|
بسم الله
الرحمن الرحيم القول
السديد في تحقيق الأمر المفيد الحمد
لله رب العالمين و به نستعين و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم ، و نعوذ
بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا و من همزات الشياطين . أما
بعد : فإن من
واجب العالم المحتسب القيام ببيان ما وصل إليه علمه من معرفة الحق بدليله مقرونا
بتجليته و توضيحه و الدعوة إليه و الصبر على الأذى فيه فإن بيان العلم أمانة
والكتمان خيانة . و من المعلوم أن العلم ذو شجون . يستدعي
بعضه بعضا و يزداد وضوحا ، و الشخص يزداد نضوجا بتوارد أفكار الباحثين و تعاقب
تذاكر الفاحصين ، إذ ملاقاة التجاوب بين العلماء تلقيح لألبابها و تقوية لخطابها و
على قدر رغبة الإنسان في العلم و طموح نظره في التوسع فيه بطريق البحث والتفتيش عن
الحق في مظانه .. فإنه تقوى حجته و تتوثق صلته بالعلم و الدين. و لقد
نشرت مجلة » الدعوة « بالرياض
بتاريخ 28 جمادي الأولى عام 1397هـ ، مقالا صادرا من الشيخ عبد العزيز بن رشيد
رئيس هيئة التمييز بالمملكة العربية السعودية ، إنكارا منه على » رسالة إتحاف الأحفياء « ، حينما قلت بعدم التفريق بين
الأنبياء و الرسل .. فإن الأنبياء هم الرسل و الرسل هم الأنبياء ، إذ إن مخرجها في
كتاب الله واحد . فمتى ذكر الأنبياء فيه الرسل أو أفراد ذكر الرسل دخلت فيه
الأنبياء ، أشبه التسمية بالمؤمنين و المسلمين . فإن الله ــ سبحانه ــ إذا ذكر
المؤمنين دخل فيه المسلمون أو أفراد ذكر المسلمين دخل فيه المؤمنون ، كما أنه
سبحانه إذا ذكر الإيمان دخل فيه الإسلام ، أو أفراد ذكر الإسلام دخل فيه الإيمان
على حد سواء ، فكل نبي رسول و كل رسول نبي ، و كل مؤمن مسلم و كل مسلم مؤمن في ظاهر
الحكم على الناس في الدنيا و الله ــ سبحانه ــ يتولى الحكم في السرائر . فأنكر فضيلة الشيخ عبد العزيز بن رشيد عدم التفريق بين الأنبياء
و الرسل و عدم التفريق بين المؤمنين و المسلمين ، لزعمه أن كل رسول نبي و ليس كل
نبي رسولا ، و أن كل مؤمن مسلم ، و ليس كل مسلم مؤمنا . فلأجله أصدر الشيخ عبد العزيز هذا
المنشور ليطلع عليه كافة الجمهور من الرجال
إن الشيخ عبد العزيز رحمه
الله لديه قوة و نشاط في الرد و النقد و لكن بدون رماية فبما أن الشيخ عبد العزيز أشاع
الشناعة على الرسالة بصريح التضليل و التجهيل بدون تثبت ولا تصحيح ، و من المعلوم
أن كل من أوصلته خبرا لن تستطيع أن توصله عذرا …. و قد تبين لنا أن اعتراضاته كلها لا
تعتمد على أساس من العلم و المعرفة ، و أن سكوتي عن الجواب قد يعطي بعض الناس شيئا
من الشك و الارتياب فيما قلت في الكتاب ، مما قد يؤول إلى عدم الثقة و الاطمئنان
إليه .. فلأجله بدا لي أن أبدي اعتذاري بكشف هذا الاتهام الناشئ عن غلط الأوهام و
خطأ الأفهام .
و قد كنت أحسب لهذه النفرة الحساب
فطرقت لسدها كل باب و جمعت النصوص إنه متى تصدى عالم أو كاتب لتأليف أي
رسالة أو أي مقالة أو أي قصيدة فبالغ في تنقيحها بالتدقيق و بنى قواعدها على دعائم
الحق و التحقيق بالدلائل القطعية و البراهين الجلية من نصوص الكتاب و السنة ،
فحاول جاحد أو حاسد أو جاهل أن يغير محاسنها و يقلب حقائقها أ فيلام صاحبها متى كشف عنها ظلام
الاتهام و أزال عنها ما غشيها من ظلام الأوهام مع العلم أن المبني على دعائم الحق و
التحقيق لن يزلزله مجر النفخ بالريق لأن الحق مضمون له البقاء ، فإما الزبد فيذهب
جفاء … و إنا لنرجو لفضيلة الشيخ عبد العزيز في جهده لأن قصد الجميع الحق ، فهو غايتهم
المقصودة و ضالتهم المنشودة ، و إنا لنرجو في إثارة هذه المباحث بأن لا نعدم من
نتائج جميلة و حكم جليلة يثيرها البحث و النقاش ، والله الموفق للصواب و إليه
المرجع و المآب . و هذا أو الشروع على رد مداركه ، و نسأله ــ سبحانه ــ الهدى و
السداد فإنه ولي التوفيق و الهادي لأقوم الطريق .
( المـــــدرك الأول ) قال الشيخ عبد العزيز : إن ما ذكره
فضيلة الشيخ عبد الله ، من أنه لا فرق بين النبي قال : فالأنبياء و الرسل اشتركوا في
الوحي و نزول الملائكة عليهم ، و اختصت الرسل بإرسالهم إلى الأمة .. قال الله ــ
سبحانه ــ : » وما أرسلنا
قبلك من رسول و لا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته « . قال : فعطف النبي على و الرسول و
العطف يقتضي المغايرة ، ففيها دليل على التغاير بين النبي و الرسول ) انتهى . ( فالجواب : أن كل شخص لا يبني قوله و
نقده على أساس من العلم و المعرفة ، فإنه سيتخبط في فنون الخطأ و الغلط ، و من
عادة شيخنا عبد العزيز في نظرياته و تقريراته أنه يرمي بمثل هذه الكلمة على سبيل
الخرص و الجزاف ، غير موزونة بميزان الصحة و الأنصاف ، ثم يذهب كل مذهب في تحقيقها
بما يظهر خطأه على فلتات لسانه و نزوات أقلامه ، و يقولون في تفسير الحكمة : إنها
أصابت الحق في القول و العمل ، فهم يمدحون الثبت المصيب في إن إيراده و الردة ، و
أنشدوا :
من ذلك استدلاله بقوله ــ سبحانه ــ :
» و ما أرسلنا من
قبلك من رسول و لا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته « . ( قال : فعطف النبي على الرسول والعطف
يقتضي المغايرة ، ففيه دليل على التغاير بين النبي و الرسول ) انتهى . فيا سبحان الله ، لا أدري في أي كتاب
من كتب النحو وجد أن العطف بالواو يقتضي المغايرة ، فإننا لم نر من فسر العطف
بالواو على ذلك . و إنما حقيقة قول النحاة : أن العطف بالواو لمطلق الجمع للاشتراك
بين المعطوف نظيره قوله تعالى ــ سبحانه ــ : » من كان عدوا لله و ملائكته و رسله
و جبريل و ميكال فإن الله عدو للكافرين « . فعطف جبريل و ميكال على
الملائكة و هما من جنسهم . و مثله قوله : » و من يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم
به فقد احتمل بهتانا و إثما مبينا نظيره قوله تعالى : » و ينهى عن الفحشاء و المنكر و
البغي « . فعطف المنكر على الفحشاء ، و
المنكر من الفحشاء كما عطف البغي على المنكر و هو منكر . و يقول العلماء : أنه من عطف الشيء
على مرادفه و جنسه ، ففي الأول معنى الثاني فقوله ــ سبحانه ــ : » و ما أرسلنا من قبلك من رسول و لا
نبي « : أي و لا أرسلنا نبيا إلا إذا
تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ، فدلت الآية بفحوى لفظها و معناها : أن يرسل
الأنبياء إلى الناس . نظيره قوله ــ سبحانه : » و ما أرسلنا في قرية من نبي إلا
أخذنا أهلها بالبأساء و الضراء لعلهم يضرعون « . و مثله قوله ــ سبحانه ــ : » كان الناس أمة واحدة فبعث الله
النبيين مبشرين و منذرين و في صحيح مسلم من حديث ابن عمر … أن
النبي صلى الله عليه وسلم ــ قال : » إنه ما من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير
ما يعلمه لهم و ينذرهم عن شر ما يعلمه لهم و بالتحقيق نجد القرآن يخاطبهم باسم
الأنبياء تارة كما تقدم ، و باسم الأنبياء و الرسل تارة أخرى .. كقوله سبحانه : » إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى
نوح و النبيين بعده و أوحينا إلى إبراهيم و إسماعيل و إسحاق و يعقوب و الأسباط و
عيس و أيوب و يونس و هارون و سليمان فهذه الآيات تثبت بأن جميع الأنبياء
من بعد نوح أنه أوحي إليهم و أنهم أرسلوا إلى الناس مبشرين و منذرين لئلا يكون
للناس على الله حجة بعد الرسل ، فأين هؤلاء الأنبياء الذين أوحي إليهم بشرع من
الأمر و النهي و الفرائض و الأحكام و أمور الحلال و الحرام ، ثم لم يؤمروا بتبليغه
، كيف سكت عن ذكرهم و عدم بيانهم الكتاب و السنة و ما كان ربك نسيا . و تارة يخاطبهم باسم الرسل خاصة كقوله
ــ سبحانه ــ : » تلك الرسل
فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله و رفع بعضهم درجات « . فإن هذا الاختلاف تقتضي سنة الله في
إرسال رسله و أنبيائه . فقد وصف الله ــ سبحانه ــ الأنبياء
بالرسل ، كما وصف الرسل بالأنبياء و المعنى واحد ثم هو ينبئ عن الله أمره و نهيه و
أحكامه و حلاله و حرامه و صلاته و صيامه كما نجد في القرآن يخاطبهم باسم الرسول
بقوله : » تلك الرسل … يا
أيها الرسول .. يا أيها النبي « … فمن لوازم إنزال الوحي على النبي هو الإنذار و
التبشير كما هي طريقة الرسل و كما نصف نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم ــ بأنه نبي
رسول . .. فوصف هذا النبي بإرساله إلى الناس
وبه يتبين أن استدلاله بالآية هو حجة عليه و لا له وهو واضح جلي لا مجال للشك فيه . غير أن الهوى يعمي عن رؤية
الحق و الكبر يمنع من اتباعه . نظيره قوله ــ سبحانه ــ : » كان الناس أمة واحدة فبعث الله
النبيين مبشرين و منذرين « و كما في صحيح مسلم عن العباس أن
النبي ــ صلى الله عليه و سلم ــ قال:
» ذاق طعم الإيمان
من رضي بالله ربا و بالإسلام دينا و بمحمد نبيا و رسولا « . و ليست هذه التسمية بهذه الصفة من
خصائصه ، بل يشاركه فيها سائر الأنبياء ، إذ ليس عندنا في كتاب الله و لا في سنة
رسول الله أن فلانا نبي ، و ليس برسول ، فيلزم المدعي لذلك إيجاد الدليل الواضح
الذي يبين اسم النبي الذي ليس برسول . » قل فأتوا بكتاب
من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين
« . فالتفريق
إنما هو تنوع اسم و المسمى واحد . و في البخاري و مسلم ، أن النبي صلى
الله عليه وسلم قال : » كانت بنو إسرائيل تسوسهم أنبياؤهم
كلما هلك نبي و إنه لا نبي بعدي « . و الله ــ سبحانه قد أثنى على
المؤمنين القائلين: آمنا بالله و ملائكته و كتبه و رسله لا نفرق بين أحد من
رسله « . فهذا التفريق الذي ذمه الله ، كما أنه
يشمل الإيمان ببعضهم و التكذيب ببعض ، فإنه يشمل أيضا إثبات الرسالة لبعضهم و
نفيها عن بعضهم ، فكله من التفريق الذي ذمه الله و نهى عنه . فالذي يحتج بإثبات
التفريق بين النبي و الرسول ، يجب عليه بأن يورد لنا الأنبياء الذين ليسوا برسل ،
حتى يكون لاحتجاجه موضع من الصحة و موقع من القبول .
( المـــدرك الثاني ) ( قال الشيخ عبد العزيز ، في قوله ــ
سبحانه ــ : » و اذكر في
الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد و كان رسولا نبيا « . قال : فوصفه بالرسالة و النبوة
، فدل على أن الرسالة وصف زائد على النبوة ..قال ، و قال ابن كثير رحمه الله ــ و
هذا دليل على شرف إسماعيل على أخيه إسحاق ، لأنه إنما وصف إسحاق بالنبوة فقط و
إسماعيل وصفه بالرسالة و النبوة ) . ( فالجواب : أن الشيخ عبد العزيز ــ
عاجز مبهوت يتمسك في استدلاله بما هو أوهي من سلك العنكبوت … لهذا تراه يتتبع
السقطات و اللقطات عن العلماء التي ليس لها أصل و التي يخالفها الحق و الحقيقة ،
من ذلك استدلاله بهذه الآية و بقول ابن كثير من تفضيل إسماعيل على أخيه إسحاق ،
لأنه إنما وصف إسحاق بالنبوة فقط و إسماعيل وصفه بالرسالة و النبوة ، و الله ــ
سبحانه ــ هو أصدق القائلين و أحكم الحاكمين ، و قد ذكر الله إسحاق مع الرسل بجنب
أخيه إسماعيل ، فقال ــ سبحانه ــ : » إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح و النبيين بعده
و أوحينا إلى إبراهيم و إسماعيل و إسحاق و يعقوب و الأسباط و عيسى و أيوب و يونس و
هارون و سليمان و آتينا داود زبورا « … إلى قوله : » رسلا مبشرين و منذرين لئلا يكون
للناس على الله حجة بعد الرسل و كان الله عزيزا حكيما « ( من سورة النساء ). فكل هؤلاء رسل و أنبياء بإجماع
العلماء و حسبما ذكرهم الله في كتابه في هذه الآيات التي بدأها بالنبيين و ختمها
بالمرسلين .. فهم أنبياء و رسل و منهم إسحاق عليه السلام يجنب أخيه إسماعيل ، وصفا
و محلا … فهذا التفريق بن إسماعيل و إسحاق باطل لا حقيقة له . أما كون إسماعيل أبي العرب أفضل من
إسحاق ، فهذا ثابت للبلوى التي ابتلي بها في تسليم نفسه لربه حسب طاعة أبيه ، و
لمشاركة لأبيه في بناء بيت الله . و لهذا أكثر القرآن من ذكره (
المـــدرك الثالث ) ( قال الشيخ عبد العزيز ــ
على حديث البراء حين قال : و رسولك الذي أرسلت ــ أخرجه في الصحيح ــ فإن قوله : و
رسولك الذي أرسلت تكثير للرسالة هو معنى واحد ، فيكون كالحشو الذي لا فائدة فيه ،
بخلاف قولك : و نبيك الذي أرسلت ، و على هذا فكل رسول نبي و ليس كل نبي رسول ) ….
انتهى . ( فالجواب : أن الشيخ عبد العزيز ــ
أخذ هذا الاستدلال تقليدا عمن سبقه ، فهو يستدل بما لا خلاف فيه و بما هو خارج عن
موضع الاحتجاج و البحث … فإننا و إياه و جميع المسلمين متفقون على أن محمدا هو نبي
و رسول لا خلاف فيه . أما حديث البراء بن عازب ــ أن النبي
صلى الله عليه وسلم قال له : » إذا أخذت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ، ثم اضطجع على
شقك الأيمن و قل : اللهم أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك و فوضت أمري إليك و
ألجأت ظهري إليك رغبة و رهبة إليك لا ملجأ و لا منجى إلا إليك . آمنت بكتابك الذي
أنزلت و نبيك الذي أرسلت .. فإن مت ، مت على الفطرة و اجعلهن آخر ما تقول « رواه البخاري و مسلم . و لما قال : رسولك الذي أرسلت . قال
له : قل نبيك الذي أرسلت ، فأرشده النبي صلى الله إلى أن يقول : و نبيك الذي أرسلت
، لأن قوله : و رسولك الذي أرسلت تكرار كالحشو لا فائدة فيه … و أمر آخر و هو
مراعاة الأدب مع الرسول في الدعاء الذي شرعه ، فهو أفضل من كونه يتصرف بتغييره من زيادة
ما فيه أو نقص عنه و الاستدلال بهذا يعد خارجا عن موضع النقد
» المـــدرك الرابع « ( قال الشيخ عبد العزيز ، فيما نقله
عن شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية رحمه الله ــ قال: بعد كلام سبق له فالنبوة
داخلة في الرسالة و الرسالة أعم من جهة نفسها و أخفى من جهة أهلها ثم نقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية ــ
رحمه الله ــ قائلا : و النبي هو الذي ينبئه الله و هو ينبئ بما آتاه الله ، فإن
أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة الله فهو رسول . و أما إذا كان
يعمل بالشريعة قبله و لم يرسل هو إلى أحد يبلغه عن الله رسالة ربه فهو نبي و ليس
برسول . قال تعالى : » و ما أرسلنا من قبلك من رسول و لا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان
في أمنيته« . ( فالجواب : أن نقول إننا متى كنا على
الحق و لدينا دلائل العقلية و النقلية من الكتاب فقول شيخ الإسلام بن تيمية رضي الله
في … ثم استدلاله بقوله سبحانه : » و ما أرسلنا قبلك من رسول و لا نبي إلا إذا تمنى
ألقى الشيطان في أمنيته ، فإن هذا الآية تثبت إرسال النبي كما تثبت إرسال الرسول
فإن قوله : » و ما أرسلنا
قبلك من رسول و لا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ، فإن هذا الآية تثبت
إرسال النبي« . أي و ما
أرسلنا من نبي ، و هذا واضح جلي ، فإن هذه الآية تنص على أن الله يرسل الأنبياء
كما يرسل الرسل و هي تحقق ما قلنا نظيره قوله: » و ما أرسلنا في قرية من نبي إلا
أخذنا أهلها بالبأساء و الضراء لعلهم يضرعون « . فأخبر سبحانه بأنه يرسل الأنبياء إلى
أهل القرى ، كما قال ــ تعالى ــ : » كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين و
منذرين و أنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه « . فوصف الله النبيين بصفة المرسلين لكون
الأنبياء هم الرسل و الرسل هم الأنبياء ، نظيره قوله ــ سبحانه ــ : » و لقد أرسلنا رسلنا بالبينات و
أنزلنا معهم الكتاب و الميزان ليقوم الناس بالقسط « . فوصف الرسل بما وصف به الأنبياء من الإنذار و التبشير و أنزل
الكتاب عليهم بالحق ليحكموا بين الناس فيما اختلفوا فيه . فهم الوسطاء بين الله و
بين خلقه في دعوة الناس إلى ما ينفعهم ، و تحذيرهم عما يضرهم » رسلا مبشرين و منذرين لئلا يكون
للناس على الله حجة بعد الرسل « . أي خشية أن يقولوا : ما جاءنا من بشير و لا نذير
فقد جاءكم بشير و نذير . و لن يخفى أن كل نبي أوحي إليه بشرا،
فقد كلف بتبليغه و أرسل إلى الناس من أهل بلده و إن هذا الكلام الذي ساقه شيخ
الإسلام ليس مستندا إلى دليل صحيح صريح من الكتاب و يترجح بأن شيخ الإسلام متأثر بحديث أبي ذر الموضوع الذي فرق بين
الرسل ثم يقال : إن الله ــ سبحانه قال ــ :
» إنا أوحينا
إليك كما أوحينا إلى نوح و النبيين من بعده« .. ثم ختمها بقوله : » رسلا مبشرين و منذرين لئلا يكون
للناس على الله حجة بعد الرسل« . . فالقرآن يثبت بأن جميع الأنبياء بعد نوح كلهم
أوحي أوحى الله إليهم و أرسلوا إلى الناس مبشرين و منذرين لئلا يكون للناس على
الله حجة . و هذه الآيات لم تبق مجالا للشك في الموضوع .
فكل الأنبياء بعد نوح رسل مبشرون و
منذرون بدون استثناء أحد منهم ، » و ما كان ربك نسيا« . يوضحه أن الله سبحانه لا يحابي بوحيه
نبيا دون نبي ، بحيث يوحي إلى أحدهم و يكلفه قيام بالدعوة و التبليغ و الإنذار و
التحضير و الصبر على أذى قومه و على ما أصابه في ذات الله و الصنف الثاني من الأنبياء يوحي إليه
بشرا تنزل به عليه الملائكة من الله م الأمر و الأنبياء هم رءوس من أوتوا الكتاب و
أخذ عليهم العهد أو الميثاق في بيان الله من الكتاب. و قد قال الله لنبيه : » يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك
من ربك و إن لم تفعل فما بلغت رسالته« . فالعالم الذي يبلغ ما أنزل الله من العلم
و الهدى هو أفضل و أنفع من هذا النبي الذي أوحي إليه بشرع من الأمر و النهي و
الحلال و الحرام ، ثم يكتمه و لا يبلغه و يجلس في بيته تاركا للناس يموج بعضهم في
بعض بفنون الشرك و الضلال . ثم إننا متى بحثنا عن أصل
هذه القاعدة التي صارت طريقة و عقيدة للناس بحيث يتلقفها الصغار عن الكبار و
يتعلمها العامة عن العلماء و هي قولهم : ( الرسول من أوحي إليه بشرع و هؤلاء الذين استقصوا عن مبدأ نشأتها
عزوا بداية القول بها إلى الإمام النووي المتوفى عام 676هـ من كتابه » الفتح المبين بشرح الأربعين « ، حيث قال : الرسول هو من أوحي
إليه بشرع و أمر بتبليغه ، قال : و النبي هو من أوحي إليه بشرع و إن لم يؤمر
بتبليغه ، و لذلك كثرت الرسل إذ هم ثلاثمائة و ثلاثة عشر .. انتهى . و يظهر من كلام الإمام النووي ــ رحمه
الله ــ أنه متأثر بحديث أبي ذر في التفريق بين الأنبياء و الرسل ، كما حقق عدد
الرسل و أنهم ثلاثمائة و ثلاثة عشر ، و لا يوجد حصرهم في هذا العدد إلا في حديث
أبي ذر الضعيف . و قد غفل ــ رحمه الله ــ عن مصادمته للقرآن التي هي أوضح الدلائل
على وضعه و هي قوله ــ سبحانه ــ : » و لقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك و
منهم من لم نقصص عليك « . و من عادة العلماء أن ينقل بعضهم عن بعض القول
بصحته و ضعفه ، حتى يشتهر و ينتشر ، و مثله يقع كثيرا في كتب الفقهاء . و كذا قوله : » إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى
نوح و النبيين من بعده … إلى قوله: و رسلا قد قصصناهم عليك من قبل و رسلا لم
نقصصهم عليك و كلم الله موسى
تكليما « . و متى تبين لنا أن هذا التفريق بين
الأنبياء ليس له أسله لا من القرآن و لا من السنة و قد قيل :
و الحاصل أنه متى لم يوجد في القرآن و
لا في السنة تحقيق القول بوجود هؤلاء الأنبياء الذين أوحي إليهم بشرع و لم يؤمروا
بتبليغه و لا صفتهم ، فإنه يدل على عدم وجودهم ، و إنما يوجدون في الأذهان دون
العيان . و يقول أيضا إن الله ــ سبحانه ــ قال
: » قولوا آمنا
بالله و ما أنزل إلينا و ما أنزل إلى إبراهيم و إسماعيل و إسحاق و يعقوب و الأسباط
و ما أوتي موسى و عيسى و ما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم و نحن له
مسلمون « . و مثله قوله : » وقولوا آمنا بالله و ما أنزل
علينا و ما أنزل على إبراهيم و إسماعيل و مثله قوله : » ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل
المشرق و المغرب و لكن البر من آمن بالله و اليوم الآخر و الملائكة و الكتاب
المبين « . و إذا لك يكن الأنبياء هم الرسل
المذكورون في هذه الآيات ، فأين الأنبياء الذين أوجب الله الإيمان بهم .. ثم يقال
: هؤلاء الأنبياء الذين أوجب الله الإيمان بهم و نهى عن التفريق بينهم ، هل هم
أنبياء و ليسوا برسل ، أم هم أنبياء و رسل و مثله قوله : » آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه
و المؤمنون كل آمن بالله و ملائكته و كتبه و رسله لا نفرق بين أحد من رسله « . و القول الحق في هذا المقام أن مخرج
الأنبياء و الرسل في كتاب الله واحد ، و أنه إذا أفرد ذكر الأنبياء دخلت فيه الرسل
أو أفرد الرسل دخلت فيه الأنبياء ، أشبه ما قلنا بأنه متى أفرد الإسلام دخل فيه
الإيمان أو أفرد الإيمان دخل فيه الإسلام على حد سواء ، و مثله أن الله ــ سبحانه
ــ سمى عباده المؤمنين باسم المسلمين و باسم المؤمنين ، و كما سماهم رسول الله
بالمسلمين المؤمنين عباد الله ، و كما سمى الله كتابه المبين بالقرآن و بالفرقان
في قوله: » تبارك الذي نزل الفرقان على عبده « . و المسمى واحد . و نحن لا نصدق بوجود نبي أو أنبياء قد
أوحي إليهم بشرع من الأمر و النهي و الفرائض و الأحكام و أمور الحلال و الحرام ،
ثم يقال لهم : اجلسوا في بيوتكم و لا تكلفوا أنفسكم شيئا من الدعوة و التبليغ و
الإنذار و التحذير . و كأن فكرة اعتقادها نشأت عن حديث أبي
ذر فرسخت و استقرت عقيدته في نفوس الناس و هو من سوء تأثير الأحاديث الموضوعة في
الأمة ، و إنا لنرجو أن يزول هذا الاعتقاد الخاطئ بضده الحق … فإن الحق مضمون له
البقاء » فأما الزبد
فيذهب جفاء « .
( المــــدرك الخامس ) ( قال الشيخ عبد العزيز بن رشيد فيما
نقله عن الشيخ تقي الدين ــ رحمه الله ــ في كتاب الجواب الصحيح ما نصه : » و قد روى في حديث أبي ذر ، عن
النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ أن الأنبياء مائة ألف و أربعة و عشرون ألفا ، و
الرسل منهم ثلاثمائة و ثلاثة عشر و بعض الناس يصحح هذا الحديث و بعضهم يضعفه « . ثم نقل عن ابن القيم ــ رحمه
الله ــ لأن الأنبياء مائة ألف و أربعة و عشرون ألفا على ما حديث أبي ذر الذي رواه
أحمد و ابن حبان في صحيحه). ( فالجواب : أن الشيخ عبد العزيز
يحاول رفع هذا الحديث الموضوع إلى درجة الصحة لكونه يقوي حجته و من له برفع أنف
جدعته المخالب … إن كان شيخ الإسلام ذكر هذا الحديث في
الجواب الصحيح ، فإن ما ذكره بصفة التمريض الدالة على التضعيف مع العلم أنه محك
التمحيص للتصحيح التضعيف ، و نستجد جدا من شيخ الإسلام بن تيمية تصحيحه لهذا
الحديث الذي يشهد القرآن بوضعه و بطلانه ، و قد ألحقه قال ابن كثير : و قد اختلف في عدد
الأنبياء و المشهور في ذلك حديث أبي ذر الطويل و أقول : كيف لا نتكلم في هذا الحديث
بما يقتضيه من التضعيف نصيحة لله و لعباده المؤمنين .. و حسبك أنه يصادم القرآن
مما يدل على وضع و عدم صحته . لمخالفته صريح القرآن ، فقد قال ــ سبحانه ــ : » و رسلا قد قصصناها عليك من قبل و
رسلا لم نقصصهم « …. و في قوله
ــ سبحانه ــ » و لقد أرسلنا
رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك و منهم من و هاتان الآيتان تنصان على أن الله ــ
سبحانه ــ لم يقص على نبيه أسماء الأنبياء كلهم ، بل منهم من قص عليه و منهم من لم
يقص عليه ، فيعتبر الإحصاء المذكور في حديث أبي ذر كذب على الله و على رسوله . و أجمع آيات تنص على عدد الرسل و
أعياتهم ببيان أسمائهم هي قوله ــ سبحانه ــ : فهؤلاء كلهم أنبياء و رسل بدأهم بذكر
الأنبياء و ختمهم بذكر الرسل ، و مثلها آية الأنعام
تثقيف الأذهان بعقيدة الإسلام والإيمان
( المـــدرك السادس ) ( قال الشيخ عبد العزيز بن رشيد ــ
رحمه الله ــ : أما ما ذكره الشيخ في رسالته من أن الإسلام و الإيمان شيء واحد و
أنهما اسم لمسمى … فهذا خلاف ما عليه أهل السنة و الجماعة … فإن الإسلام و الإيمان
شيئان متباينان كما دل على ذلك الكتاب و السنة . قال الله ــ سبحانه ــ : » قالت الأعراب آمنا لم تؤمنوا و
لكن قولوا أسلمنا و لما يدخل الإيمان في قلوبكم « … فمعنى هذه الآية دليل على أن
الإيمان غير الإسلام و أنه ليس كل ليس مؤمن مسلم ) .. انتهى . فجوابه : أن الشيخ عبد العزيز ،
يستبيح الكذب على صاحب الرسالة ، لأنني لم أقل: إن الإسلام و الإيمان شيء واحد و
أنهما اسم لمسمى واحد ، بل قلت : إن الإيمان تصديق القلب
( باب ) إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة وكان
على الاستسلام أو الخوف من القتل لقول و إذا كان على الحقيقة فهو على حد
قوله ــ جل ذكره ــ : » إن الدين عند الله الإسلام « .. فهم في تلك الحالة مستسلمون
لحكم الإسلام و حكومته خوفا من القتل قبل أن يعرفوا و الإيمان .. و لكن هؤلاء
الأعراب بعد ما دخلوا في الإسلام و عرفوا الإيمان زال عنهم هذا الوصف عنه هذا
الوصف و صاروا مسلمين مؤمنين بناء على الظاهر من أعمالهم و دخلوا في عموم قوله: » إنما المؤمنون اخوة « ، و في قوله ــ صلى الله عليه
وسلم ــ : » المسلم أخو
المسلم لا يظلمه فإن مجرد التصديق بدون عمل هو سببه
كفر إبليس حين امتنع عن السجود لآدم ، حيث أمره الله به فاستكبر عنه ، و لأجله سمي
إبليس لكونه أبلس من رحمه الله و
إلا فإنه يصدق … بوجود الرب و الملائكة و الجنة و النار ، كما أخبر الله عنه في
كتابه … » و مثله ما حكى
الله عن اليهود أنهم يعرفون الرسول كما يعرفون أبناءهم … فمجرد التصديق الخالي عن
العمل و النبي صلى الله عليه وسلم ــ إنما
كان يطالب الناس بإقامة شعائر الإسلام الظاهرة و في البخاري أن عمر بن الخطاب ــ خطب
الناس بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ فقال : أيها الناس إننا نعرفكم إذ
ينزل الوحي فينبئنا الله من أخباركم و إنما نعرفكم الآن بما ظهر لنا من أعمال فمن
أظهر لنا خيرا أحببناه و قربناه و سريرته إلى الله … و من أظهر لنا شرا ظننا به
شرا و أبغضناه و لم نأمنه و سريرته إلى الله ــ عز و جل ــ . إنه ليس من الممكن أن يسرع دخول الإيمان إلى قلوب عرب الجزير وهم حدثاء عهد بجاهلية ويعبدون الأصنام وسلاحهم بأيديهم يحاربون به الرسول والمؤمنين.. أو إلى أهل مكة ـ حال استيلاء الصحابة عليهم ـ وهم يعبدون الأصنام ويكذبون بوجود الرب وبالرسول والقرآن ويكذبون بوجود الرب وبالرسول والقرآن ويكذبون بالبعث بعد الموت ويكذبون بالجنة والنار ويقولون: ما حكى الله عنهم بقوله: |