منع تصوير شخصية الرسول وكلامه وحركاته

في مناسبة إخراج فيلم سينمائي عن الرسول وحياته

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي هدانا للاسلام وأشهد أن لا اله إلا الله شهادة من قال ربي الله ثم استقام واشهد أن محمداً نبيه ورسوله سيد الأنام اللهم صل على نبيك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه البررة الكرام .

أما بعد فقد قال الله تعالى : ( لقد من الله على المؤمنين اذ بعث فيهم رسولا من انفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) .

فأخبر الله سبحانه بأنه امتن على عباده المؤمنين ببعثة هذا النبي الكريم ( عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ) فبصر الناس من العمى وانقذهم من الجاهلية ويتلو عليهم آياته القرآنية ويفسرها لهم تفسيراً يزكي به اخلاقهم ويطهر اعراقهم فزكى اخلاقهم بالفرائض والفضائل وطهرها عن الشرك ومنكرات الاخلاق والرذائل لأن الشرائع الدينية هي التي تزكي النفوس وتطهرها وتنشر في العالمين فخرها وقد افلح من زكاها وقد خاب من دساها وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين ، أي أن العرب قبل الاسلام وقبل بعثة محمد عليه الصلاة والسلام كانوا في شر وشقاء وضلالة عمياء يقتل بعضهم بعضاً ويسبي بعضهم نساء بعض يقتلون اولادهم خشية الفقر ويئدون بناتهم خشية العار فكانوا شقى الناس عيشاً وأجوعهم بطوناً واعراهم ظهوراً وابينهم ضلالا وكانوا مضطهدين بين كسرى وقيصر قد سادهم الغرباء في ارضهم وأذلهم الاجانب في عقر دارهم ، لم يستقلوا استقلالا تاماً الا بالاسلام وبعد بعثة محمد عليه الصلاة والسلام ولم تخشع لهم الامم وتخشى صولتهم الا بعد الاسلام وبعد بعثة محمد عليه الصلاة والسلام .

فالاسلام والعمل بالقرآن هو الذي نفخ في العرب روح العزة والقوة والنظام ، فأنشأ العرب نشأة مستأنفة خرجوا بعدها من جزيرتهم والقرآن بأيديهم يفتحون به ويسودون ويدعون الى اتباع اوامره واجتناب نواهيه فهو السبب الاعظم الذي به نهضوا وفتحوا وسادوا وبلغوا المبالغ كلها من المجد والرقي فسرعان ما دخات محبته في قلوب الخاص والعام حتى دخلوا في دين الله افواجاً ، طائعين مختارين فانتقلوا بهداية القرآن وبدعوة محمد عليه الصلاة والسلام من الفرقة والاختلاف الى الوحدة والائتلاف ومن الجفاء والغلظة والامية الى العلم والحضارة والمدنية ومن القساوة والشدة الى اللين والرحمة واستبدلوا بأرواحهم الجافية الجاهلية ارواحاً سمحة جديدة دينية صيرتهم الى ما صاروا اليه من عز ومنعة ومجد وعلم وعرفان وقد انجزهم ما وعدهم به في القرآن في قوله : ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ) وصدق الله وعده ونصر عبده فكانوا هم ملوك الأمصار بعد ان كانوا عالة في القرى والقفار وقد قال امير المؤمنين عمر بن الخطاب : " ان الله قد اعزكم بالاسلام ومهما طلبتم العز في غيره يذلكم " وانزل الله في يوم عرفة ( اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام ديناً ) .

ان المحبة الصحيحة الصادقة للرسول عليه الصلاة والسلام توجب اتباعه فيما أمر وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما عنه نهى وزجر وأن لا يعيد الله الا بما شرع ولما ادعى اناس محبة الله ورسوله انزل الله عليهم آية المحنة ( قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) فدعوى محبة الرسول مع مخالفة امره تعتبر محبة كاذبة بالحس والوجدان وبالسنة والقرآن ومن ادعى ما ليس فيه فضحته شواهد الامتحان .

لو كان حبك صادقاً لاطعتـه            ان المحب لمن يحب مطيع

فمحبة الرسول مع انتهاك حرمته بتنقصه واستهانة كرامته بالتمثيل بشخصيته او صوته او حركته تعتبر محبة كاذبة لان قبح الجفاء ينافي الحفاء ولأن المحبة الطبيعية لا تغني عن المحبة الدينية شيئاً فهذا ابو طالب عم رسول الله كان يحب الرسول أشد الحب ويحميه وينصره ويعترف برسالته ولكنه لما لم يتبع رسول الله على دينه ولم يطعه في أمره فصار في ضحضاح من نار يغلي منها دماغه لان من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم " لاستغفرن لك ما لم انه عنك " أنزل الله ( ما كان للنبي والذين آمنوا ان يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى ) وقد كتب الله رحمته للذين يتبعون رسول الله في أمره ويجتنبون نهيه فقال تعالى ( ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون . الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم اصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي انزل معه اولئك هم المفلحون . قل يا أيها الناس اني رسول الله اليكم جميعاً ) .

ان بعض الناس في هذا الزمان يتسمون بالاسلام ويدعون محبة الرسول عليه الصلاة والسلام لكنهم يعملون عمل من يبغض الرسول ويعملون عملهم في اسقاط عظمته وحرمته وكرامته من القلوب من ذلك ما سمعناه في هذه الايام من الخبر المسيء لكل مؤمن غيور وذلك من اعلان بعض الشركات السينمائية عن عزمها على انتاج " فيلم سينمائي عن النبي صلى الله عليه وسلم وحياته وتعاليمه " وكان منشأ هذه الفكرة ومبدأ هذه العزيمة هو من القوم الذين اتخذوا دينهم هزواً ولعباً وغرتهم الحياة الدنيا فهم يحاولون التكسب بعرض صورة الرسول وحياته في السينما ولا يبالون بما يترتب عليها من فساد اخلاق الناظرين من سائر العالمين وما يترتب عليها من ضرر الدنيا والدين والتهجم على رسول رب العالمين وهذا العمل بهذه الصفة يعتبر من باب فتح الفتنة على الدين وعلى رسول رب العالمين اذ الكذب على رسول الله ليس كالكذب على غيره وهذا الفيلم هو صريح في محض الكذب على رسول الله فانهم لم يروا شخص رسول الله ولم يسمعوا كلامه ولم يروا حركاته وتصرفاته فكل ما صوروه عنه من هذا القبيل فإنه كذب محض مناف للدين طبق ما نهى عنه رسول رب العالمين . واليهود والنصارى والمشركون الوثنيون يحترمون الخوض في هذا الموضوع قداسة للرسول وكرامة لامته فلا يذكر عن هؤلاء انهم مثلوا بصورته لكنهم متى بلغهم أن المسلمين انفسهم قد فتحوا هذا الباب واخذوا يمثلون بصورة نبيهم وحركاته وتعاليمه في السينما فان أعداء الاسلام حينئذ سيدخلون من هذا الباب ويستبيحون هتك هذا الحجاب فيزيدون بكل ما يشتهون والبادي بالشر أظلم والا فكيف يسوغ للمسلمين ان يبدأوا بفتح هذا الباب لأقوام لا غرض لهم الا محض التكسب بعرض صورة حياة رسول الله وافعاله وصوته وحركاته فيدخلونها في ضمن الالعاب السحرية التي تعبث بالعقول وتوقع في الفضول ويزيدون عليها ما يشاءون ويشتهون .

فدعوى المخترعين لتمثيل قصصه عليه الصلاة والسلام في تبرير استباحة عملهم بأنه درس وعظ ديني مؤثر فانه باطل وتدليس وتلبيس على الناس فليس الامر كذلك بل الصحيح انها توضع وضعاً مزرياً مما يحط قدره وعظمته في نفوس الناس فليست بوعظ مؤثر ابداً .

وجمهور المسلمين من العلماء والعوام في سائر أنحاء العالم يعدون تمثيل النبي محمد عليه الصلاة والسلام اهانة له ومزرياً بقدره وقداسته وكرامته وكذا تمثيل سائر الأنبياء ولا عبرة بشذوذ بعض القائلين بالجواز لزعمهم ان تمثيل الأنبياء ليس باهانة لهم ولا مزرياً بأقدارهم فإن هؤلاء يعتبرون من الأفراد القلائل الذين غلبت عليهم التقاليد الأجنبية بكثرة عرض افلامها على مناظرهم حتى ازالت عن عقولهم التمييز بين الحق والباطل والنافع والضار وحتى صاروا يفضلون هذه العادات السيئة على الآداب الاسلامية .

انه متى كان الملوك والأمراء وكبار العلماء من اهل الدين لا يسمحون لأحد ان يمثل بأشخاصهم واصواتهم وحركاتهم ويعدون ذلك زراية وسخرية بهم وحطاً من اقدارهم ويعاقبون من فعله فما بالك بتمثيل شخصية الرسول او احد من الانبياء والتمثيل بصوته وحركته أ ليس أحق أن يحترم ويمنع منه لانه يحط من قداسة قدره في أنفس العوام وعلى طول الزمان يضعف الايمان به فلا يؤمنون الا بما يشاهدونه من صورته المكذوبة لكون الممثلين اذا ارادوا أن يمثلوا احداً من الانبياء كإبراهيم ويوسف ومحمد عليه الصلاة والسلام عمدوا الى رجل من جفات الاعراب وافر الشعر كث اللحية فأوقفوه ليأخذوا صورته ، ثم خاطبوه بالرسالة قائلين يا رسول الله ما قولك في كذا وكذا فيقول : كذا وكذا ، ولا يزالون يرددون عرض هذا التمثيل على مناظر الناس وأسماعهم حتى تزول بذلك عظميتهم وهيبتهم من القلوب والرسول بشر ميزه الله بالرسالة والقى الله عليه الهيبة والجلال والجمال وان كل من رآه هابه وكل من رآه أحبه . كما قال عبد الله بن سلام : " لما قدم النبي المدينة ورأيت وجهه علمت ان وجهه ليس بوجه كذاب " فتمثيل شخصيته تغيير في حالته وعظمته وهيبته يؤدي الى اسقاط حرمته وكرامته فهي الى المهابة لانها كذب محض في مبناها ومعناها والنبي صلى الله عليه وسلم قال : " ان كذبا علي ليس ككذب على غيري من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار " . رواه البخاري ومسلم وغيرهما من رواية سعيد بن زيد .

فدعوى المنتجين لهذا الفيلم بأن الرسول عليه السلام واهل بيته لن يظهروا لا صوتاً ولا صورة فهذا قول منهم ولا يلزم أن يتقيدوا به دائماً . ولا ان يتقيد به غيرهم متى كان الباب مفتوحاً والمجال مفسوحاً ومن العادة ان كل مشروع يشتمل على امر محرم كهذا بحيث تشمئز منه نفوس الناس وتنكره قلوبهم فانهم يلطفونه في ابتدائه بما يستدعي قبوله وعدم النفرة منه بأنواع من التلبيس والتدليس بالحق ثم يتدرج من سيء الى أسوأ حتى ينتهي الى غايته في الشر وملاك الأمر خواتمه . واما قولهم بأنه صدر في اباحته فتوى من بعض العلماء فلا يبعد وقوع هذه الفتوى وما كل فتوى تستحق القبول والعمل بها وما كل من أمسك الكتاب حكيم وكم كلمة قالت لصاحبها دعني .

وهل افسد الدين الا الملوك      وأحبار سوء ورهبانها

وقد شبهوا زلة العالم بغرق السفينة يغرق بغرقها الخلق الكثير وأكثر ما يهدم الاسلام زلة العالم وجدال المنافق بالقرآن وحكم الأئمة المضلين واخبر النبي صلى الله عليه وسلم ان الناس في آخر الزمان تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه ومن نوع هذه الأهواء ما نحن بصدد الكلام في موضوعه والذي نستبعد وقوعه من العرب المسلمين في نبيهم عليه أفضل الصلاة والسلام ( فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي انزل معه اولئك هم المفلحون ) .

لقد انكر جميع علماء المسلمين هذا العمل وأيدوا بشاعته ووجوب منعه ونهوا عنه اشد النهي وحذروا عن التطرق من جهة هذا الجسر الذي يفضي الى الاخطار الدينية الجسيمة التي تنجم عن هذا المشروع قائلين : اننا نحن المسلمين متى تساهلنا . فتح هذا الباب لتصوير شخصية محمد رسول الله في الافلام السينمائية فلن نستطيع سده بعد اليوم على غير المسلمين وستعمل الشركات الأجنبية عملها في بلاد العالم في انتاج افلام سينمائية كثيرة عن حياة الرسول وان الشركات السينمائية لن تقف في افلامها عند حدود التعظيم والتقديس لشخصية الرسول بل سوف تنتج على ذوقها وحسب رغباتها التجارية وبدافع من اليهود افلاماً تتخيرها من القصص الكاذبة التي افتراها اليهود والمشركون وغيرهم من اعداء الاسلام على النبي صلى الله عليه وسلم في حياته الخاصة وحياته السياسية وان الدول الأجنبية لا تسمح ابداً للشركات السينمائية في اخراج افلام عن شخصية محمد رسول الله احتراماً منها لمشاعر المسلمين في العالم وحفاظاً على حسن علاقاتها مع الدول الاسلامية .

أما اذا فتحنا نحن المسلمين هذا الباب بأنفسنا فاننا لا نستطيع بعد ذلك مطالبة الدول الأجنبية بمنع الشركات السينمائية في بلادها من اخراج افلام أخرى ويفتح الباب على مصراعيه للمفتريات والاكاذيب على الرسول ويصبح الجدل عقيماً حول صحة ذلك او عدم صحته وان الوسيلة الوحيدة لحماية كرامة رسول الله عن هذه المفتريات والإسرائيليات هي ان نسد نحن المسلمين باب هذه الفتنة سداً للذريعة ونمتنع عن اخراج فيلم سينمائي عن شخصية النبي صلى الله عليه وسلم واذا لم نفعل فسوف يؤدي فتح هذا الباب الى كوارث وفتن وعمياء وعلى كل مسلم وخاصة العلماء فرض لازم من قول الحق ، والأمر بالخير والنهي عن الشر وان لا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير .

نسأل الله الهدى والسداد ونعوذ بالله من منكرات الاخلاق والاقوال والافعال ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً .

حرر في 12 شعبان سنة 1396 هـ 

 

 

الكـــتــب