بسم الله الرحمن الرحيم

القول السديد في تحقيق الأمر المفيد

 

الحمد لله رب العالمين و به نستعين و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم ، و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا و من همزات الشياطين .

أما بعد :

فإن من واجب العالم المحتسب القيام ببيان ما وصل إليه علمه من معرفة الحق بدليله مقرونا بتجليته و توضيحه و الدعوة إليه و الصبر على الأذى فيه فإن بيان العلم أمانة والكتمان خيانة .

 و من المعلوم أن العلم ذو شجون . يستدعي بعضه بعضا و يزداد وضوحا ، و الشخص يزداد نضوجا بتوارد أفكار الباحثين و تعاقب تذاكر الفاحصين ، إذ ملاقاة التجاوب بين العلماء تلقيح لألبابها و تقوية لخطابها و على قدر رغبة الإنسان في العلم و طموح نظره في التوسع فيه بطريق البحث والتفتيش عن الحق في مظانه .. فإنه تقوى حجته و تتوثق صلته بالعلم و الدين.
ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين و اتقوا و يعلمكم الله . و رأس العلم خشية الله . . .

و لقد نشرت مجلة » الدعوة « بالرياض بتاريخ 28 جمادي الأولى عام 1397هـ ، مقالا صادرا من الشيخ عبد العزيز بن رشيد رئيس هيئة التمييز بالمملكة العربية السعودية ، إنكارا منه على » رسالة إتحاف الأحفياء « ، حينما قلت بعدم التفريق بين الأنبياء و الرسل .. فإن الأنبياء هم الرسل و الرسل هم الأنبياء ، إذ إن مخرجها في كتاب الله واحد . فمتى ذكر الأنبياء فيه الرسل أو أفراد ذكر الرسل دخلت فيه الأنبياء ، أشبه التسمية بالمؤمنين و المسلمين .

فإن الله ــ سبحانه ــ إذا ذكر المؤمنين دخل فيه المسلمون أو أفراد ذكر المسلمين دخل فيه المؤمنون ، كما أنه سبحانه إذا ذكر الإيمان دخل فيه الإسلام ، أو أفراد ذكر الإسلام دخل فيه الإيمان على حد سواء ، فكل نبي رسول و كل رسول نبي ، و كل مؤمن مسلم و كل مسلم مؤمن في ظاهر الحكم على الناس في الدنيا و الله ــ سبحانه ــ يتولى الحكم في السرائر .

 فأنكر فضيلة الشيخ عبد العزيز بن رشيد عدم التفريق بين الأنبياء و الرسل و عدم التفريق بين المؤمنين و المسلمين ، لزعمه أن كل رسول نبي و ليس كل نبي رسولا ، و أن كل مؤمن مسلم ، و ليس كل مسلم مؤمنا .

فلأجله أصدر الشيخ عبد العزيز هذا المنشور ليطلع عليه كافة الجمهور من الرجال
والنساء ، كأنها فضيحة يريد إشاعتها ، و هي شكاة قد ذهب عنا عارها ، وقد كان من الأوفق أن يكتبها في رسالة ثم يعمم بها جميع المختصين بالعلم و المعرفة ، ثم يحكموا رأيهم فيمن هو أهدى سبيلا ، بدلا من أن يغشي بها العوام و ضعفة العقول و الأفهام .

وآفته من الفهم السقيم

 

 

و كم من عائب قولا صحيحا

 

 

إن الشيخ عبد العزيز رحمه الله لديه قوة و نشاط في الرد و النقد و لكن بدون رماية
ولا دراية و لا سياسة و لا حكمة ، فتراه ، يجعل الصحيح خطأ و الصواب غلطا ، كما ستراه مفصلا من قوله ..

فبما أن الشيخ عبد العزيز أشاع الشناعة على الرسالة بصريح التضليل و التجهيل بدون تثبت ولا تصحيح ، و من المعلوم أن كل من أوصلته خبرا لن تستطيع أن توصله عذرا ….

و قد تبين لنا أن اعتراضاته كلها لا تعتمد على أساس من العلم و المعرفة ، و أن سكوتي عن الجواب قد يعطي بعض الناس شيئا من الشك و الارتياب فيما قلت في الكتاب ، مما قد يؤول إلى عدم الثقة و الاطمئنان إليه .. فلأجله بدا لي أن أبدي اعتذاري بكشف هذا الاتهام الناشئ عن غلط الأوهام و خطأ الأفهام .

ومتبع بالذنب ليس له ذنب

 

وكم من مليم لم يصب بملامه

و قد كنت أحسب لهذه النفرة الحساب فطرقت لسدها كل باب و جمعت النصوص
و البراهين الجلية و البراهين القطعية ما عسى أن يزيح الشك و الارتياب عن الكتاب … غير أن صواب القول و صحته غير كافلة لصيانة عن الرد عليه و الحط من قدره بحق و بغير حق .
غير أن الناس بطريق الاختبار في القول و النقد يتفاوتون في العلوم و الأفهام و في الغوص إلى استنباط المعاني و الأحكام أعظم من تفاوتهم في العقول و الأجسام ، … فمن واجب العالم الكاتب أن يبدي غوامض البحث و يكشف مشاكله و يبين صحيحه من ضعيفه ، حتى يكون جليا للعيان
وليس من شأنه أن يفهم من لا يريد أن يفهم .

إنه متى تصدى عالم أو كاتب لتأليف أي رسالة أو أي مقالة أو أي قصيدة فبالغ في تنقيحها بالتدقيق و بنى قواعدها على دعائم الحق و التحقيق بالدلائل القطعية و البراهين الجلية من نصوص الكتاب و السنة ، فحاول جاحد أو حاسد أو جاهل أن يغير محاسنها و يقلب حقائقها
و ينشر بين الناس بطلانها و عدم الثقة بها و يلبسها ثوبا من الزور و البهتان و التدليس و الكتمان  ليعمى عنها العيان ، و يوقع عدم الثقة بها عند العوام و ضعفة الأفهام …

أ فيلام صاحبها متى كشف عنها ظلام الاتهام و أزال عنها ما غشيها من ظلام الأوهام
إذ لا بد للمصدور من أن ينفث و الحجة تقرع بالحجة و من حكم عليه بحق فالحق فلجه.
 
»
 و لمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل « .

مع العلم أن المبني على دعائم الحق و التحقيق لن يزلزله مجر النفخ بالريق لأن الحق مضمون له البقاء ، فإما الزبد فيذهب جفاء … و إنا لنرجو لفضيلة الشيخ عبد العزيز في جهده
و نقده جزيل الأجر والثواب ، سواء أخطأ في النقد أو أصاب ، فما رده علي أو الرد عليه إلا محض التلقيح للألباب و يبقى الود ما بقى العتاب .. إذ ما من أحد من الناس إلا و هو راد
ومردود عليه ، و لنا الأسوة بالصحابة ، حيث يرد بعضهم على بعض في مسائل الفروع و لن يجد أحدهم في نفسه حرجا أو افتخارا بفلج في رد أخيه عليه .

لأن قصد الجميع الحق ، فهو غايتهم المقصودة و ضالتهم المنشودة ، و إنا لنرجو في إثارة هذه المباحث بأن لا نعدم من نتائج جميلة و حكم جليلة يثيرها البحث و النقاش ، والله الموفق للصواب و إليه المرجع و المآب . و هذا أو الشروع على رد مداركه ، و نسأله ــ سبحانه ــ الهدى و السداد فإنه ولي التوفيق و الهادي لأقوم الطريق .

                                  ( المـــــدرك الأول )

قال الشيخ عبد العزيز : إن ما ذكره فضيلة الشيخ عبد الله ، من أنه لا فرق بين النبي
والرسول ، و الحق أن الاسمين اسمان لمعنيين : فإن الرسول أخص من النبي ، و أن كل رسول نبي و ليس كل نبي رسولا …. فإن الرسول و النبي قد اشتركا في أمر عام و هو النبأ و افترقا في أمر خاص و هو الرسالة .

قال : فالأنبياء و الرسل اشتركوا في الوحي و نزول الملائكة عليهم ، و اختصت الرسل بإرسالهم إلى الأمة .. قال الله ــ سبحانه ــ : » وما أرسلنا قبلك من رسول و لا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته « .

قال : فعطف النبي على و الرسول و العطف يقتضي المغايرة ، ففيها دليل على التغاير بين النبي و الرسول ) انتهى .

( فالجواب : أن كل شخص لا يبني قوله و نقده على أساس من العلم و المعرفة ، فإنه سيتخبط في فنون الخطأ و الغلط ، و من عادة شيخنا عبد العزيز في نظرياته و تقريراته أنه يرمي بمثل هذه الكلمة على سبيل الخرص و الجزاف ، غير موزونة بميزان الصحة و الأنصاف ، ثم يذهب كل مذهب في تحقيقها بما يظهر خطأه على فلتات لسانه و نزوات أقلامه ، و يقولون في تفسير الحكمة : إنها أصابت الحق في القول و العمل ، فهم يمدحون الثبت المصيب في إن إيراده و الردة ، و أنشدوا :

أضحى شكالا للسان المطلق
 

 

ثبت البيان إذا تلعثم قائل

رسف المقيد في حدود المنطق

 

لم يتبع شنع اللغات و لا مس

كالسور مضروبا له و الخندق

 

في هذه خبث الكلام و هذه

من ذلك استدلاله بقوله ــ سبحانه ــ : » و ما أرسلنا من قبلك من رسول و لا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته « .

( قال : فعطف النبي على الرسول والعطف يقتضي المغايرة ، ففيه دليل على التغاير بين النبي و الرسول ) انتهى .

فيا سبحان الله ، لا أدري في أي كتاب من كتب النحو وجد أن العطف بالواو يقتضي المغايرة ، فإننا لم نر من فسر العطف بالواو على ذلك .

 و إنما حقيقة قول النحاة : أن العطف بالواو لمطلق الجمع للاشتراك بين المعطوف
والمعطوف عليه في الحكم ، و هي من باب عطف الشيء على مصاحبه في الحقيقة و المعني
كقوله ــ سبحانه :
» حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى  « ، فعطف الصلاة الوسطى على الصلاة الخمس التي أمر بالمحافظة عليها جميعها و منها الصلاة الوسطى .. و هي صلاة العصر على القول الصحيح ، و خصها بالذكر لمزيد فضلها من عطف الخاص على العام ، إذ الكل جنس واحد ، و قد أمروا بالمحافظة عليها جميعها ، و يسمونها من عطف الشيء على مرادفه و جنسه.

نظيره قوله تعالى ــ سبحانه ــ : » من كان عدوا لله و ملائكته و رسله و جبريل و ميكال فإن الله عدو للكافرين « . فعطف جبريل و ميكال على الملائكة و هما من جنسهم .

و مثله قوله : » و من يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به فقد احتمل بهتانا و إثما مبينا
فعطف الإثم على الخطيئة والخطيئة إثم و الإثم خطيئة .

نظيره قوله تعالى : » و ينهى عن الفحشاء و المنكر و البغي  « . فعطف المنكر على الفحشاء ، و المنكر من الفحشاء كما عطف البغي على المنكر و هو منكر .

و يقول العلماء : أنه من عطف الشيء على مرادفه و جنسه ، ففي الأول معنى الثاني
و في الثاني معنى الأول .

فقوله ــ سبحانه ــ : » و ما أرسلنا من قبلك من رسول و لا نبي  « : أي و لا أرسلنا نبيا إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ، فدلت الآية بفحوى لفظها و معناها : أن يرسل الأنبياء إلى الناس .

نظيره قوله ــ سبحانه : » و ما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء و الضراء لعلهم يضرعون  « .

و مثله قوله ــ سبحانه ــ : » كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين و منذرين
وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه
« .

و في صحيح مسلم من حديث ابن عمر … أن النبي صلى الله عليه وسلم ــ قال : » إنه ما من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم و ينذرهم عن شر ما يعلمه لهم
وأن أستعجل عافيتها في أولها ، و سيصيب آخرها بلاء و أمور تنكرونها .. الحديث 
« . فوصف رسول الله جميع الأنبياء بإرسالهم إلى الناس بدون استثناء أحد منهم ، و أنه ما من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم و ينذرهم عن شر ما يعلمه لهم ، فكلهم مرسلون يبشرون و ينذرون ، يتبين أن استدلاله بالآية هي حجة عليه لا له … و هذا جلي لا مجال للشك فيه … غير أن الهوى يعمي عن رؤية الحق و الكبر يمنع من اتباعه .

و بالتحقيق نجد القرآن يخاطبهم باسم الأنبياء تارة كما تقدم ، و باسم الأنبياء و الرسل تارة أخرى .. كقوله سبحانه : » إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح و النبيين بعده و أوحينا إلى إبراهيم و إسماعيل و إسحاق و يعقوب و الأسباط و عيس و أيوب و يونس و هارون و سليمان
وآتينا داود زبورا ، رسلا قد قصصناهم عليك من قبل و رسلا لم نقصصهم عليك و كلم الله موسى تكليما . رسلا مبشرين و منذرين لئلا يكون للناس على الحجة بعد الرسل و كان الله عزيزا حكيما
« .

فهذه الآيات تثبت بأن جميع الأنبياء من بعد نوح أنه أوحي إليهم و أنهم أرسلوا إلى الناس مبشرين و منذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ، فأين هؤلاء الأنبياء الذين أوحي إليهم بشرع من الأمر و النهي و الفرائض و الأحكام و أمور الحلال و الحرام ، ثم لم يؤمروا بتبليغه ، كيف سكت عن ذكرهم و عدم بيانهم الكتاب و السنة و ما كان ربك نسيا .

و تارة يخاطبهم باسم الرسل خاصة كقوله ــ سبحانه ــ : » تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله و رفع بعضهم درجات « .

فإن هذا الاختلاف تقتضي سنة الله في إرسال رسله و أنبيائه .

فقد وصف الله ــ سبحانه ــ الأنبياء بالرسل ، كما وصف الرسل بالأنبياء و المعنى واحد
لكون النبي ينبئه الله من وحيه ما شاء ، كما قال ــ سبحانه ــ :
» قد نبأنا الله من أخبار كم
وسيرى الله عملكم و رسوله 
« .

ثم هو ينبئ عن الله أمره و نهيه و أحكامه و حلاله و حرامه و صلاته و صيامه كما نجد في القرآن يخاطبهم باسم الرسول بقوله : » تلك الرسل … يا أيها الرسول .. يا أيها النبي « … فمن لوازم إنزال الوحي على النبي هو الإنذار و التبشير كما هي طريقة الرسل و كما نصف نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم ــ بأنه نبي رسول .

.. فوصف هذا النبي بإرساله إلى الناس وبه يتبين أن استدلاله بالآية هو حجة عليه و لا له  وهو واضح جلي لا مجال للشك فيه . غير أن الهوى يعمي عن رؤية الحق و الكبر يمنع من اتباعه .

نظيره قوله ــ سبحانه ــ : » كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين و منذرين  «
فوصف النبيين بالإنذار و التبشير و هي وظيفة الرسل .

و كما في صحيح مسلم عن العباس أن النبي ــ صلى الله عليه و سلم ــ قال:  » ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا و بالإسلام دينا و بمحمد نبيا و رسولا « .

و ليست هذه التسمية بهذه الصفة من خصائصه ، بل يشاركه فيها سائر الأنبياء ، إذ ليس عندنا في كتاب الله و لا في سنة رسول الله أن فلانا نبي ، و ليس برسول ، فيلزم المدعي لذلك إيجاد الدليل الواضح الذي يبين اسم النبي الذي ليس برسول .

» قل فأتوا بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين  « . فالتفريق إنما هو تنوع اسم و المسمى واحد .

و في البخاري و مسلم ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :  » كانت بنو إسرائيل تسوسهم أنبياؤهم كلما هلك نبي و إنه لا نبي بعدي  « . و الله ــ سبحانه قد أثنى على المؤمنين القائلين: آمنا بالله و ملائكته و كتبه و رسله لا نفرق بين أحد من رسله  « .

فهذا التفريق الذي ذمه الله ، كما أنه يشمل الإيمان ببعضهم و التكذيب ببعض ، فإنه يشمل أيضا إثبات الرسالة لبعضهم و نفيها عن بعضهم ، فكله من التفريق الذي ذمه الله و نهى عنه . فالذي يحتج بإثبات التفريق بين النبي و الرسول ، يجب عليه بأن يورد لنا الأنبياء الذين ليسوا برسل ، حتى يكون لاحتجاجه موضع من الصحة و موقع من القبول .

                         ( المـــدرك الثاني )

( قال الشيخ عبد العزيز ، في قوله ــ سبحانه ــ : » و اذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد و كان رسولا نبيا « . قال : فوصفه بالرسالة و النبوة ، فدل على أن الرسالة وصف زائد على النبوة ..قال ، و قال ابن كثير رحمه الله ــ و هذا دليل على شرف إسماعيل على أخيه إسحاق ، لأنه إنما وصف إسحاق بالنبوة فقط و إسماعيل وصفه بالرسالة و النبوة ) .

( فالجواب : أن الشيخ عبد العزيز ــ عاجز مبهوت يتمسك في استدلاله بما هو أوهي من سلك العنكبوت … لهذا تراه يتتبع السقطات و اللقطات عن العلماء التي ليس لها أصل و التي يخالفها الحق و الحقيقة ، من ذلك استدلاله بهذه الآية و بقول ابن كثير من تفضيل إسماعيل على أخيه إسحاق ، لأنه إنما وصف إسحاق بالنبوة فقط و إسماعيل وصفه بالرسالة و النبوة ، و الله ــ سبحانه ــ هو أصدق القائلين و أحكم الحاكمين ، و قد ذكر الله إسحاق مع الرسل بجنب أخيه إسماعيل ، فقال ــ سبحانه ــ : » إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح و النبيين بعده و أوحينا إلى إبراهيم و إسماعيل و إسحاق و يعقوب و الأسباط و عيسى و أيوب و يونس و هارون و سليمان و آتينا داود زبورا « … إلى قوله : » رسلا مبشرين و منذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل و كان الله عزيزا حكيما « ( من سورة النساء ).

فكل هؤلاء رسل و أنبياء بإجماع العلماء و حسبما ذكرهم الله في كتابه في هذه الآيات التي بدأها بالنبيين و ختمها بالمرسلين .. فهم أنبياء و رسل و منهم إسحاق عليه السلام يجنب أخيه إسماعيل ، وصفا و محلا … فهذا التفريق بن إسماعيل و إسحاق باطل لا حقيقة له .

أما كون إسماعيل أبي العرب أفضل من إسحاق ، فهذا ثابت للبلوى التي ابتلي بها في تسليم نفسه لربه حسب طاعة أبيه ، و لمشاركة لأبيه في بناء بيت الله . و لهذا أكثر القرآن من ذكره
فكما أن إسماعيل نبي رسول ، فكذلك إسحاق نبي و رسول ، فإثبات الرسالة في حقه شيء
و التفضيل بينه و بين أخيه إسماعيل شيء آخر ، يقول الله :
» تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض « .

( المـــدرك الثالث )

( قال الشيخ عبد العزيز ــ على حديث البراء حين قال : و رسولك الذي أرسلت ــ أخرجه في الصحيح ــ فإن قوله : و رسولك الذي أرسلت تكثير للرسالة هو معنى واحد ، فيكون كالحشو الذي لا فائدة فيه ، بخلاف قولك : و نبيك الذي أرسلت ، و على هذا فكل رسول نبي و ليس كل نبي رسول ) …. انتهى .

( فالجواب : أن الشيخ عبد العزيز ــ أخذ هذا الاستدلال تقليدا عمن سبقه ، فهو يستدل بما لا خلاف فيه و بما هو خارج عن موضع الاحتجاج و البحث … فإننا و إياه و جميع المسلمين متفقون على أن محمدا هو نبي و رسول لا خلاف فيه .

أما حديث البراء بن عازب ــ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : » إذا أخذت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ، ثم اضطجع على شقك الأيمن و قل : اللهم أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك و فوضت أمري إليك و ألجأت ظهري إليك رغبة و رهبة إليك لا ملجأ و لا منجى إلا إليك . آمنت بكتابك الذي أنزلت و نبيك الذي أرسلت .. فإن مت ، مت على الفطرة و اجعلهن آخر ما تقول « رواه البخاري و مسلم .

و لما قال : رسولك الذي أرسلت . قال له : قل نبيك الذي أرسلت ، فأرشده النبي صلى الله إلى أن يقول : و نبيك الذي أرسلت ، لأن قوله : و رسولك الذي أرسلت تكرار كالحشو لا فائدة فيه … و أمر آخر و هو مراعاة الأدب مع الرسول في الدعاء الذي شرعه ، فهو أفضل من كونه يتصرف بتغييره من زيادة ما فيه أو نقص عنه و الاستدلال بهذا يعد خارجا عن موضع النقد
إذ النبي صلى الله عليه وسلم بلا خلاف … و نحن و جميع المسلمين نقول : رضينا بالله ربا
وبالإسلام دينا و بمحمد نبيا و رسولا ، و ليست هذه من خصائصه و إنما يشاركه فيها جميع الأنبياء .

                                » المـــدرك الرابع «

( قال الشيخ عبد العزيز ، فيما نقله عن شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية رحمه الله ــ قال: بعد كلام سبق له فالنبوة داخلة في الرسالة و الرسالة أعم من جهة نفسها و أخفى من جهة أهلها
فكل رسول نبي و ليس كل نبي رسولا ، و النبوة نفسها من الرسالة ، فالرسالة تتناول النبوة
وغيرها ، بخلاف النبوة فإنها لا تتناول الرسالة .

ثم نقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية ــ رحمه الله ــ قائلا : و النبي هو الذي ينبئه الله و هو ينبئ بما آتاه الله ، فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة الله فهو رسول . و أما إذا كان يعمل بالشريعة قبله و لم يرسل هو إلى أحد يبلغه عن الله رسالة ربه فهو نبي و ليس برسول . قال تعالى : » و ما أرسلنا من قبلك من رسول و لا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته« .

( فالجواب : أن نقول إننا متى كنا على الحق و لدينا دلائل العقلية و النقلية من الكتاب
والسنة لصحة ما نقول فإن لن نتخلى عنه لقول أحد كائنا ما كان إذ الحق فوق قول كل أحد .. وقد اتفق العلماء على أن كل أحد يؤخذ من قوله و يترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما اتفقوا أيضا على أنه لا يترك حق لانفراد قائله ، كما لا يقبل باطل لكثرة ناقله ، و قد سمى الله نبيه إبراهيم أمة وحده لأن من كان على الحق فهو الأمة الذي يجب أن يقتدي به و لو كان وحده .
ويظهر عن شيخ الإسلام قد اضطرب قوله في هذا ، فمرة قال :. إن كان هذا النبي أرسل إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة الله فهو رسول ، و إن كان بالشريعة قبله و لم يرسل إلى أحد يبلغه عن الله رسالة ربه فهو نبي و ليس برسول .

فقول شيخ الإسلام بن تيمية رضي الله في … ثم استدلاله بقوله سبحانه : » و ما أرسلنا قبلك من رسول و لا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ، فإن هذا الآية تثبت إرسال النبي كما تثبت إرسال الرسول فإن قوله : » و ما أرسلنا قبلك من رسول و لا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ، فإن هذا الآية تثبت إرسال النبي« . أي و ما أرسلنا من نبي ، و هذا واضح جلي ، فإن هذه الآية تنص على أن الله يرسل الأنبياء كما يرسل الرسل و هي تحقق ما قلنا نظيره قوله: » و ما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء و الضراء لعلهم يضرعون  « .

فأخبر سبحانه بأنه يرسل الأنبياء إلى أهل القرى ، كما قال ــ تعالى ــ : » كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين و منذرين و أنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه « .

فوصف الله النبيين بصفة المرسلين لكون الأنبياء هم الرسل و الرسل هم الأنبياء ، نظيره قوله ــ سبحانه ــ : » و لقد أرسلنا رسلنا بالبينات و أنزلنا معهم الكتاب و الميزان ليقوم الناس بالقسط  « . فوصف الرسل بما وصف به الأنبياء من الإنذار و التبشير و أنزل الكتاب عليهم بالحق ليحكموا بين الناس فيما اختلفوا فيه . فهم الوسطاء بين الله و بين خلقه في دعوة الناس إلى ما ينفعهم ، و تحذيرهم عما يضرهم » رسلا مبشرين و منذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل « . أي خشية أن يقولوا : ما جاءنا من بشير و لا نذير فقد جاءكم بشير و نذير .

و لن يخفى أن كل نبي أوحي إليه بشرا، فقد كلف بتبليغه و أرسل إلى الناس من أهل بلده
ومن حوله ثم يدعوهم إلى دين الله فهذا هو ثمرة النبوة التي من لوازمها الرسالة .

و إن هذا الكلام الذي ساقه شيخ الإسلام ليس مستندا إلى دليل صحيح صريح من الكتاب
والسنة يثبت لنا وجود أنبياء تنزل عليهم الملائكة بالوحي ، و بشرع من الفرائض و الحلال
والحرام والأحكام و لم يؤمروا بتبليغه .

 و يترجح بأن شيخ الإسلام متأثر بحديث أبي ذر الموضوع الذي فرق بين الرسل
والأنبياء ، فميز الرسل بعددهم و ميز الأنبياء بعددهم ، كما تأثر به غيره حتى سار عقيدة
وطريقة و هو حديث موضوع أي مكذوب على الرسول و قد قال علماء الأصول إن أوضح علامات الوضع كونه يخالف نص القرآن و القرآن يثبت أن منهم من قصصنا عليك و منهم من
لم نقصص عليك .

ثم يقال : إن الله ــ سبحانه قال ــ : » إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح و النبيين من بعده« .. ثم ختمها بقوله : » رسلا مبشرين و منذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل« . . فالقرآن يثبت بأن جميع الأنبياء بعد نوح كلهم أوحي أوحى الله إليهم و أرسلوا إلى الناس مبشرين و منذرين لئلا يكون للناس على الله حجة . و هذه الآيات لم تبق مجالا للشك في الموضوع .

فالتماس الهدى بهن عناء

 

و إذا البينات لم تغن شيئا

فكل الأنبياء بعد نوح رسل مبشرون و منذرون بدون استثناء أحد منهم ، » و ما كان ربك نسيا« .

يوضحه أن الله سبحانه لا يحابي بوحيه نبيا دون نبي ، بحيث يوحي إلى أحدهم و يكلفه قيام بالدعوة و التبليغ و الإنذار و التحضير و الصبر على أذى قومه و على ما أصابه في ذات الله
فكان بعضهم يقتل و بعضهم يضرب و بعضهم يسجن و بعضهم يرجم بالحجارة و يخرج من بلده فيصابون بفنون من البأساء والضراء ، حتى يقول الرسول و الذين آمنوا معه متى نصر الله .. لأن الأنبياء هم أشد الناس بلاء .

و الصنف الثاني من الأنبياء يوحي إليه بشرا تنزل به عليه الملائكة من الله م الأمر
والنهي و الحلال و الحرام ، ثم لا يكلفون بدعوة و بأمر و نهي و تبشير و لا تحذير و لا بشيء من إبلاغ هذا الشرع النازل عليهم .. فيكون هذا الشرع المشتمل على الأحكام و أمور الحلال
والحرام بمثابة العلم المكتوم ، الذي لا يطلع عليه و ينفع به سوى صاحبه أحد . لعدم تبليغه
والدعوة إليه .. فهذا يعد من القياس البديع و لن يوجد له نظير في شرع الله لكونه يخالف ما أنزل الله به كتبه و أرسل به رسله ، يقول الله :
» و إذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس و تكتمونه« ، و قوله : » و إذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب و حكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن بالله و لتنصرنه « .

و الأنبياء هم رءوس من أوتوا الكتاب و أخذ عليهم العهد أو الميثاق في بيان الله من الكتاب. و قد قال الله لنبيه : » يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك و إن لم تفعل فما بلغت رسالته« .

فالعالم الذي يبلغ ما أنزل الله من العلم و الهدى هو أفضل و أنفع من هذا النبي الذي أوحي إليه بشرع من الأمر و النهي و الحلال و الحرام ، ثم يكتمه و لا يبلغه و يجلس في بيته تاركا للناس يموج بعضهم في بعض بفنون الشرك و الضلال .

ثم إننا متى بحثنا عن أصل هذه القاعدة التي صارت طريقة و عقيدة للناس بحيث يتلقفها الصغار عن الكبار و يتعلمها العامة عن العلماء و هي قولهم : ( الرسول من أوحي إليه بشرع
وأمر بتبليغه .. و النبي هو من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه ) .. فهذه القاعدة حيث لم نجد لها أصلا في القرآن يثبتها و لم نجد لها أصلا عن رسول الله يحققها و لم يحفظ القول بها عن أحد من الصحابة ، علمنا أنها محدثة ليس لها أصل تستند إليه و نظير تقاس عليه .

و هؤلاء الذين استقصوا عن مبدأ نشأتها عزوا بداية القول بها إلى الإمام النووي المتوفى عام 676هـ من كتابه » الفتح المبين بشرح الأربعين  « ، حيث قال : الرسول هو من أوحي إليه بشرع و أمر بتبليغه ، قال : و النبي هو من أوحي إليه بشرع و إن لم يؤمر بتبليغه ، و لذلك كثرت الرسل إذ هم ثلاثمائة و ثلاثة عشر .. انتهى .

و يظهر من كلام الإمام النووي ــ رحمه الله ــ أنه متأثر بحديث أبي ذر في التفريق بين الأنبياء و الرسل ، كما حقق عدد الرسل و أنهم ثلاثمائة و ثلاثة عشر ، و لا يوجد حصرهم في هذا العدد إلا في حديث أبي ذر الضعيف . و قد غفل ــ رحمه الله ــ عن مصادمته للقرآن التي هي أوضح الدلائل على وضعه و هي قوله ــ سبحانه ــ : » و لقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك و منهم من لم نقصص عليك « . و من عادة العلماء أن ينقل بعضهم عن بعض القول بصحته و ضعفه ، حتى يشتهر و ينتشر ، و مثله يقع كثيرا في كتب الفقهاء .

و كذا قوله : » إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح و النبيين من بعده … إلى قوله: و رسلا قد قصصناهم عليك من قبل و رسلا لم نقصصهم عليك و كلم  الله موسى تكليما  « .

و متى تبين لنا أن هذا التفريق بين الأنبياء ليس له أسله لا من القرآن و لا من السنة
وإنما نشأ القول به من الإمام النووي أو من مخلوق مثله .. أ فيجوز أن نترك نصوص القرآن لقوله  .. و الله يقول :
» كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين و منذرين  « ، و قال:
» و ما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء و الضراء لعلهم يضرعون  « . و كل يؤخذ من قوله و يترك و ما من الناس إلا راد و مردود عليه سوى رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم .

و قد قيل :

و لا كل قول واجب الرد و الطرد

 

وما قول بالقبول مقابل

فذلك قول جل يا ذاعن الرد

 

سوى ما أتى عن ربنا و رسوله

تدور على حسب الأدلة في النقد

 

و أما أقاويل الرجال فإنها

و الحاصل أنه متى لم يوجد في القرآن و لا في السنة تحقيق القول بوجود هؤلاء الأنبياء الذين أوحي إليهم بشرع و لم يؤمروا بتبليغه و لا صفتهم ، فإنه يدل على عدم وجودهم ، و إنما يوجدون في الأذهان دون العيان .

و يقول أيضا إن الله ــ سبحانه ــ قال : » قولوا آمنا بالله و ما أنزل إلينا و ما أنزل إلى إبراهيم و إسماعيل و إسحاق و يعقوب و الأسباط و ما أوتي موسى و عيسى و ما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم و نحن له مسلمون  « .

و مثله قوله : » وقولوا آمنا بالله و ما أنزل علينا و ما أنزل على إبراهيم و إسماعيل
وإسحاق و يعقوب و الأسباط و ما أوتي موسى و عيسى و النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم و نحن له مسلمون
« .

و مثله قوله : » ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق و المغرب و لكن البر من آمن بالله و اليوم الآخر و الملائكة و الكتاب المبين  « .

و إذا لك يكن الأنبياء هم الرسل المذكورون في هذه الآيات ، فأين الأنبياء الذين أوجب الله الإيمان بهم .. ثم يقال : هؤلاء الأنبياء الذين أوجب الله الإيمان بهم و نهى عن التفريق بينهم ، هل هم أنبياء و ليسوا برسل ، أم هم أنبياء و رسل و مثله قوله : » آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه و المؤمنون كل آمن بالله و ملائكته و كتبه و رسله لا نفرق بين أحد من رسله  « .

و القول الحق في هذا المقام أن مخرج الأنبياء و الرسل في كتاب الله واحد ، و أنه إذا أفرد ذكر الأنبياء دخلت فيه الرسل أو أفرد الرسل دخلت فيه الأنبياء ، أشبه ما قلنا بأنه متى أفرد الإسلام دخل فيه الإيمان أو أفرد الإيمان دخل فيه الإسلام على حد سواء ، و مثله أن الله ــ سبحانه ــ سمى عباده المؤمنين باسم المسلمين و باسم المؤمنين ، و كما سماهم رسول الله بالمسلمين المؤمنين عباد الله ، و كما سمى الله كتابه المبين بالقرآن و بالفرقان في قوله:  » تبارك الذي نزل الفرقان على عبده « . و المسمى واحد .

و نحن لا نصدق بوجود نبي أو أنبياء قد أوحي إليهم بشرع من الأمر و النهي و الفرائض و الأحكام و أمور الحلال و الحرام ، ثم يقال لهم : اجلسوا في بيوتكم و لا تكلفوا أنفسكم شيئا من الدعوة و التبليغ و الإنذار و التحذير .

و كأن فكرة اعتقادها نشأت عن حديث أبي ذر فرسخت و استقرت عقيدته في نفوس الناس و هو من سوء تأثير الأحاديث الموضوعة في الأمة ، و إنا لنرجو أن يزول هذا الاعتقاد الخاطئ بضده الحق … فإن الحق مضمون له البقاء » فأما الزبد فيذهب جفاء « .

                                ( المــــدرك الخامس )

( قال الشيخ عبد العزيز بن رشيد فيما نقله عن الشيخ تقي الدين ــ رحمه الله ــ في كتاب الجواب الصحيح ما نصه : » و قد روى في حديث أبي ذر ، عن النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ أن الأنبياء مائة ألف و أربعة و عشرون ألفا ، و الرسل منهم ثلاثمائة و ثلاثة عشر و بعض الناس يصحح هذا الحديث و بعضهم يضعفه « . ثم نقل عن ابن القيم ــ رحمه الله ــ لأن الأنبياء مائة ألف و أربعة و عشرون ألفا على ما حديث أبي ذر الذي رواه أحمد و ابن حبان في صحيحه).

( فالجواب : أن الشيخ عبد العزيز يحاول رفع هذا الحديث الموضوع إلى درجة الصحة لكونه يقوي حجته و من له برفع أنف جدعته المخالب …

إن كان شيخ الإسلام ذكر هذا الحديث في الجواب الصحيح ، فإن ما ذكره بصفة التمريض الدالة على التضعيف مع العلم أنه محك التمحيص للتصحيح التضعيف ، و نستجد جدا من شيخ الإسلام بن تيمية تصحيحه لهذا الحديث الذي يشهد القرآن بوضعه و بطلانه ، و قد ألحقه
ابن الجوزى بالموضوعات و كل عالم نحرير متى درس هذا الحديث ترجح لديه عدم نسبته إلى الرسول لكونه لا يشبه كلامه و نحن نسوقه بتمامه للإحالة عليه و الحقيقة النظر لمن يحب الوقوف عليه .

قال ابن كثير : و قد اختلف في عدد الأنبياء و المشهور في ذلك حديث أبي ذر الطويل
وذلك فيما  رواه ابن مردويه في تفسيره عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر قال: قلت:
يا رسول الله كم الأنبياء ؟ قال مائة ألف عشرون ألفا . قلت يا رسول الله كم الرسل منهم ؟ قال: ثلاثمائة و ثلاثة عشر جم غفير .قلت يا رسول الله من كان أولهم ؟ قال: آدم قلت: يا رسول الله
أ نبي مرسل؟ قال : نعم خلقه الله بيده ثم نفخ ليه من روحه ، ثم سواه قبيلا ، ثم قال يا أبا ذر أربعة سريانيون آدم و شيث و نوح و خنوخ و هو إدريس و هو أول من خط بالقلم و أربعة من العرب هود و صالح و شعيب و نبيك محمد قال و أول نبي من بني إسرائيل موسى و آخرهم عيسى
وأول النبيين آدم و آخرهم نبيك .قال : و قد روى هذا الحديث بطوله الحافظ أبو حاتم بن حبان
و قد وسمه بالصحة و خالفه أبو الفرج ابن الجوزي .. ذكر هذا الحديث في الموضوعات و اتهم به إبراهيم بن هشام هذا بتن كثير و لا شك أنه قد تكلم فيه عير واحد من أئمة الجرح و التعديل
من أجل هذا الحديث و الله أعلم … انتهى .

و أقول : كيف لا نتكلم في هذا الحديث بما يقتضيه من التضعيف نصيحة لله و لعباده المؤمنين .. و حسبك أنه يصادم القرآن مما يدل على وضع و عدم صحته . لمخالفته صريح القرآن ، فقد قال ــ سبحانه ــ : » و رسلا قد قصصناها عليك من قبل و رسلا لم نقصصهم « …. و في قوله ــ سبحانه ــ » و لقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك و منهم من
لم نقصص عليك
« .

و هاتان الآيتان تنصان على أن الله ــ سبحانه ــ لم يقص على نبيه أسماء الأنبياء كلهم ، بل منهم من قص عليه و منهم من لم يقص عليه ، فيعتبر الإحصاء المذكور في حديث أبي ذر كذب على الله و على رسوله .

و أجمع آيات تنص على عدد الرسل و أعياتهم ببيان أسمائهم هي قوله ــ سبحانه ــ :
» إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح و النبيين من بعده و أوحينا إلى إبراهيم و إسماعيل
و إسحاق و يعقوب و الأسباط و عيسى و أيوب و يونس و هارون ، و سليمان  و آتينا داود زبورا و رسلا قد قصصناهم عليك من قبل و رسلا لم نقصصهم عليك و كلم الله موسى تكليما رسلا مبشرين و منذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل و كان الله عزيزا حكيما 
« .

فهؤلاء كلهم أنبياء و رسل بدأهم بذكر الأنبياء و ختمهم بذكر الرسل ، و مثلها آية الأنعام
وهي قوله ــ سبحانه ــ :
» و تلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم ووهبنا له إسحاق و يعقوب كلا هدينا من قبل و من ذريته داود و سليمان و أيوب
و يوسف و موسى و هارون و كذلك نجزي المحسنين و زكريا و يحي و عيسى و إلياس كل من الصالحين ، و إسماعيل و اليسع و يونس و لوطا و كلا فضلنا على العالمين … إلى قوله:
» أولئك الذين آتيناهم الكتاب و الحكم و النبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها كافرين « .

                 تثقيف الأذهان بعقيدة الإسلام والإيمان

                           ( المـــدرك السادس )

( قال الشيخ عبد العزيز بن رشيد ــ رحمه الله ــ : أما ما ذكره الشيخ في رسالته من أن الإسلام و الإيمان شيء واحد و أنهما اسم لمسمى … فهذا خلاف ما عليه أهل السنة و الجماعة … فإن الإسلام و الإيمان شيئان متباينان كما دل على ذلك الكتاب و السنة .

قال الله ــ سبحانه ــ : » قالت الأعراب آمنا لم تؤمنوا و لكن قولوا أسلمنا و لما يدخل الإيمان في قلوبكم « … فمعنى هذه الآية دليل على أن الإيمان غير الإسلام و أنه ليس كل ليس مؤمن مسلم ) .. انتهى .

فجوابه : أن الشيخ عبد العزيز ، يستبيح الكذب على صاحب الرسالة ، لأنني لم أقل: إن الإسلام و الإيمان شيء واحد و أنهما اسم لمسمى واحد ، بل قلت : إن الإيمان تصديق القلب
ولوازمه العمل و إلا اعتبر كاذبا ، و إنما قلت : إن المسلمين هم المؤمنون و المؤمنون هم المسلمون ، فمخرجها في كتاب الله واحد . و أن هذه الآية التي استدل بها نزلت في أعراب الجزيرة لما غشيهم جنود الصحابة و خافوا من القتل أقبلوا و هم يقولون : آمنا قبل أن يدخل الإيمان في قلوبهم و قبل أن يعرفوا أحكام الإسلام ، فأنزل الله ــ سبحانه ــ :
» قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا و لكن قولوا أسلمنا و لما يدخل الإيمان في قلوبكم  « و قد ترجم عليه البخاري في صحيحه في كتاب » الإيمان « فقال :

                                   ( باب )

إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل لقول
الله تعالى ــ:
» قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا و لكن قولوا أسلمنا  «

و إذا كان على الحقيقة فهو على حد قوله ــ جل ذكره ــ : » إن الدين عند الله الإسلام « .. فهم في تلك الحالة مستسلمون لحكم الإسلام و حكومته خوفا من القتل قبل أن يعرفوا و الإيمان .. و لكن هؤلاء الأعراب بعد ما دخلوا في الإسلام و عرفوا الإيمان زال عنهم هذا الوصف عنه هذا الوصف و صاروا مسلمين مؤمنين بناء على الظاهر من أعمالهم و دخلوا في عموم قوله:  » إنما المؤمنون اخوة  « ، و في قوله ــ صلى الله عليه وسلم ــ : » المسلم أخو المسلم لا يظلمه
ولا يخذله و لا يحقره
« .. فلا يجوز أن يقال : فلان الأعرابي أنه مسلم و ليس بمؤمن ، لكون الإيمان مجرد التصديق و من لوازمه العمل و إلا صار كاذبا .

فإن مجرد التصديق بدون عمل هو سببه كفر إبليس حين امتنع عن السجود لآدم ، حيث أمره الله به فاستكبر عنه ، و لأجله سمي إبليس لكونه أبلس من رحمه الله  و إلا فإنه يصدق … بوجود الرب و الملائكة و الجنة و النار ، كما أخبر الله عنه في كتابه … » و مثله ما حكى الله عن اليهود أنهم يعرفون الرسول كما يعرفون أبناءهم … فمجرد التصديق الخالي عن العمل
لا يجدي على صاحبه شيئا و لا يسمى إيمانا
« .

و النبي صلى الله عليه وسلم ــ إنما كان يطالب الناس بإقامة شعائر الإسلام الظاهرة
ولا يسأل عما في قلوبهم من إيمان و نفاق … و نحن إنما نتكلم على أعمال الناس الظاهرة حسب القاعدة ، و الله يتولى الحكم في السرائر …

و في البخاري أن عمر بن الخطاب ــ خطب الناس بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ فقال : أيها الناس إننا نعرفكم إذ ينزل الوحي فينبئنا الله من أخباركم و إنما نعرفكم الآن بما ظهر لنا من أعمال فمن أظهر لنا خيرا أحببناه و قربناه و سريرته إلى الله … و من أظهر لنا شرا ظننا به شرا و أبغضناه و لم نأمنه و سريرته إلى الله ــ عز و جل ــ .

إنه ليس من الممكن أن يسرع دخول الإيمان إلى قلوب عرب الجزير وهم حدثاء عهد بجاهلية ويعبدون الأصنام وسلاحهم بأيديهم يحاربون به الرسول والمؤمنين.. أو إلى أهل مكة ـ حال استيلاء الصحابة عليهم ـ وهم يعبدون الأصنام ويكذبون بوجود الرب وبالرسول والقرآن ويكذبون بوجود الرب وبالرسول والقرآن ويكذبون بالبعث بعد الموت ويكذبون بالجنة والنار ويقولون: ما حكى الله عنهم بقوله: