بسم الله الرحمن الرحيم

إتحاف الأحفياء برسالة الأنبياء

 

الحمد لله و كفى و الصلاة و السلام على سائر الأنبياء .

أما بعد فقد جرى على السنة العلماء و العوام ، مما دخل في ضمن عقائد الإسلام ، التعريف عن مراتب الأنبياء و الرسل عليهم الصلاة و السلام . فقالوا : إن الرسول هو من أوحي عليه بشرع و أمر بتبليغه ، و النبي هو من أوحي إليه بشرع و لم يؤمر بتبليغه . و قالوا كل رسول نبي و ليس كل نبي رسولا . و قالوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نبئ بإقرأ و أرسل بالمدثر . معنى ذلك أن الرسول في حالة الفترة بين نزول اقرأ باسم ربك الذي خلق إلى نزول
يا أيها المدثر أنه كان نبيا و لم يكن رسولا . و قد قيل إن هذه الفترة أربعون يوما .

و قد صار هذا من العقائد الثابتة في قلوب الناس و التي لا مجال فيها للمماحلة و الالتباس بين الخاص و العام .

 إن هذا التقسيم بصفة التفريق بين الرسول و النبي قد شاع على ألسنة العلماء و العوام حتى ألحقوه بعقائد الإسلام و كأنه لا خلاف فيه بين الخاص و العام و هو ليس له أصل لا من الكتاب و من السنة و لا من قول الصحابة لأنه بمقتضى التتبع و الاستقراء لكتب الصحاح
والسنن و آثار الصحابة لم نجد لهذا القول أصلا يعتمد عليه و لا نظيرا يقاس عليه و أسبق من رأيناه تكلم بهذا التفريق هو العلامة ابن كثير في التفسير على قوله : و لكن( رسول الله و خاتم النبيين ) من سورة الأحزاب و قال : فهذه الآية نص في أنه لا نبي بعده فإذا كان لا نبي بعده فلا رسول بالطرق الأولى والأحرى لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة : فإن كل رسول نبي و لا ينعكس
« انتهى . فهذا الكلام وقع من ابن كثير رحمه الله و لم يسنده . و الطريقة أن كلام العلماء يستدل لها و لا يستدل بها إذ كل يؤخذ من قوله و يترك إلا رسول الله فكلام العلماء يساق للتقوية و الإعتضاد لا للاعتماد .

و كأنهم أخذوه من مفهوم قوله تعالى » اقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق اقرأ و ربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم « فقالوا انه ليس في السورة صريح الأمر بالدعوة و تبليغ الرسالة إذا هي محض تعليم له خاصة فصار به نبيا لا رسولا .

أما سورة ( يا أيها المدثر قم فأنذر ) فإن فيها صريح الأمر بالدعوة و الإنذار و التحذير فصار بها نبيا و رسولا . هذا حاصل ما يقولون و به يعتقدون . و الحق أن كل نبي ذكره الله في القرآن فإنه رسول فلا فرق بين الرسول و النبي إلا بمجرد الاسم و المسمى واحد و هذا من تنوع الاسم . كما نقول محمد رسول الله و محمد نبي الله و القرآن يخاطب الرسول بقوله :  » يا أيها النبي قل لأزواجك و بناتك و نساء المؤمنين « . » يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك « و أحيانا يخاطب بلفظ الرسول كقوله » يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك « » يا أيها الرسول
لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر
«. والمعنى واحد .

فكما أن محمدا نبي رسول فكذلك سائر الأنبياء بلا فرق .

و النبي مشتق من الأنباء أي أن الله أنبأه من وحيه بما شاء كما قال تعالى : » قد نبئنا الله من أخباركم« ثم هو يقوم بدوره بإنباء ما أوحي الله إليه كما يقول المحدث أنبأنا فلان .

فكل نبي فإنه ملزم بإبلاغ ما أوحى الله إليه من الشرع إذ التبليغ ثمرة النبوة و عقد نظامها فلا يوجد في حكم الله و شرعه نبي أوحي إليه بشرع و لم يؤمر بتبليغه . إذ هذا الأمر يخالف مقتضى النبوة و يجب تنزيه الأنبياء عنه و الله يقول » كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين و منذرين « فوصف الأنبياء بالتبشير و الإنذار الذي هو وظيفة الرسل بلا خلاف كما قال تعالى » رسلا مبشرين و منذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل « فوصف الرسل بالتبشير و الإنذار كما وصف بذلك الأنبياء على حد سواء .

و قد صنف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كتابا في النبوات سماه النبوات و قد استقصى فيه أخبار الأنبياء و أوصافهم و مميزاتهم و معجزاتهم و البراهين الدالة على صدق رسالتهم
وتصديهم لدعوة قومهم و صبرهم على أذاهم و ذكر الفرق بين الأنبياء و بين السحرة و الكهان
وخوارق العادات و لم يذكر فرقا بين الأنبياء و الرسل لأن الأنبياء هم الرسل تنوع الاسم
والمعنى واحد فكل نبي فإنه رسول فلو كان عنده فرق بين النبي و الرسول لذكره و لما أهمل السكوت عن بيانه إذ الكتاب محل البحث عن مثل هذا لو كان له وجه عنده و الله سبحانه لما ذكر أقسام المنعم عليهم بقوله : ( و من يطع الله و الرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقا ) فمتى كان الأنبياء ليسوا برسل فأين الرسل من مقعد هذا الصدق عند مليك مقتدر .

و يترجح أن هذا الاعتقاد في قولهم : أن النبي هو من أوحي إليه بشرع و لم يؤمر بتبليغه إنه إنما دخل على الناس من عهد قريب حيث أنه ليس معروفا عند الصحابة و التابعين
ولا السلف السابقين و كأنهم أخذوه من مفهوم قوله ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ) لظنهم أنه ليس في الأمر بالدعوة و لا تبليغ الرسالة و خفي عليهم أن الرسول نفسه هو من أرسل إليه بنفسه لأن العلم مقدم على القول و العمل و من حين فاجأه الحق و نزل عليه الوحي فإنه رسول الله حقا
وقد أخذ القرآن ينزل عليه تدريجيا .

فهذه الغلطة في التفريق بين الرسول و النبي يظهر أنها إنما دخلت على الناس من طريق حديث موضوع رواه ابن مردويه عن أبي ذر و هو حديث طويل جدا لا يتحمل أبو ذر حفظه مع طوله و فيه » قلت : يا رسول الله كم الأنبياء ؟ قال مائة ألف عشرون ألفا . قلت يا رسول الله من كان أولهم ؟ قال : آدم قلت : أ نبي مرسل ؟ قال : نعم ثم قال أبا ذر أربعة سريانيون آدم وشيث
و نوح و خنوخ و هو إدريس و هو أول من خط بالقلم و أربعة من العرب هود و صالح و شعيب و نبيك محمد قال و أول نبي من بني إسرائيل موسى و آخرهم عيسى إلى شيء كثير ذكره مما يدل على صريح وضعه . فمنها حصره الأنبياء في مائة ألف و أربعة و عشرين ألف و هذا الحصر مخالف لصريح القرآن فإن الله يقول منهم من قصصنا عليك و منهم من لم نقصص عليك و قد وردت عدة أحاديث في عدد الأنبياء يخالف بعضها بعضا و كلها من الضعاف التي لا يحتج بها و قد ساقها ابن كثير في التفسير من آخر سورة النساء و بعضها من قول كعب الأحبار.

و الذي عليه المحققون من السلف أن لله أنبياء كثيرين لا يعلم عددهم إلا الله منهم من قص خبرهم في كتابه فنؤمن بهم تفصيلا و لا نفرق بين أحد منهم و منهم من لم يقصص خبرهم .
وقالوا : إن من عد من الأنبياء فقد أخطأ و تكلف ما لا علم له به . و مثله قوله في عدد الرسل
وأنهم ثلاثمائة و ثلاثة عشر و كأن هذا منشأ الغلط في التفريق بين الأنبياء و الرسل و أن النبي غير الرسول إذ النبي هو من أوحي إليه بشرع و لم يؤمر بتبليغه فليس كل نبي رسولا بزعمهم .

و هذا التفريق لم نجد له أصلا قطعا كما أن هذا الحديث لا يحتج به و قد ذكره ابن الجوزي و كثير من العلماء في الموضوعات . و الموضوع هو المكذوب على رسول و قد حرم أهل الحديث التحديث به إلا في حالة بيان و ضعه قال في ألفية الحديث :

و ذكره  لعالم به أحضر

 

الخبر الموضوع شر الخبر

 

 و مثله قوله في آدم و أنه أول الرسل ، و الصحيح أن أول الرسل نوح يقول الله : ( إنا أوحينا إلى نوح و النبيين من بعده ) و يعني بالنبيين : المرسلين . ثم قال ( و رسلا قد قصصناهم عليك من قبل و رسلا لم نقصصهم عليك و كلم الله موسى تكليما رسلا مبشرين و منذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ) فذكرهم باسم الأنبياء في قوله ( إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح و النبيين بعده ثم ذكرهم باسم الرسل و المعنى واحد إذ لا يوجد في شرع الله نبي ليس برسول و لكن الجهل قد عم بالناس فصاروا يكذبون على الله و على رسوله و يروجون كذبهم بين العامة باسم الصحابة كأبي ذر و نحوه ثم إن الكثير من العلماء قد غفلوا عن تحقيق هذا الحديث المكذوب و كل من تأمل القرآن في موارده و مصادره و أمره و نهيه و قصص أنبيائه فإنه يجده يذكر الرسل باسم الأنبياء و الأنبياء باسم الرسل .

فقوله » رسلا مبشرين و منذرين « هو نذير قوله » كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين و منذرين « لفظا و معنى و هو تنوع اسم و المسمى واحد و إن جميع الأنبياء ؟ أرسلوا إلى قومهم يحملون رسالة ربهم يدعونهم إلى الحق و إلى طريق مستقيم فكلهم مبشرون
ومنذرون ( لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل و هذه هي الحكمة في بعث الرسل ثم إن السبب الذي جعل العلماء المتقدمين يغفلون عن نقد هذا بعدم ذكر الخلاف فيه هو كونه مدرجا في العقائد التي شبوا و نشئوا عليها فلا يتساءلون عن مصدر هذا التفريق و يقتدي بعضهم ببعض في القول به كما كنا نعتقده في حداثة سننا فمثل هذا متى تصدى أحد من العلماء لنقده بالدلائل
والبراهين الدالة على صحة ما يقول فعند ذلك ينتبه الناس له و تنسحب عن قلوبهم الغفلة في الاستسلام بالقول به و هذا يقع في مسائل الأصول و الفروع مما يرجع إلى قوة الاستنباط :

من الناس إلا بالروية و الفكر

 

و لم ينل درة الحق غائص

و جميع الناس من الأولين و الآخرين يسألون يوم القيامة و يقال لهم ( ماذا كنتم تعملون
وماذا أجبتم المرسلين ) .

و لهذا يقول الله يوم القيامة : ( يا معشر الجن و الإنس أ لم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آيات ربكم و ينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى شهدنا على أنفسنا و غرتهم الحياة الدنيا و شهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ) فذكر الرسل و يعني بهم الأنبياء . فإن قيل في قوله تعالى ( و ما أرسلنا من رسول و لا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته ) فعطف بالنبي على الرسول بالواو المفيدة للمغايرة فكأن النبي غير الرسول . فالجواب : أن مثل هذا يقع كثيرا في القرآن و في السنة يعطف بالشيء على الشيء و يراد بالتالي نفس الأول كما في قوله : ( أن المسلمين و المسلمات و المؤمنون و المؤمنات ) فغاير بينهما بحرف العطف و معلوم أن المسلمين هم المؤمنون و المؤمنون هم المسلون فلا يقال فلان مسلم
وليس بمؤمن و لا أنه مؤمن و ليس بمسلم و إنما هو تنوع اسم و المسمى واحد . نظيره قوله:
(قل من كان عدوا لله و ملائكته و رسله و جبريل و ميكال فإن الله عدو للكافرين ) فعطف بجبريل و ميكال على الملائكة و هما منهم و النبي صلى الله عليه وسلم قال :
» فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله  « مثله قول أحدنا » لا حول و لا قوة إلا بالله«
وغير ذلك من الألفاظ التي يعطف بعضها على بعض و يراد بالتالي نفس الأول .

ثم إن الله تعالى تأبى حكمته أن يوحي إلى نبي من الأنبياء بشرع من الأمر و النهي
و الفرائض و الأحكام و أمور الحلال و الحرام ثم لا يأمره بتبليغه بحيث يصر على كتمانه وعدم بيانه بدون حرج و لا إثم عليه و يكون هذا الشرع الذي أوحاه الله إليه بمثابة الدين الضائع بحيث لا ينتفع به أحد . و ما الفائدة بهذا النبي و بهذا الشرع الذي أوحي إليه و هو لم يبلغه إلى الناس إن هذا لا يكون أبدا و ليس هو من سنة الله و لا من شرعه و يجب تنزيه الأنبياء عن الاتصاف به
والله يقول :
» و إذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس و لا تكتمونه « و الأنبياء هم رؤوس من أوتوا الكتاب و أخذ عليهم الميثاق في بيان ما نزل إليهم من ربهم . فهم لا يكتمون الله حديثا .

و لم نجد في كتاب الله و لا في سنة رسوله ولا في قول أحد من الصحابة أن فلانا نبي
و ليس برسول .

و لو سألنا أعمق رجل في العلوم و الفنون و أعرفه بالقرآن و التفسير ليدلنا على اسم شخص معين هو نبي و ليس برسول فإنه لن يجد إلى ذلك من سبيل لأن هذا إنما يوجد في الأذهان دون الأعيان فإذا لم نجد ما يدل على الفرق بين النبي و الرسول لا في الكتاب و لا في السنة علمنا حينئذ أنه لا أصل له و أن القول به جرى على السنة العلماء المتأخرين بدون سند من علم اليقين و أن هذا النبي الذي أوحي إليه بشرع و لم يؤمر بتبليغه لا يوجد و لن يوجد أبدا
ويجب تنزيه الأنبياء عن هذا الاعتقاد الذي هو تفريق بينهم .

أما تفضيل بعضهم على بعض مع إثبات رسالة جميعهم فهذا ثابت فقد قال الله تعالى:
( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ) فاثبت التفضيل مع إثبات رسالة الجميع . فأفضل الأنبياء محمد رسول الله . فقد قال :
» أنا سيد الناس و أنا أفضل من تنشق عنه الأرض يوم القيامة « و من بعده أولوا العزم : نوح و إبراهيم و موسى و عيسى و مع ثبات تفضيله كما في حديث الشفاعة و غيره ففي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال » لا تفضلوني على الأنبياء « . و هذا النهي محمول على تفضيله عليهم في حالة الجدل و المماراة و قد عبر عن الرسل باسم الأنبياء بدون فارق و الله سبحانه أمر عباده بأن يقولوا : ( آمنا بالله و ما أنزل إلينا
و ما أنزل إلى إبراهيم و إسحاق و يعقوب و الأسباط و ما أوتي موسى و عيسى و ما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم و نحن له مسلمون فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا
وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله و هو السميع العليم ) فأمر الله عباده المؤمنين بأن يؤمنوا بكل النبيين و أن لا نفرق بين أحد منهم .

و لا شك أن وصف أحدهم بأنه نبي و ليس برسول لكونه أوحي إليه بشرع و لم يؤمر بتبليغه و بعضهم نبي رسول إن هذا هو حقيقة التفريق بينهم إذ فيه إزالة وصف الرسالة التي هي أعلى المراتب عن بعضهم . لأنه و إن فسر هذا التفريق بالإيمان ببعضهم و الكفر ببعض فإن الخطاب محتمل لهذا و ذاك إذ كلا الأمرين تفريق بينهم و القرآن يوجب على المؤمنين أن يؤمنوا بجميع الأنبياء بدون تفريق . و قد وصف الله نبيه و المؤمنون بالإيمان بهم جميعا فقال تعالى
» آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه و المؤمنون كل آمن بالله و ملائكته و كتبه و رسله لا نفرق بين أحد من رسله و قالوا سمعنا و أطعنا غفرانك ربنا و إليك المصير « .

فذكر سبحانه الأنبياء في هذه الآية باسم الرسل كما ذكرهم في الآية التي قبلها باسم النبيين و الكل حق و المعنى واحد فقوله ما كان محمد أبا أحد من رجالكم و لكن رسول الله و خاتم النبيين أي خاتم المرسلين إذ النبيون هم المرسلون .

و قد دخلت طائفة البهائية الذين هم أشد الأمم كفرا و عنادا من فجوة هذا التفريق حين قالوا برسالة ( بهاء الله الميرزا على محمد ) حيث زعموا بأنه رسول الله و لما استدل عليهم بعض السلمين بقوله : ( و لكن رسول الله و خاتم النبيين ) قالوا أن محمدا خاتم النبيين و ليس بخاتم المرسلين فكأنهم وجدوا في هذا التفريق بين النبيين و المرسلين فجوة يدخلون عن طريقها بباطلهم كما هي طريقة القاديانية القائلين أن محمدا ليس بخاتم النبيين و أن النبوة باقية ( تشابهت قلوبهم
وأكثرهم فاسقون ) ( ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار ) .

و لقد ثبت بالقرآن و السنة و إجماع الأمة أن محمدا رسول الله هو خاتم النبيين و المرسلين فلا نبي و لا رسول بعده يقول الله : ( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم و لكن رسول الله و خاتم النبيين ) و في صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : » كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي خلفه و أنه لا نبي بعدي« .

و في صحيح البخاري عن أبي هريرة أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » أنا خاتم النبيين« .

و في رواية لمسلم عن جابر قال : » أنا موضع اللبنة جئت فختمت الأنبياء « . و روى الإمام أحمد بسنده عن أبي طفيل أن رسول الله قال : لا نبوة بعدي إلا المبشرات . قيل و ما المبشرات ؟ قال : » الرؤيا الحسنة « و في رواية : الرؤيا الصالحة .

و روى البرقاني في صحيحه عن ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين و إذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة و لا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين و حتى تعبد فئات من أمتي الأوثان و أنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي و أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله تبارك و تعالى « .

قال العلامة ابن كثير في التفسير رحمه الله :

» قد أخبر الله سبحانه في كتابه و السنة المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه
لا نبي بعدي ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده فإنه كذاب أفاك دجال ضال مضل حتى
و لو أتى بما أتى به فإنها محال و ضلال
« انتهى .

ثم إن السنة تفسر القرآن و تبينه و تدل عليه و تعبر عنه و هي تذكر الأنبياء دائما بدلا من الرسل ففي صحيح البخاري عن ابن عمر قال : » كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فنزلنا منزلا فمنا من يصلح خبأه و منا من يصلح جشره و منا من ينتضل إذ نادى منادي رسول الله الصلاة جامعة فاجتمعنا فقال : إنه ما من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم و ينذرهم عن شر ما يعلمه له و إنه هذا الأمة جعل عافيتها في أولها و سيصيب آخرها بلاء
وأمور تنكرونها تجيء الفتن يرقق بعضها بعضا تجيء الفتنة فيقول المؤمن هذه مهلكتي ثم تنكشف …
« .إلى آخر الحديث .

فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما كان من نبي من الأنبياء إلا كان حقا واجبا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم و ينذرهم عن شر ما يعلمه لهم فأين هذا النبي الذي لا تجب عليه الدعوة و لا تبليغ الرسالة . لأن هذا هو مقتضى أمانة نبوتهم لأنه سمي نبيا لكونه ينبئ عن الله أمره و نهيه و حلاله و حرامه و سائر فرائضه و أحكامه فهذه وظيفة جميع الأنبياء كما قال تعالى: ( و جعلناهم أئمة يهدون بأمرنا و أوحينا إليهم فعل الخيرات و إقام الصلاة و إيتاء الزكاة و كانوا لنا عابدين ) . أما نبي يوحي إليه بشرع و لم يؤمر بتبليغه فهذا إنما يوجد في الأذهان دون الأعيان و يجب تنزيه الأنبياء عن الاتصاف به .

و مثله قوله صلى الله عليه وسلم : » مثلي و مثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى دارا فأتقنها و جملها إلا موضع لبنة منها ثم وضع مأدبة و دعا الناس إليها فجعلوا يعجبون من حسنها إلا موضع تلك اللبنة . قال : فأنا موضع اللبنة جئت فختمت الأنبياء « ، رواه مسلم عن جابر. و قال: » نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة « .و قال : » نحن معاشر الأنبياء بنوعلات . الدين واحد ، و الشرائع متفرقة  « يعني أن لكل نبي شريعة من الصلاة و الزكاة و الصيام
والحلال و الحرام تناسب حالة أمته و زمانه غير شريعة الآخر قال تعالى : ( لكل جعلنا منسكا
ومنهاجا ) .

ثم جاءت شريعة محمد صلى الله عليه وسلم مهيمنة و حاكمة على جميع الشرائع لأن كل نبي يبعث إلى قومه خاصة و قد بعث رسول الله إلى الناس كافة قال تعالى : ( قال يا أيها الناس أني رسول الله إليكم جميعا ) و قال : ( و ما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا و نذيرا ) و لما رأي رسول الله مع عمر قطعة من التوراة قال : »  يا عمر لقد جئتكم بيضاء نقية ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك و لو كان أخي موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي « .

فبما أن رسول الله هو خاتم المرسلين فكذلك شريعته هي خاتمة الشرائع فلا يجوز لا حد أن يتعبد أو يعمل بشريعة غير شريعته إذ هي المهينة على سائر الشرائع و الحاكمة عليها يقول الله: ( ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها و تتبع أهواء الذين لا يعلمون ) .

و اعلم أن بعض العلماء قد ينبو فهمهم عن قبول ما أقول لزعمهم أنه خلاف ما يقوله العلماء قبلي و خلاف ما يعتقده جميع الناس من العلماء  و العوام و لا غرابة في هذا فإن السنن
قد تختفي على بعض الصحابة و من بعدهم من الأئمة فضلا عن غيرهم فيحكمون بخلافها ثم يتبين لهم وجه الصواب فيها فيعودون إليه لكون الإحاطة بكل العلوم غير حاصلة لأحد و الإنسان مهما بلغ من سعة العلم ما بلغ فإنه سيحفظ شيئا و تضيع عنه أشياء و قد صنف شيخ الإسلام ابن تيمية رسالة سماها ( رفع الملام عن الأئمة فيعذرون حينما يحكمون بخلافها لكونها لم تبلغهم عن طريق صحيح ثابت تقوم به الحجة عندهم فيحكمون بخلافها حسب اجتهادهم لأنهم مجتهدون أن أصابوا فلهم أجران و إن أخطئوا فلهم أجر .

و إنه كلما رسخ علم الشخص في القرآن و الحديث و التفسير و أعطى حظا من سعة البحث في التحقيق و التدقيق و حكمة الاستنباط للمسائل الحفية من مظانها بحيث يخرجها من حيز الخفاء و الغموض إلى حيز التجلي و الظهور بالدليل الواضح و لم يجد رأيه و فهمه على عبارات المتقدمين قبله فإنه و الحالة هذه سيجد سعة لعذرنا و مندوحة عن عذلنا فيما طرقناه من هذه المواضيع التي هي غير معروفة و لا مألوفة في عرفهم و يحمل كلامنا على المحمل الحسن اللائق به فإن الفقيه الحر يجب عليه أن يربط الأصول بعضا فيخصص الشيء بالشيء و يقيس النظير بنظيره و يربط المعنى الغريب بالأصل المأخوذ من قريب مما يدل على المعنى المراد به.

و قد علمت جهدي في تشخيص هذه القضية بالأدلة القويمة القوية و المألوفة المعروفة حيث تقبلها العقول و يتلقاها العلماء بالقبول لاعتبار أن باب الاجتهاد في الجزئيات غير مقفول.

لأني و إن كنت أرى في نفسي أني أصبت فيما قلت مفاصل الإنصاف و العدل و لم أنزع فيه إلى ما يا باه النقل أو ينفيه العقل لكنني أعرف بأنني فرد من بني الإنسان الذي هو محل للخطأ و النسيان فعلى كل أخ مخلص منصف أن يعيد دراسته و يعجم عود فراسته ليتضح له معناه
و يقف على حقيقة مغزاه و مبناه فإن تبين له أني خلطت في الدراية و أخطأت في الرواية وجب عليه أن يكشف لي بكتاب عن وجه ما خفي على من الصواب فإن الحق أحق أن يتبع و العلم جدير بأن يستمع و القصد واحد و الغاية متساوية .

ثم إن العلماء من قديم الزمان و حديثه قد يبدوا للمجتهدين منهم اليوم في فهم النصوص
و تفسيرها و فهم القرآن و استنباط معانيه و أسرار أحكامه ما لا يبدو للفقهاء و للمفسرين المتقدمين في العصور السالفة و لو لا ذلك لم تتعدد التفاسير و حسبك مخالفة شيخ الإسلام
ابن تيمية رحمه الله للعلماء قبله في كثير من مسائل الفقه و التفسير و الأصول و العقائد . و من حفظ حجة على من لم يحفظ و من صفة القرآن أنه لا تنقضي عجائبه و قد وصفوه بالبحر المملوء من الدرر و لكل غائص على قدر نصيبه منه كما قال على رضي الله عنه لما قيل له: هل خصكم رسول الله بشيء . فقال : لا و الذي فلق الحبة و برأ النسمة إلا فهما يعطيه الله عز و جل رجلا في القرآن و من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين .

إنه كلما اتسع علم الشخص اتسع رحبه لتقبل المسائل المستغربة متى كانت مرفقة بالدليل الواضح و إن لم تكن معروفة أو معمولا بها في زمنه أو عند فقهاء مذهبه و من ثم يتسع مجاله في استنباط نصوص الفقهاء و تحريرها و تقييدها في ضوء المقاصد الشرعية الكلية و بذلك
قد يظهر للمتأخرين المتبحرين في فقه النصوص و الأصول ما عسى أن يخفى على المتقدمين فكم ترك أول لآخر و كم استفاد عالم من عامي و الحكمة ضالة المؤمن أينما يجدها يلتقطها .

و الله أعلم . و صلى الله على نبينا محمد و على آله و صحبه و سلم .

                                                               15ربيع الثاني سنة 1396هـ .

الكـــتــب