعدهم فعل هذه الفاحشة المحرمة . وحسبها قبحاً أن النبي – صلى الله عليه وسلم قال : " لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن " .

يقول بعض الناس : إن الخمر متى أدمن صاحبها شربها وتخمر في رأسه حبها ، فانه قلّ أن يقلع عنها أو يتوب عنها ، لأنه كلما اشتكى رأسه من وجعها عاد إلى شربها ، على حد ما قيل : فداوني بالتي هي الداء .

ونحن لا نسلم لصحة هذا القول ولا لهذا الاعتقاد لوقوع العمل بضده ، بطريق التجربة والمشاهدة ، لكون عمل النفس من صاحبها ، فالإقلاع عنها ، والتوبة منها هو سهل ميسر مع قوة الإرادة وصدق العزيمة ، أما رأيت الصحابة الكرام كيف تربوا على حبها وإدمان شربها في جاهليتهم من حالة صغرهم إلى كبرهم ، ثم أقلعوا عنها وتابوا منها بعد الإسلام وبعد ما رسخ الايمان في قلوبهم ، لكون الايمان الراسخ هو أعظم وازع إلى أفعال الطاعات وأقوى رادع عن ارتكاب المنكرات ، والصبر المحمود هو الصبر على طاعة الله والصبر عما حرم الله .

إلى حالة أن الصحابة ندمو على الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله وهي في بطونهم قبل أن تحرم الخمر عليهم ، فأنزل الله " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات " لكون الشرائع لا تلزم إلا بعد البلوغ .

فهؤلا ء الصحابة – رضي الله عنهم – لم يكن إقلاعهم عنها ثقيلا في نفوسهم لكون قوة الايمان هو أعظم وازع وأقوى رادع عن ارتكاب المنكرات وشرب المسكرات .

ولن ترجع الأنفس عن غيّها     ما لم يكن منها لها زاجر

وقد شرع الله الصيام لمغالبة النفس والشهوة والهوى ، فيصبر عما حرم الله عليه من كل ما يشتهيه من الطعام والشراب والوقاع والخمر والدخان ، حتى لو ضرب المسلم على أن يستبيح الفطر في نهار رمضان ، لما استباح الفطر أبداً ، لكون المؤمن يلجم نفسه بلجام التقوى ويكفها عن مراتع الغيِّ والردى حتى تتعود الصبر على طاعة الله ثم الصبر عما حرم الله والنفس من صاحبها ، فإن أطمعها في فنون المشتهيات وأرخى لها العنان في تناول المطاعم والمشارب والمحرمات طمعت واشتهت وإن ألجمها بلجام التقوى وكبحها عن مشارب الغيِّ والردى ، سلت وسمحت وانقادت .

وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى        فإن أطعمت تاقت والا تسلت

و " قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها " .

إن الله سبحانه خلق الانسان وفضله بالعقل على سائر الحيوان وركب فيه السمع والبصر ليتم بذلك استعداده لتناول المنافع والتباعد عن المضار ، فمتى وقع في مضار الإسكار لغلبته شهوته على عقله علماً حينئذ بأنه ليس لديه عقل صحيح وأنه استحب العمى على الهدى ، لأنه إنما سمي العقل عقلا لكونه يعقل عن الله أمره ونهيه أو لكونه يعقل صاحبه على الفرائض والفضائل ويردعه عن منكرات الأخلاق والرذائل ، كما قيل :

والعقل في معنى العقال ولفظه      فالخير يعقل والسفاه يحله

يعني أن العقل صاحبه على فعل الخير واجتناب الشر ، وأن السفاه هو الذي يحل هذا العقال ويجعله يتخبط في فنون الضلال والخبال من أنواع الشرور وشرب الخمور ، "ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً " .

قبحاً لهاتيك العقول فإنها         عقال على أصحابها وعقاب

وهكذا يقال في الصبر عن شرب الدخان الذي هو أضر شيء على الأبدان ، والدخان هو المسمى بالتبغ ، سواء كان من سيجارة أو نارجيلة ، وإن كبار الأطباء على اختلاف أوطانهم ، نجدهم يحذرون أشد التحذير عن شرب الدخان لعلمهم بالأضرار الناشئة عنه ، من كونه يعبث بالصحة ويحدث فنوناً من الأسقام فهو من الأشربة المحدثة الضارة للصحة ، ولأجله قال كثير من العلماء بتحريمه ، فمن الواجب على العاقل أن يصون نفسه عن مقارفته ، وإن كان قد ابتلي به وجب أن يتوب عنه ، حفظاً لصحته وحماية لذريته الذين يستنون بسنته ويقتدون بسيرته ، وقد قام الطب الحديث في هذا الزمان على تحقيق مضرته وسوء مغبته ، وأنه يعجل بهلاك المصدورين ، وقد وصفه بعض الأطباء بالحية المنطوية على الجسم .

مفتـر الجسم لا نفــع أبــدا       بل يورث الفقر والأسقام في البدن

تباً لشاربـه كيف المقــام على        ما ريحه شبه السرجين من عطن

ولا يغرنك من في الناس يشربـه       الناس في غفلة عن واضح السنن

 يقضي على المرء في أيام محنته       حتى يرى حسـناً ما ليس بالحسن

قال في كتاب " الصحة والحياة " لمؤلفه الطبيب أ. س. سلمون :

" إن الناس في مختلف الأقطار مستعبدون لعادتين وخيمتين شديدتي التنكيل بالجهاز التنفسي وهما : تدخين التبغ وتعاطي المشروبات الروحية والمواد المسكرة ، ودخان التبغ يؤذي كل عضو من أعضاء الجهاز التنفسي ، فهو يحدث التهاباً في الأغشية المخاطبة والخاصة بالأنف والحلق والقصبة الهوائية ويسبب السعال ويفتك بغشاء الرئتين فتكاً ذريعاً ، بحيث يعرّضها للتدرن وما إليه من الأمراض الفتاكة التي يصعب دفع غوائلها ، ويعرف الأطباء الناس الذين يتعاطون الكحول ويشربون الدخان ( التبغ ) أنهم معرّضون بسهولة للالتهاب الرئوي وأمراض التدرن وأن الفرص لشفائهم من هذه الأمراض حين يصابون بها صعبة جداً ، وهذا دليل ساطع وبرهان قاطع على الضرر البليغ الذي يسببه الكحول والتبغ ، وليت مضار الكحول والتبغ تقف عند حد الرئتين ، بل إنها تتعداهما إلى جميع أجزاء الجسم " .

إن النصارى في هذا الزمان قد صاروا أشد الناس عداوة ومحاربة للكحول والتدخين ، فينشرون عنهما من الأضرار الناجمة والمتفرعة عنهما ما يقتضي التحذير والتنفير منهما ، من ذلك أنهم منعوا منعاً باتاً جميع الدعايات إلى الخمور أو التدخين لا في الألواح ولا التلفزيون ولا السينما ، ثم ألزموا الشركات التي تتعامل في الدخان بأن تكتب على كل علبة وكل سيجارة ( احذر شرب الدخان ، فإنه يضر صحتك ) ، وكل ما لا يكتب عليه فإنه يصادر . وهذه من الأسباب التي قللت فشوه وانتشاره في بلدهم ، إذ الوقاية خير من العلاج .

فمتى كان الأمر في الدخان ( التبغ ) بهذه الصفة من تحقيق مضرته وسوء عاقبته ، فإن من الواجب على وزارة التربية والتعليم ورعاية الشباب ، إصدار قرار بمنع التدخين في المدارس من كل أحد احتراماً لها ، كما يحترم الناس المساجد بعدم التدخين فيها ، ومراعاة لتقليله وعدمه ، وإنما أسست المدارس لتعليم الشباب ما ينفعهم وتحذيرهم عما يضرهم وهذا منها ، خصوصاً الأساتذة ، فإنه متى قام أحدهم بالتدخين بمرأى من الشباب والمتعلمين ، فإن هذا تعليم منه بإباحته ، ودعاية سافرة إلى فعله ، إذ التعليم والدعاية بالأفعال أبلغ منها بالأقوال ، والأستاذ قدوة تلميذه وثقته به يستدعي قبوله لما يقوله ويفعله ، فالتلاميذ مع الأساتذة بمثابة الأعضاء مع اللسان تقول : لتق الله فينا فإن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا .

إن في المشروبات المباحة النافعة التي تزيد في صحة الجسم والعقل ما يغني ويكفي عن هذه الأشربة الخبيثة التي ضررها أكبر من نفعها ، ولكن حبك للشيء يعمي ويصم ، فلا يسمع محبها نداءها ولا يرى ضررها للغير وايذاءها ، وقد حفت النار بالشهوات .

والنفس كالطفل إن تتركه شب على     حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم

أتدرون ما هي الخمر المحرمة بالكتاب والسنة ؟ هي كل ما أسكر كثيره فقليله حرام ، وهو خمر من أي شيء كان كما ثبت بذلك الحديث وفي رواية " ماأسكر كثيره فملء الفم منه حرام " .

فهذا هو المعيار الشرعي الذي توزن وتميز به الخمر المحرمة ، لأن الخمر يكون من التمر ويكون من العنب ويكون من الشعير ومن الذرة ويكون ايضاً من مشروبات مستحدثة ، مما يسميه الناس بغير اسمه ، فلا تنس أن ما أسكر كثيره فقليله حرام ، وهو خمر من أي شيء كان حتى لو وجد عين ماء من شرب منها سكر ، لحكمنا عليها بأنها خمر محرم اعتباراً بالميزان الشرعي .

فما يسمونه البيرة بدون كحول هو خمر محقق لانطباق وصف الخمر المحرم عليه ، فقد ثبت بالاختبار والتجربة أن شرب مقدار زجاجتين منها يسكر ، وهذا أمر صحيح ثابت ، فكتابتهم عليها ( بيرة بدون كحول ) هو خداع وتغرير لقصد ترويجها بين الناس ، وإلا فإنها مشتملة على الكحول المسكرة ، فهي محرمه قطعاُ لاعتبار أنها خمر محرم ، ومثله شارب الترياق والحشيشة وغير ذلك من فنون الأشربة المسكرة المستحدثة ، ولا ينبغي أن نغفل عن الميزان الشرعي لهذه الأشياء ، وهو قول النبي – صلى الله عليه وسلم - : " ما أسكر كثيره فقليله حرام وهو خمر من أي شيء كان " .

حرمت الخمر لعموم الأضرار المتنوعة والمتفرعة منها ، فضررها على الروح والعقل وعلى الجسم والنسل وعلى المال وعلى الصحة وعلى المجتمع ، تقصر الأعمار ، وتهتك الأسرار ، وتوقع في فنون من الأضرار والأمراض ، تطيش بالعقل عن مستواه إلى حالة الطفور والطغيان ومجاوزة الحد في الكبر والفسوق والعصيان ، حتى يخيل للرجل السافل الساقط أنه ملك قاهر وجبار قادر ، كما يقول بعضهم .

فنشربها وتتركنت ملوكاً         وأسـداً لا ينهنهها اللقاء

فيندفع إلى تحقيق هذه الخيالات الخمرية ، فيغضب ويضرب ويسوء خلقه على أهله وعياله وعلى الناس ، ثم يخيم الخوف والوحشة على أهل بيته ، بحيث يخافون سطوته ، لأنه قد أزال عن نفسه نعمة العقل الذي شرفه الله بها وألحق نفسه بالمجانين ، وكيف يرضى بجنون من عقل ، فإن كان في حالة السكر يقود سيارة من حديد ، فإنه ينجم عنه الضر والبأس الشديد ، ولأجله اشتد غضب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على الخمر ، فقال : " لعن الله الخمر ساقيها وشاربها وبائعها ومشتريها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه " كل هؤلاء واقعون في اللعنة . وقال : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها بكأس الخمر " .

وأخبر " أن الناس في آخر الزمان يشربون الخمر ويسمونها بغير إسمها " ، والأسماء لا تغير الأشياء عن حقائقها . وأخبر " أن أناساً من هذه الأمة يبيتون على لعب ولهو وشرب خمر ، فيصبحون وقد مسخوا قردة وخنازير " رواه أحمد والبيهقي وبن أبي الدنيا من حديث أبي أمامة وسنده ضعيف . وهذا المسخ والله أعلم ، هو مسخ صورى : أي يصبحوا في أخلاق القردة والخنازير ، ينزوا بعضهم على بعض ، قد ذهبت منهم المروءة والغيرة والحياء والعفة والخلق الحسن ويظهر أثر هذا المسخ على سيماهم وأخلاقهم ، يعرفه المتفرسون من الناس ، وقد يكون هذا المسخ حقيقياً ، كما وقع لمن قبلهم والله على كل شيء قدير . وقد سئل النبي – صلى الله عليه وسلم – عن الخمر يصفها للدواء فقال : " إنها ليست بدواء ولكنها داء " .

فيا سبحان الله ، كم في الخمر من آفات ومضرات ، ولكن حبها يعمي ويصم فلا يحس محبها بأضرارها ولا يرى فتكها للغير وايذاءها .

سكران سكر هوى وسكر مدامة         فمتى إفاقة من به سكـــران

وإلا فإن ضررها يتناول الروح والجسد والمال والولد والعرض والشرف ، فكم أزالت من نعمة وكم جلبت من نقمة ، وكم خربت من دار ، وكم أذهبت من عقار ، وكم أفقرت من تجار ، وكم نقلت العقل الصحيح من حالة العدل وحسن التدبير وكمال التفكير إلى حالة الجهل والخبال والفساد الكبير .لهذه الأسباب حرمها كثير من مشركي العرب في الجاهلية على أنفسهم ، قبل أن يحرمها الإسلام ويقول أحدهم كيف أشرب ما يزيل عقلي ويلحقني بالمجانين .

وحتى النصارى على كفرهم وضلالهم ، أخذوا يعقدون الاجتماعات على إثر الاجتماعات في محاولة التحريم لهذه المسكرات حين رأوا فتكها بأخلاق البنين والبنات وإفسادها للبيوت والعائلات ، ولكنهم لم ينجحوا في منعها ، من أجل تربيتهم على حبها ومع عدم نجاحهم ، فإنهم يجاهدون في تقليل شربها ، حتى أن الكأس الذي يشرب به أحدهم ليوصف بإصبع الإبهام ، وكثير منهم تعففوا عنها .

وحتى كتب الأطباء منهم مملوءة ببيان أضرارها والتحذير عنها وحتى المحاكم الشرعية والقانونية مملوءة من الحوادث والجرائم والفجور الناشئة عن شرب الخمور وهي من اكبر الوسائل لقطعية الارحام وفساد الالفة الزوجية .

وأن العلماء والأمراء والوزراء ومجالس الشورى ، يجب أن يكونوا بمثابة الحماة المرابطين دون ثغر دينهم ووطنهم ، يحمونه عن دخول الفساد وما يعود بخراب البلاد وفساد أخلاق العباد ، وخاصة النساء والأولاد .

فمتى قصر هؤلاء بواجبهم وأهملوا حماية وطنهم وتركوا الخمور تجلب إليها والحوانيت تفتح لبيعها ، بحيث تكون في متناول كل يد من صغير وكبير ، فإنهم حينئذ قد استودع منهم ويعتبرون بأنهم غرقوا جميعاً في غرمها وإثمها ، ويصيرون مستعبدين طول حياتهم لأضرارها وأمراضها ، وحتى الذين لا يشربونها من الكبار ، فإنهم يبتلون بمن يشربها من أولادهم وأهل بيتهم ، ثم يقود بعضهم بعضاً إليها ، حتى يغرقوا جميعاً فيها ، والدفع أيسر من الرفع ، ومن العصمة أن لا تقدر " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض " .

وقد شرع الله على لسان نبيه إقامة الحد بالجلد كفارة عنها ، وليكون بمثابة الزجر عن ارتكاب هذه الجريمة الأثيمة لأن دين الاسلام قائم على محاربة الجرائم على اختلاف أنواعها وتقليلها وتطهير المجتمع منها ، فشرع الله القصاص صيانة للدماء ، وشرع الله حد الزنا صيانة للأنساب والأعراض ، وشرع قطع يد السارق صيانة للأموال ، بحيث يستتب الأمن ويقل العدوان ، وشرع حد الخمر صيانة للعقول والأرواح والأجسام والمجتمع ، وأنزل الله " ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر " . وقال في حد الزنا : " وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين " ولا تقوم النكاية بالسجن أو تطويله ولا الغرامة بالمال مقام الحد بالجلد ، لكون الجلد تكفيراً للجريمة وزجراً له عن معاودة فعلها ، وردعا للناس ، لان السجن يتعدى ضرره إلى ضرره إلى أهله وعياله الذين لا جريمة لهم ، بخلاف الحد بالجلد ، فإنه مقصور على الفاعل نفسه ، ولأن من لا يكرم نفسه لا يكرم ، ومن يهن الله فما له من مكرم ، و " حد يقام في الأرض خير لأهلها من أن يمطروا أربعين صباحاً " ، كما يفيده إقامة الحد من اصلاح المجتمع وتقليل المفاسد فيه .

والنبي – صلى الله عليه وسلم – جلد في الخمر أربعين ، وأبو بكر أربعين وعمر ثمانين ، والكل سنة ، وقال : " من شرب الخمر فاجلدوه ، ثم إذا شرب الخمر فاجلدوه ، ثم إذا شرب الخمر فاجلدوه " . وقال من حالت شفاعته دون حد من حدود الله ، فقد ضاد الله في أمره . ولهذا يقول الله " تلك حدود الله فلا تعتدوها " وحدود الله محرماته ، فإقامة الحد كفارة عن ارتكاب هذا الذنب وتطهير له وزجر عن معاودته ، وردع للناس عن مقارفة مثله ، وخير الناس من وعذ بغيره ، فهو يقلل فشو هذه الجريمة الأثيمة ، لاعتباره رحمة للفاعل ولجميع الناس وان عدوه عقاباً .

فأعداء الإسلام الذين ينسبون إقامة الحدود إلى القساوة والوحشية ، هم الذين يسعون في الأرض فساداً ، فهم يسببون تكثير الجرائم بالسكوت عليها وعن الفاعلين لها ، وتلطيف أعمالهم حتى تمتليء الدنيا فساداً ، فإن كل من أمن العقوبة أساء الأدب والعصا زجر من عصى ، فهم دائماً يرمون المسلمين بدائهم فهم الذين صنعوا القنبلة الذرية التي يقضي بهلاك الملايين من الآدميين ما بين شيوخ وعجائز وحوامل وأطفال وبهائم ممن لا ذنب لهم وتفسد الحرث والنسل ، فهذا والله حقيقة الوحشية والفساد الكبير والله لا يحب المفسدين .

وجميع الناس من الصالحين والفاسقين أصبحوا يتحدثون عن مضار الخمر وخطرها على الأفراد والمجتمع وعلى الشباب والنساء حتى صارت جل حديث القوم في مجالسهم وأنديتهم ، كأنها غزو يريد تدمير بلادهم وسبي ذراريهم ونسائهم ، ويتزايد ضررها ويعظم خطرها في البلدان الحارة كبلدان نجد والحجاز والخليج وما جاورها ، وإذا اعتاد الشاب شربها في حالة صغره ، فإنه ينقصم عمره في شرخ شبابه ، بحيث لا يتجاوز غالباً سن العشرين إلى الثلاثين من عمره . فهي تعجل بهلاكه لأجل إسرافه في شربها ، فهي من ورطات المعاصي التي لا مخلص لمن أوقع نفسه فيها إلا بالتوبة عنها ولا يزال الشخص يمشي مع الناس العنق بعفاف وشرف وحسن خلق إلى أن يشرب الخمر ويدب السكر في رأسه فعند ذلك ينسلخ من الفضائل ويتخلق بالرذائل ويستوحش من أقاربه وجلسائه ، وتظهر الكآبة على وجهه ، وتخيم الوحشة على أهل بيته ، ويبغض الناس ويبغضونه ثم يصير مستعبداً لهذه العادة الضارة طول حياته ، يتمنى الخلاص منها ولا يستطيع ، ثم تسري العدوى منه إلى أولاده لاقتدائهم بسيرته وفساد طريقته .

إن الذين يعرفون مضار الخمر وإفسادها للأخلاق والمجتمع وللنساء والشباب ، ثم يعللون عملهم في الاتجار فيها والتسامح في تدخيلها إلى بلدهم عن طريق التهريب الخفي مع كونهم مسلمين أنهم ليس فيهم غيرة دينية ولا حمية وطنية ، فهم يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا وحسبهم من الشر وقوعهم في اللعنة ، فقد لعن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الخمر وبائعها ومشتريها كما أن ثمنها حرام ، وخطب رسول الله على رتاج الكعبة يوم فتح مكة ، فقال : " إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام " .

إن بلد الإنسان بمثابة أمه التي ولدته وغذته بلبانها ، فالذي يجلب الخمر إلى بلده هو بمثابة الذي يقود السوء على أمه ، لقد كان من واجب المسلم الغيور أن يبر أهل بلده ، وأن يوصل إليهم ما ينفعهم ويدفع عنهم ما يضرهم ، لاعتبار أنهم لحمة من جسده يسوؤه ما يسوؤهم ويضره ما يضرهم ، وأن إدخال الخمر المحرمة غلى البلد هي أضر على أهلها من إدخال المطاعم والمشارب المسمومة ، لأن المطاعم والمشارب المسمومة تضر بالبدن فقط وربما يكون الهالك بها شهيداً عند الله ، أما الخمر فإنها تهلك البدن والعقل والدين ، ومن لقي الله وهو يستبيح شربها لقيه كعابد وثن ، فالأخوة الإسلامية والنخوة العربية توجب النفرة عن الاتجار في هذا العمل الضار ، كيف وقد لعن رسول الله الخمر وبائعها ومشتريها ، وإن أكل ثمنها وأرباحها حرام ، " فمن جاعه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون " .

 إلا أن شرب الخمر ذنب معظم         يزيل صفات الآدمي المســدد

 ويلحق بالأنعام بل  هو دونهـا          يخلط في أفعاله غير مهتـــد

 يزيل الحيا عنه  ويذهب بالغنى         ويوقع في الفحشاء وقتل التعمد

فكل صفات الذم فيهـا تجمعت           لذا سميت أم الفجور فاسنــد

إن بعض الشباب الطائشين وبعض التجار المترفين قد صرفوا جل عقولهم وأعمالهم واهتمامهم إلى تقليد النصارى في جميع أعمالهم وعاداتهم حتى في سفاسف أخلاقهم يظنون من رأيهم القصير وعزمهم الحقير أن الحضارة والمدنية والرقي والتقدم هو في التوسع في فنون الترف والفجور ومعاقرة الخمور ومجاراة النصارى في الخلاعة والسفور ، قد ضربهم من الجهل سرادق ومن الغباوة أطباق وغرهم بالله الغرور ، تالله لقد سلكوا شعاب الضلالة وسقطوا في هوة المذلة ورضوا بأخلاق المذمة التي ساقهم إليها ودلهم عليها صريح الجهل وسفالة الأخلاق ومجالسة الفساق ، فإن داموا على ما هم عليه ولم يعدلوا سيرتهم ولم يرجعوا إلى طاعة ربهم ولم ينتهوا عما حرم عليهم ، فإنهم يصيرون مثالا للمعايب ورشقاً لنبال المثالب وسيسجل التاريخ مساوئهم السيئة التي خالفوا بها سيرة سلفهم الصالحين الذين شرفوا عليهم بتمسكهم بالدين وطاعة رب العالمين فلا أدري من أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ، فانتبهوا من غفلتكم وتوبوا من زللكم وحافظوا على فرائض ربكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين .

حرر في 1 رمضان المبارك 1396هـ

الكـــتــب