بسم الله الرحمن الرحيم

الأخلاق الحميدة للمرأة المسلمة

 

الحمد الله رب العالمين وبه نستعين ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ومن همزات الشياطين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

أما بعد : فقد قال الله تعالى : » يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم و أهليكم نارا « فأمر الله عباده بأن يقوا أنفسهم و أهليهم من عذاب النار ، فوقاية النفس من النار تحصل بأداء ما افترض الله و ترك ما حرم الله ، كما أن وقاية الأهل من النار تحصل بأمرهم بالخير و نهيهم عن الشر، تحصل بأمرهم بالمعروف و نهيهم عن المنكر ، فما نحل رجل أهله و أولاده أفضل من أن ينحلهم أدبا حسنا يهذبهم به على الصلاح و التقى ، و يردعهم به عن السفاه و الفساد و الردى ، فالرجل راع على أهله و مسئول عن رعيته ، و المرأة راعية على بيت زوجها و بناتها و مسئولة عن رعيتها ، كما ثبت بذلك الحديث ، فمتى كان الرجل راع على أهله و عياله فإن من واجبه أن يرعاهم بالمحافظة على الفرائض و الفضائل و ينهاهم عن منكرات الأخلاق و الرذائل و يأخذ بأيدي أولاده إلى الصلاة في المسجد معه ، ليتربوا على محبة الصلاة بمداومتهم عليها
ومزاولتهم لفعلها ، فإن من شب على شيء شاب على حبه ، و لأنه بأخذ يد الولد إليها و مجاهدته عليها يعود حبها ملكة راسخة في قلبه تحببه إلى ربه و تقربه من خلقه و تصلح له أمر دنياه
وآخرته لأنها أم الفضائل و الناهية عن منكرات الأخلاق و الرذائل .

و كذلك المرأة ، بما أنها راعية على بيت زوجها و على بناتها و مسئولة عن رعيتها ، فإن من واجبها أن تربي بناتها على الحياء و الستر و الصيانة و النهي عن التكشف و الخلاعة و على الأمر بالطهارة و بالصلاة في وقتها ، فإن الصلاة تقيم اعوجاجها و تصلح فسادها و تذكر بالله الكريم الأكبر ، و تصدها عن الفحشاء و المنكر .

إن الله سبحانه ، خلق الناس متفاوتين و لا يزالون مختلفين ، فمنهم المسلم و منهم الكافر
ومنهم البر و منهم الفاجر ، و منهم الصالح و منهم الفاسق ، فمتى ترك الفاجر يتظاهر بكفره
وإلحاده ، و الفاسق يتظاهر بفسقه و فساده بمرأى من الناس و مسمع ، فإن هذا و الله غاية الفساد للمجتمع ، فإن الأخلاق تتعادى و الطباع تتناقل ، و إنما ينتشر الشر غالبا بسبب فشوه ثم الاقتداء من بعض الناس لبعض فيه ، لأن رؤية المنكرات تقوم مقام ارتكابها في سلب القلوب نور التمييز الإنكار ، لأن المنكرات متى كثر على القلوب ورودها و تكرر في العين شهودها ذهبت عظمتها من القلوب شيئا فشيئا ، حتى يراها الناس فلا يرون أنها منكرات ، و لا يمر بفكر أحدهم أنها معاصي ، و ذلك بسبب سلب القلوب نور التمييز و الإنكار على حد ما قيل: إذا كثر الإمساس قل الإحساس ، وغايتها أن يغرق الناس في الفساد على سبيل العدوى و التقليد الأعمى من بعضهم لبعض .

من ذلك أن النساء متى تركن يمشين في الأسواق بصورة خليعة كاشفة الرأس و الرقبة
والصدر، تبدي يديها إلى العضد أو الإبط و رجليها إلى نصف الساق بمرأى من الناس و مسمع
بدون أن تنهى و تمنع ، فإنه بتكرار النظر إلى هذا المنكر تزول وحشته عن القلوب حتى يكون من المعروف المألوف ، يشب على فعله الصغار و يهرم عليها الكبار .

لهذا ، يجب على النساء تهذيب أنفسهن و تمرين بناتهن على اللباس السابغ الساتر ، حتى تشب إحداهن على محبته و من شب على شيء شاب على حبه و قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم : » بأنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا« و صدق الله و رسوله ، فقد رأينا اختلافا كثيرا في الأخلاق و اختلافا كثيرا في العقائد و الأعمال .

        من هذا الاختلاف أننا مكثنا زمنا طويلا و نحن نرى النساء يتمتعن بحالة مرضية
وأخلاق كريمة زكية ، رأيناهن حتى الصغار منهن ، يرفلن في حلل ساترة ، و ثياب واسعة سابغة ، تغطى بها جميع جسمها ، و تغطي بالخمار الساتر جميع رأسها ، و رقبتها ، و قلائدها
تعتقد اعتقادا جازما بأنه من واجب دينها ، و أنه شرط لصحة صلاتها ، و أن إسباغ الستر عليها هو عنوان شرفها ، و فضلها ، و علامة مجدها و ظرفها ، فلو رأين من تبدي يديها إلى المرفقين أو الإباط ، و رجليها إلى نصف الساق ، و تمشى حاسرة الرأس ، والوجه و الرقبة بغير خمار
لابتدرنها بالضرب ، فضلا عن السب ، لحسبنها ساقطة شرف و مروءة ، و عديمة خلق و دين
ليست من نساء المسلمين ، لأنها لبسة منكرة ، يمجها العقل ، فضلا عن الدين ، و حتى النصارى على كفرهم ، بدأوا يتراجعون عن هذا اللباس الضيق القصير ، و يدعون نساءهم إلى استعمال الثياب الواسعة السابغة ، و ينشرون فضلها في مجلاتهم و جرائدهم ، و يصورونها في السينمات و يرغبون نساءهم في استعمالها ، و أنها من أسباب الصحة للجسم ، خصوصا للحوامل
وسيكون لهذا التداعي تجاوب ولو بعد حين .

        و في هذا الزمان ، لما كثر اختلاط النساء المسلمات بالنساء المتفرنجات من نصرانيات
وعربيات لا دين لهن و لا خلق ، طفقن يتعلمن منهن هذه اللبسة المزرية القبيحة ، لبسة العرى العار، و لبسة الذل والصغار ، و لبسة المتشبهات بنساء الكفار ، و من تشبه بقوم فهو منهم .

        و أخذت هذه اللبسة تسري في بيوت الأسر والعوائل الفاضلة ، يتحلى بها الكبار ، و يتربى عليها  الصغار ، على سبيل العدوى والتقليد الأعمى ، والرؤساء و أرباب البيوت ساكتون واجمون ، لا يريدون أن يغيروا شيئا من هذه الأزياء ، من كل ما تشتهيه النساء ، و ساعد على ذلك كثرة ما يشاهدونه من عرض الأفلام الخليعة التي هي من الفتن التي تعرض على القلوب كالحصير ، عودا ، عودا ، فتعمى نور القلب ، و تطفئ نور بصيرته ، بحيث يرى المعروف منكرا، و المنكر معروفا .

        فيا معشر النساء المسلمات : إن الله سبحانه شرفكن بالإسلام ، فضلكن به على سائر نساء الأنام ، متى فمتن بالعمل به على التمام ، و أن المرأة بدينها و أخلاقها ، لا بزيها و جمالها. الزمن لباس الشرف و الحشمة ، لباس الظرف والفضيلة ، لباس الحياء و الستر ، و هو اللباس الواسع السابغ ، لباس الجلال و الجمال ، لباس الحياء والوقار ، لباس الحرائر التقيات الأطهار
ولا ينجرف بكن الهوى ، و التقليد الأعمى إلى مشابهة نساء الكفار ، و لا تنخدعن بالدعاة إلى النار، الذين يبغونكم الفتنة و فيكم سماعون لهم ، و يحسنون لكم ما يسوء فعله في حقكم .

        فحذار ، حذار أن تكن من نساء أهل النار ، الذين وصفهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بأنهن الكاسيات العاريات ، والمائلات المميلات ، لا يجدن عرف الجنة ـ يعنى ريحها ــ فللمسلمة دينها و سترها ، و للكافرة خلاعتها و كفرها ،  » و لأمة مؤمنة خير من مشركة و لو أعجبتكم « الآية .

        إن في كتاب الله لأعظم مزدجر عن عمل كل منكر ، يقول الله تعالى : »  يا أيها النبي قل لأزواجك و بناتك و نساء المؤمنين يدنين عليهم من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين «
فأمر الله نساء نبيه و نساء المؤمنين ، بأن يدنين عليهن من جلابيبهن ، والجلباب يشبه الرداء ، أو العباءة ، تغطي به جميع جسمها إلا ما تبصر به الطريق من فتح عينها و نحوه ، و هو من شأن الحرائر ، بحيث يعرفن بالتستر فيحترمن ، و هذا نص قاطع في وجوب ستر المرأة الحرة جميع جسمها حتى وجهها . و في الآية الأخرى :
» و قل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن و يحفظن فروجهن و لا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها و ليضربن بخمرهن على جيوبهن « . فأمر الله نبيه بأن يبلغ نساءه ، والنساء المؤمنات ، بما يجب عليهن شرعا من آداب اللباس و التستر، بأن يغضضن من أبصارهن عن النظر إلى الرجال الأجانب ، لكون النظر سهم مسموم من سهام إبليس ، و ما نظرة إلا و للشيطان فيها مطمع .

        و هو معدود من مقدمات الزنا ، سواء في ذلك الرجل والمرأة ، و لهذا قال بعده:
» ويحفظن فروجهن  . و في البخاري ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ــ قال : « العينان تزنيان
و زناهما النظر، و القلب يتمنى و يشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه
» ، و لما قال النبي صلى الله عليه وسلم ــ : « لا تلجوا على المغيبات » قال رجل من الأنصار : يا رسول الله ، أ رأيت الحمو ؟ يعنى أقارب الزوج ، قال : « الحمو الموت » ، لأنه ما خلا رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان ، كما ثبت بذلك الحديث ، ثم قال : » و لا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها و ليضربن بخمرهن على جيوبهن و لا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن « . حتى ذكر المحارم .

        فنهى الله النساء المؤمنات ، عن إبداء زينتهن للرجال الأجانب إلا المحارم ، فهل يشتبه بعد هذا إبداء تحريم الزينة مع ما هو شر منها من الاختلاط بالشباب الأجانب ، والخلوة بها، أو سفرها لأقصى البقاع و حدها ، لا محل للتردد في تحريم هذا العمل ، و تحريم التعاون عليه
والمساعدة لأهله ، و لا في تحريم إقراره و عدم إنكاره .

        ثم قال : » و ليضربن بخمرهن على جيوبهن « . و الخمار ؛ هو ما يوضع على الرأس
و يدار على الرقبة و الصدر ، و من شرطه أن يستر ما تحته ، و يتأكد ذلك في الصلاة بحيث يجب على المرأة المسلمة أن تستر جميع جسمها في الصلاة ، ما عدا الوجه والكفين ، حتى و لو كانت في غرفة مظلمة ، أو في الليل ، فالله أحق أن يستحيا منه ، و هذا شرط لصحة الصلاة
لقول النبي صلى الله عليه وسلم ــ
« لا يقبل الله صلاة حائض ــ أي بالغ ــ إلا بخمار » ، أما الخمار الشفاف الرقيق الذي لا يستر ما تحته ، فإن وجوده كعدمه ، فلا تصح الصلاة معه
ويرحم الله نساء الأنصار ، لما نزل قوله :
» و ليضربن بخمرهن على جيوبهن « .عمدن  إلى مروط ثخينة فشققنها على رؤوسهن ، فخرجن و هن لا يعرفهن أحد من التستر . ذكر معناه البخاري في صحيحه.

        و في الآية الأخرى : » وقرن في بيوتكن و لا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى و أقمن الصلاة و آتين الزكاة و أطعن الله و رسول « .إلى قوله : » و اذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله و الحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا « ، فهذا و الله الخطاب اللطيف ، و التهذيب الظريف ، يأمر الله نساء نبيه ، و نساء المؤمنين ، بالتبع بأن يقرن في بيوتهن ، لأن أشرف حالة المرأة أن تكون قاعدة في قعر بيتها ، ملازمة لمهنتها ، من خياطتها ، أو كتابتها و قراءتها ، أو خدمة بيتها
وعيالها ، لا يكثر خروجها و اطلاعها .

        لأن ثقل القدم من المرأة في بيتها فضيلة ، و كثرة الدخول و الخروج رذيلة . و قد حكم النبي صلى الله عليه وسلم ــ بين علي و فاطمة ، أن على فاطمة الخدمة داخل البيت ، و على علي جلب ما تحتاجه خارج البيت ، و قد و صف الله نساء أهل الجنة بما تتصف به الحرائر العفائف في الدنيا ، فوصفهن بالبيض المكنون ، ووصفهن بالمقصورات في الخيام .

        ثم قال : » و لا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى « . فنهى عن تبرج الجاهلية الأولى ، وهو ما يفعله النساء في هذا الزمان في بعض البلدان ، من كون المرأة تظهر مفاتن جسمها ، و فتبدي  يديها إلى العضد أو الآباط ، و رجليها إلى نصف الساق ، و تمشي حاسرة الرأس و الوجه والرقبة ، بغير خمار ، و تلبس عند الناس الثوب الضيق القصير ، الذي يميز أعضاء جسمها
فهذا هو تبرج الجاهلية الأولى ، و لم يكن معروفا في نساء المسلمين ، بل و لا في نساء العرب على شركهم ، و إنما كان معروفا من زي نساء النصارى والعجم ،و لما قال رجل للنبي صلى الله عليه و سلم إني أرى نساء العجم بادية صدورهن و وجوههن ، فماذا أفعل ! فقال رسول الله عليه وسلم:
« اصرف بصرك عنهن» .

        و في هذا الزمان ضعف من بعض النساء الإيمان زدن في الخلاعة و التبرج على تكشف العجم النصارى ، و على تبرج الجاهلية الأولى ، و كلما ضعف دين المرأة و فسد خلقها أو غلت في التبرج ، و أخلاق التفرنج ، لأنها ناقصة عقل و دين ، و مشبهة عقولهن بالقوارير
وقد ابتليت بهذا الشباب الطائش الذي يفتخر أحدهم بخلاعة زوجته ، تبرجها في الأسواق ، بزيها المزري ، لا يثنيها وجل ، و لا يلويها خجل ، و ربما ذهب بها إلى أصدقائه من الأغيار ، ليمتعهم بالنظر إليها ، و نظرها إليهم ، و يربط الصداقة بينها و بينهم ، و فيوقعها في الفتنة و الافتنان بها وهذا غاية في سقوط المروءة ، و ذهاب الحياء و الغيرة ، لا يصدر مثله إلا من شخص مهين
عديم المروءة والدين .

ما لجرح بميت إيلام

 

و من يهن يسهل الهوان عليه

   إن التستر و الصيانة ، هما من أعظم العون على العفاف و الحصانة ، فإن من العصمة أن لا تقدر ، و قد أبدى النصارى ببغيهم الحسد للمسلمين على سترهم لنسائهم ، بثوا من الأفلام الخليعة التي تغزو الناس في قعر دورهم من كل ما يدعو النساء إلى الافتنان ، و يضعف منهن الإيمان ، و قد قيل : حسبك من شر سماعه ، فما بالك برؤيته . 

مثل السباع تطوف باللحمان

 

إن الرجال الناظرين إلى النساء

أكلت بلا عوض و لا أثمان

 

إن لم تصن تلك اللحوم أسودها

        ثم قال : » و أقمن الصلاة و آتين الزكاة و أطعن الله و رسوله  « .إلى قوله : » و اذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله و الحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا  « .

        فأمر الله نساء نبيه ، و نساء المؤمنين ، بأن يقمن الصلاة ، أي يأتين بها في وقتها ، مقومة معدلة ، بخشوع و خضوع ، في السجود ، و الركوع ، لأن لب الصلاة الخشوع في الركوع والسجود ، و لأن الصلاة من آكد العبادات ، و هي من أكبر ما يستعان بها على حسن تربية البنين و البنات ، لأنها عمود الديانة ، و رأس الأمانة ، تهدي إلى فعل الفضائل ، و تكف عن منكرات الأخلاق و الرذائل ، تنبت في القلب محبة الرب ، و التقرب إليه بطاعته ، و لا  إسلام
 ولا دين لمن ترك الصلاة ، فكل امرأة يدعوها زوجها إلى الصلاة فتعصيه و لا تطيعه ، و تصر على ترك الصلاة ، فإنه يجب عليه فراقها ، لاعتبار أن ترك الصلاة كفر، و الله يقول:
» ولا تمسكوا بعصم الكوافر «. » لا هن حل لهم و لا هم يحلون لهن  « .

        ثم قال » واذكر ما يتلى في بيوتكم من آيات الله و الحكمة « .

        فهذه الآية و ما قبلها وردت مورد الخصوص لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم
 ومعناها العموم لسائر المؤمنات ، لأن الاعتبار في القرآن هو بعموم لفظه لا بخصوص سببه كسائر نظائره .

        و هذه الآية تعتبر من أقوى الدلائل على تعلم المرأة لأحكام الكتاب و السنة ، و سائر العلوم الشرعية ، إذ هي كالرجل في ذلك ، و لأن العلم الصحيح النافع ، يكسبها جميل الأخلاق والآداب و يرقيها إلى الشرف و الكمال » يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات  «.

        و أما ما يذكر عن نهي النساء عن الكتابة ، فإن الحديث مكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم و لفظه عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ــ « لا تسكنوهن الغرف
ولا تعلموهن الكتابة و علموهن المغزل و سورة النور
» انتهى . فهذا حديث لا يصح و قد حقق العلماء بطلانه ، و أنه مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسقط الاحتجاج به ، و قول الحق : هو أن المرأة كالرجل في تعلم الكتابة و القراءة و المطالعة في كتب الدين و الأخلاق
وقوانين الصحة ، و تدبير المنزل ، و تربية العيال ، و مبادئ العلوم ، و الفنون من العقائد الصحيحة ، و التفاسير ، والسير ، والتاريخ ، و كتب الحديث والفقه ، كل هذا حسن في حقها
تخرج به عن حضيض جهلها ، و لا يجادل في حسنه عاقل ، مع التزام الحشمة و الصيانة
وعدم الاختلاط بالرجال الأجانب .

        و قد كان لنساء الصحابة والتابعين من هذا العلم الحظ الأوفر ، والنصب الأكبر ، فمنهن المحدثات ، و منهن الفقيهات ، و للمعلماء مؤلفات في أخبار علوم النساء ، لا يمكن حصرها في هذا المختصر ، و حتى المصاحف ذات الخط الجميل في الشام والعراق ، تقع غالبا بخط النساء
وكثير منهن يوصفن بالنبوغ و البلاغة غير المتكلفة ، و نحن نشير إلى طرف يسير منها.

        من ذلك ، أن عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها كان الصحابة يسألونها من وراء حجاب عما يشكل عليهم من الأحاديث و تفسير الآيات ، و عن الأحكام و أمور الحلال و الحرام ، و كانت تستدرك على الصحابة كثيرا من القضايا ، و هي معدودة من حفاظ الصحابة الذين أكثروا من الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم و هم سبعة : ابن عباس ، و ابن عمر
وأنس بن مالك ، و أبو هريرة ، و جابر بن عبد الله  ، و أبو سعيد الخدري ، و عائشة بنت أبي بكر، ولا يكون مكثرا حتى يحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فوق ألف حديث ، و هي كذلك ، وقد اشتهرت بالبلاغة و النبوغ والحفظ ، عن عائشة ، و رواه أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ،أنها قالت : أنه لما ألقى الدين بجرانه ، ورست أوتاده ، و دخل الناس فيه أفواجا ، و من كل فرقة أرسالا و أشتاتا ، اختار الله لنبيه ما عنده ، فلما قبض الله نبيه ، نصب الشيطان رواقه ، و مد طنبه ، و نصب حبائله ، فظن رجال أن قد تحققت أطماعهم ، لآت حين الذين يرجون ، و أنى و الصديق بين أظهرهم ، فقام حاسرا و مشمرا ، فجمع حاشيته ، و رفع فطرته ، فرد نشر الإسلام على غره ، و لم شغته بطيه ، و أقام أوده بثقافته ، فوقذ النفاق بوطئه
وانتاش الدين فنعشه ، فلما أراح الحق على أهله ، و قرر الرؤس على كواهلها ، و حقن الدماء في أهبها ، أتته منيته ، فسد ثلمه بنظيره في الرحمة ، و شقيقه في السيرة والمعدلة ، ذاك ابن خطاب ، لله أم حفلت له ، و درت عليه ، لقد أوحدت به ، فقبح الكفر ،  شرد الشرك ، و بعج الأرض ، فقاءت أكلها ، و لفظت خبيئها ، ترأمه و يصد عنها ، و تتصدى له ، و يأباها ، ثم ورع فيها ، و ودعها كما صحبها ، فأروني ماذا تريبون ؟ و أي يومي أبي تنقمون ؟ أ يوم إقامته إذ عدل فيكم . أم يوم ظعنه عنكم ! و قد نظم لكم أمركم ، أقول قولي هذا و أستغفر الله لي ولكم . انتهى .

        فهذه نبذة يسيرة ، تدل الناظر على سعة علم نساء الصحابة ، وما وفقن له من الفصاحة
والإصابة ، و مع حسن سبك الكلام المتضمن لجميل البلاغة والبيان ، و أن لهن العناية التامة بتعلم العلوم النافعة ، و تعليمها مع العمل بها .

        و قد ظهر أثر بركة علمهن على أخلاقهن ، و حسن آدابهن ، لأنه متى صلح العلم و التعلم  صلح العمل ، و إذ فسد العلم و التعلم ، ساء العمل ، و ساءت النتيجة ، لأن من العلم ما يكون جهلا ، و قد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من علم لا ينفع . و لا يستعيذ إلا من الشر ، فمن العلم الذي لا ينفع ، والذي هو داخل ضمن الجهل .

        تعلم المرأة الرقص والغناء ، والتمثيليات السامجة ، التي هي غاية في الكذب ، و تصوير رسم الحيوانات الحية ، ثم يندفع بها سوء علمها ، وفساد عملها ، إلى السفر للتعلم وحدها
فتخرج من بيت أهلها متهتكة متبرجة ، تغشى دور الفجور ، و محلات الفسوق ، و مسارح اللهو واللعب ، و الخمور ، و السينمات ، مع تركها للفرائض و الواجبات ، من الصلوات ، لأن هذا
هو منتهى تعلم البنين و البنات في هذا الزمان .  

إن الأصل في التعلم الصحيح ؛ هو إصلاح النشء بتربية الأخلاق و الآداب الدينية بما يجعل المرأة صالحة مصلحة ، ثم تعلم العلوم النافعة ، لأن الغرض من تعليم البنات ؛ هو تربية أنفسهن و تهذيب أخلاقهن على المحافظة على الفرائض ، والفضائل ، و اجتناب منكرات الأخلاق و الرذائل ، و هن أقبل الناس لتعليم الدين و الأخلاق ، والخير ، و فيهن أتم الاستعداد للاستماع و الإتباع ، لو وفقن  للمعلمين و المعلمات ، المرشدين الصالحين ، الذين يهدون بالحق و به يعدلون .

        إن في تعليم الإسلام ما يضمن السعادة و الراحة للبنات ، و لسائر البيوت و العائلات ، لأن دين الإسلام يعلمهن فضيلة  الستر و العفاف ، و فضيلة التواضع في المأكل و اللباس ، و ينهى عن المغالاة فيما يسمى بالكمليات ، مما يعد خارجا عن الضروريات ، و يأمر بالاقتصاد في النكاح ، و ينهى عن المغالاة في المهور ، و يقول : « إذا خطب إليكم من ترضون دينه و خلقه فزوجوه إن لا تفعلوه تكن فتنة في الأرض و فساد عريض » (1) . و يأمر بالاقتصاد في النفقة بحسن التدبير ، و ينهى عن الإسراف و التبذير ، حتى و لو كان على نهر جار ، و يأمر بالتودد إلى الأرحام و الجيران ، و حسن معاشرة الناس بالإحسان ، و بإفشاء السلام ، و طيب الكلام
 و ينهى عن إطلاق اللسان باللعن و السب لاعتبار أن الأم مدرسة لأولادها في الخير و الشر فمتى كانت بذيئة اللسان تعلم ذلك أولادها منها ، و صاروا يتقاذفون باللعن فيما بينهم ، ثم تعليمهن النظافة في الجسم و الثياب ، و المنزل و العيال ، و إن النظافة من الإيمان ، و من أسباب الصحة للأبدان .

        و الناس يعرفون ظرف المرأة بنظافة جسمها ، و نظافة بيتها ، و عيالها ، و أن أشرف حالة المرأة أن تكون قاعدة في قعر بيتها ، ملازمة لمهنتها ، من خياطتها ، أو مغزلها ، أو خدمة بيتها و عيالها ، لا يكثر خروجها و اطلاعها .       لأن بقاء المرأة في بيتها فضيلة ، و كثرة دخولها
وخروجها رذيلة ، و يأمرها برعاية حقوق زوجها ، و حسن صحبته ، معاشرته ، و لزوم طاعته  بالمعروف ، وأن لا تكلفه ما يشق عليه من متطلباته بالكماليات التي قد لا يستطيع الحصول عليها إلا بمشقة ، و أن لا تأذن في دخول بيته لمن يكره دخوله من رجل أو امرأة ، و أن لا تخلو مع رجل ليس بمحرم لها .

        فهذه هي التعاليم الإسلامية ، والأخلاق الدينية ، التي تجعل المرأة صالحة مصلحة في بيتها وبيئتها ، و حسن تربيتها لأولادها ، و بناتها ، و تجعلها سعيدة في حياتها ، و بعد وفاتها
ولا يوفق للعمل بهذه المزايا الفاضلة و الوصايا النافعة ، إلا خيار النساء علما و عقلا ، وأدبا
ودينا .

        و إنما نكب المسلمون و أصيبوا بالنقص من فساد الأخلاق ، والأعمال كله ، من أجل إهمالهم لحسن تربية أولادهم و بناتهم التربية الدينية النافعة ، التي تجعل المرأة سيدة بيت
وسيدة عشيرة .

        إن نابتة التفرنج ، وعشاق التبرج ، الذين أضاعوا الصلاة ، و اتبعوا الشهوات ، و خرقوا سياج الشرائع ، و استخفوا بحرمات الدين ، و اتبعوا غير سبيل المؤمنين ، يظنون من رأيهم القصير ، و عزمهم الحقير ، أن الحضارة و التمدن ، والرقي والتقدم ، أنه في تشييد القصور
ومعاقرة الخمور ، ومجاراة النصارى في الحرية والخلاعة و السفور ، قد ضربهم من الجهل سرادق ، و من الغباوة أطباق ، و غرهم بالله الغرور .

        تالله لقد سلكوا شعاب الضلالة ، و سقطوا في هوات المذلة ، ورضوا بأخلاق المذمة
الذي ساقهم إليها ، دلهم عليها ، صريح الجهل ، وسفالة الأخلاق ، و مجالسة الفساق ، فإن داموا على ما هم عليه و لم يعدلوا سيرتهم و لم يرجعوا إلى طاعة ربهم ، صاروا مثالا للمعايب
ورشقا لنبال المثالب،  سيسجل التاريخ مساوئهم السيئة التي خالفوا بها سيرة سلفهم الصالحين
الذين شرفوا عليهم ، بتمسكهم بالدين ، و طاعة رب العالمين ، فلا أدري من أحق بالأمن إن كنتم تعلمون .

        نسأل الله سبحانه أن يهدينا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلا هو ، و أن يصرف عنا سيئها ، لا يصرف عنا سيئها إلا هو ، و نعوذ بالله من شرور أنفسنا ، وسيئات أعمالنا، و من همزات الشياطين ، و صلى الله على نبينا محمد ، و على آله و صحبه أجمعين .

        حرر في 21 جمادي الأولى عام 1394هـ .

الكـــتــب