![]() |
|
القول
بجواز طواف الحائض
لشيخ الإسلام ابن تيمية
سئل شيخ الإسلام أحمد بن
عبد الحليم ابن تيمية ـ رحمه الله ـ عن طواف الحائض لتكميل حجها ، فأجاب بما يدل
على جواز طوافها للضرورة والحاجة ، ويتم بذلك حجها في كلام له طويل ممتع موشح
بالدلائل الجلية ، والبراهين القطعية ، أورد هذه المسألة والأجوبة عليها من ابتداء
صفحة 436 إلى 456 من المجلد الثاني الطبعة القديمة من الفتاوى ،وهذا ملخص كلامه
علي سبيل الاختصار ـ رحمه الله ـ قال: » ثبت عن النبي ـ
صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: » الحائض تقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت « ، وقال لعائشة: » اصنعي ما ينصع الحاج غير أن لا
تطوفي بالبيت حتى تطهري « وصح عنه أنه قال: » لا يطوف بالبيت عريان « . قال: » ولم ينقل أحد عن النبي ـ صلى الله
عليه وسلم ـ أنه أمر الطائفين بالوضوء كما أمر المصلين بالوضوء فنهيه الحائض عن الطواف
بالبيت ،إما أن يكون لأجل اللبث في المسجد ، لكونها منهية عن اللبث فيه وفي الطواف
لبث أو عن الدخول في المسجد مطلقا لمرور أو لبث ، وإما أن يكون لكون الطواف نفسه
يحرم مع الحيض كما يحرم على الحائض الصلاة والصيام بالنص والإجماع ، ومس المصحف
عند عامة العلماء وكذلك قراءة القرآن في أحد قولي العلماء . فإن كان تحريمه لأجل
المسجد لكونها منهية عن اللبث فيه لما روى أبو داود عن عائشة أن النبي ـ صلى لله
عليه وسلم ـ قال: » إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب « ورواه ابن ماجة من حديث أم سلمة ،
وهذا الحديث قد تكلم فيه ، فإنه لم يحرم عليها عند الضرورة والحاجة ، وروى مسلم في
صحيحه وغيره عن عائشة قالت: قال لي رسول الله : ناوليني الخمرة من المسجد ، فقلت:
إني حائض فقال: » إن حيضك ليست
في يدك « ، ولهذا ذهب
أكثر العلماء ، كالشافعي وأحمد وغيرهما إلى الفرق بين المرور واللبث جمعا بين
الأحاديث وأباح أحمد وغيره اللبث في المسجد لمن يتوضأ ، لما رواه هو وغيره من عطاء
ابن يسار ، قال: رأيت رجالا من أصحاب رسول الله يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا
توضؤا وضوء الصلاة لكونه إذا توضأ ذهبت الجنابة عن أعضاء الوضوء فلا يبقى يتوضأ. كما ثبت من حديث عمر وعائشة ، قال: وأما
الحائض فحدثها دائم ولا يمكنها الطهارة ، فهي معذورة في مكثها ونومها ، فلا تمنع
مما يمنع منه الجنب ، مع حاجتها إلى المسجد ، كما هو مذهب مالك وأحد الوجهين في
مذهب الشافعي ، ولهذا كان أظهر قولي العلماء: أنها لا تمنع من قراءة القرآن إذا احتاجت
إليه ، كما هو مذهب مالك وأحد الوجهين في مذهب الشافعي ،ويذكر رواية عن أحمد وعلى
هذا متى احتاجه إلى الفعل من المكث في المسجد والطواف أو القرآن ، استباحة المحظور
مع قيام سبب الحظر لأجل الضرورة . و من المعلوم أن الصلوات هي أكبر
الواجبات على الإطلاق و تجب في اليوم و الليلة خمس مرات و أجمع العلماء على اشتراط
الطهارة لها و تباح ، بل تجب للحاجة لعادم الطهورين فيصلي بغير وضوء و لا تيمم و
يصلى إلى غير القبلة للضرورة و يصلى العريان عند عدم ما يستر به عورته و نحو ذلك
مما أجمع العلماء على جواز فعله للضرورة و طواف الحائض أولى بالجواز من هذا كله .
فلا ينبغي للعالم أن ينظر إلى الحدث المقتضي للحظر و لا ينظر مع ذلك إلى الحاجة
الموجبة للإذن و كل ما يحرم معه الصلاة ، فإنها تجب معه عند الحاجة ، إذا لم تمكن
الصلاة إلا كذلك . وكذلك الطواف و
ذهب منصور بن المعتمر ، و حماد بن سليمان فيما رواه أحمد عنهما إلى أن الطواف
للمحدث غير محرم ، قال عبد الله في مناسكه ، حدثني ابي عن سهل بن يوسف ، أنبأنا
شعبة عن حماد و منصور قال : سألتهما عن الرجل يطوف بالبيت و هو غير متوضئ فلم يريا
به بأسا ، و كذا قال بعض الحنفية : إن الطهارة ليست واجبة في الطواف ، بل سنة ،
فعلى قول هؤلاء لا يحرم طواف الحائض و الجنب ، إذا اضطرا إلى ذلك ، و متى كان
الجنب و كذا الحائض إذا عدما الماء صليا بالتيمم ، و إذا عجزا عن التيمم صليا بلا
غسل و لا تيمم ، و هذا هو المشهور في مذهب الشافعي و أحمد ، فلا شك أن الحائض متى
عجزت عن الطهارة ، فإنه يجوز لها أن تطوف والحالة هذه إذا الصلاة آكد في الوجوب من
الطواف ، وقد صلى عمرو بن العاص بأناس من الصحابة وهو جنب وعنده الماء ، لكنه خاف
على نفسه من استعماله من شدة البرد فتيمم ، فذكر للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ
فقال: » ما حملك أن
تصلي بأصحابك وأنت جنب ، قال: يا رسول الله تذكرت قول الله تعالى: » ولا تقتلوا أنفسكم « فتيممت، فضحك النبي وأقرّه على
صلاته ولم يأمره من معه بالإعادة ، فطواف الحائض التي لا يمكنها الطهارة والحالة
هذه أولى بالجواز ، وإذا كانت إنما منعت عن الطواف لأجل المسجد ، فمعلوم أن إباحة
ذلك للعذر أولى ، كما أبيح لها قراءة القرآن للحاجة ومس المصحف للحاجة ، لهذا
نقول: أنها إذا اضطرت إلى الطواف ، بحيث لا يمكنها الحج بدون طوافها وهي حائض
ويتعذر المقام عليها إلى أن تطهر فهذا الأمر دائر بين أن تطوف مع الحيض وبين
إلزامها بالمقام بمكة حتى تطهر ، وهذا من الضرر الذي ينافي الشريعة . وكثير من
النساء إذا لم ترجع مع من حجت معه لا يمكنها بعد ذلك الرجوع ولو قدر أنها رجعت قبل
كمال حجها ، فإنه يبقى وطئها محرما وهي عند أهليها ، وهذا من أعظم الحرج الذي لا
يوجب الله مثله ، إذ هو أعظم من إيجاب حجتين ويحتمل متى رجعت إلى الحج أن يقع بها
مثل ما وقع بها من الابتلاء بالحيض ، وأما وجوب القضاء على المفسد لحجه من أجل
تفريطه بإفساده لحجه وهذه لم تفعل ما تلام عليه من تفريط أو إفساد . وقد تنازع
العلماء في قراءة القرآن للحائض وليس في منعها من القرآن سنة أصلا ، فإن قوله: لا
تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن حديث ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث وليس
لهذا أصل عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا حدث به أحد من المعروفين بنقل السنن
، وقد كانت النساء يحضن على عهد رسول الله ، فلو كانت القراءة محرمة عليهن كالصلاة
والصيام لكان هذا مما بينه النبي لأمته وتعلمه أمهات المؤمنين عنه ، وكان ذلك مما
ينقلونه إلى الناس ، فلما لم ينقل أحد عن النبي ـ صلى الله وعليه وسلم ـ في ذلك
نهيا لم يجز أن تحل حراما ، مع العلم أنه لم ينه عن ذلك وإذا لم ينه عنه مع كثرة
الحيض في زمنه ، علم أنه ليس بمحرم . وإنما منعت الحائض من الطواف إذا أمكنها أن
تطوف وهي طاهر ، لأن الطواف يشبه الصلاة من بعض الوجوه وليس كالصلاة من كل الوجوه
والحديث الذي رواه النسائي عن ابن عباس: فقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : » الحائض تقضي المناسك كلها إلا
الطواف بالبيت « وقوله لعائشة: » افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا
تطوفي بالبيت حتى تطهري « هو من جنس قوله: » لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى
يتوضأ « وقوله : » لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار« وقوله: » إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب « ، فإذا كان قد حرم المسجد على
الحائض والجنب ورخص للحائض أن تناوله الخمرة من المسجد ، وقال لها: » إن حيضك ليست في وليس لأحد أن يحتج بقول أحد في مسائل
النزاع ، وإنما الحجة النص والإجماع ودليل مستنبط من ذلك تقدر مقدماته بالأدلة
الشرعية لا بأقوال بعض العلماء ، فإن أقوال العلماء يحتج لها بالأدلة الشرعية ولا
يحتج لها . ومن تربى على مذهب قد تعوده واعتقد ما فيه وهو لا يحسن الأدلة الشرعية
ولا تنازع العلماء فيها ، فإنه لا يفرق بين ما جاء عن الرسول وتلقته الأمة
بالقبول، وبين ما قاله بعض العلماء مع تعذر الحجة على صحته ، وإنما هو من المقلدة
الناقلين لأقوال غيرهم والمقلد ليس معدودا من أهل العلم. وإذا دار الأمر بين أن تطوف طواف
الإفاضة مع الحيض للضرورة وبين ألا تطوف ، كان أن تطوف مع الحيض أولى ، فإن في
اشتراط الطهارة للطواف نزاعا معروفا وكثير من العلماء كأبي حنيفة وأحمد في إحدى
الروايتين عنه يقولون: » أنها في حال القدرة على الطهارة إذا طافت مع الحيض اجزأها
وعليها دم مع قولهم: أنها تأثم بذلك ، وأهل هذا القول يقولون إن الطهارة واجبة
فيها لا شرط والوجبات كلها تسقط بالعجز ، وحينئذ فهذا المرأة المحتاجة للطواف مع
الحيض أكثر ما يقال أنه يلزمها دم مع الضرورة ، وقد تبين بهذا أن المضطرة إلى
الطواف مع الحيض لما كان في علماء المسلمين من يفتيها بالإجزاء مع الدم ولم تكن
الأمة مجمعة على أنه لا يجزأها إلا الطواف مع الطهر مطلقا ، وحينئذ فليس مع
المنازع القائل بمنعها من الطواف حتى تطهر ، ولو كانت مضطرة لا نص و لا قياس ولا
إجماع ، وقد بينا أن العلماء اختلفوا في طهارة الحدث ، هل هي واجبة للطواف ، وأن
قول النفاة للوجوب أظهر ، فلم تجمع الأمة على وجوب الطهارة عليها و لا على الطهارة
شرط في الطواف. وذكر أبو بكر عبد العزيز في "
الشافي " عن الميموني ، قال لأحمد: » من سعى أو طاف طواف الواجب على
غير طهارة، ثم واقع أهله فقال: الناس في هذا مختلفون ، وذكر قول ابن عمرو ما يقوله
عطاء وما يسهل فيه ، ومما نقل عن عطاء في ذلك أن المرأة إذا حاضت في أثناء الطواف
أنها تتم طوافها ويصح منها وهذا صريح من عطاء أن الطهارة مع الحيض ليست والحائض أحق بالعذر من الجنب ، لكون
الجنب يقدر على الطهارة ، وهذه عاجزة عنها ، فهي معذورة ، كما عذرها من جوّز لها
قراءة القرآن لأن عذرها بالعجز والضرورة أولى من عذر الجنب بالنسيان . ومن نسي
الطهارة للصلاة عليه أن يتطهر ويصلي إذا ذكر بخلاف العاجز عن الشرط والواجب
كالعاجز عن الوضوء والتيمم أو عن قراءة ، أو استقبال القبلة ، فإن هذا يسقط عنه كل
ما عجز عنه ولم يوجب الله على أحد ما يعجز عنه ، لقول الله تعالى: » فاتقوا الله ما استطعتم لا يكلف
الله نفسا إلا وسعها « ، وفي الحديث: » إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعم « . وقد قال أحمد في رواية محمد بن الحكم
: إذا طاف طواف الإفاضة على غير طهارة وهو ناس لطهارته حتى رجع ، فإنه لا شيء عليه
، وإن وطئ فحجه ماض ولا شيء عليه ، وبالجملة هل يشترط في الطواف شروط الصلاة على
قولين في مذهب أحمد وغيره. أحدهما: يشترط لقول مالك والشافعي
وغيرهما. والثاني: لا يشترط وهو قول أكثر السلف
وهو مذهب أبي حنيفة وغيره ، وهذا القول هو الصواب ، فإن المشترطين للطواف كشروط
الصلاة ، ليس معهم حجة إلا قوله: الطواف بالبيت صلاة وهذا لو ثبت عن النبي ـ صلى
الله عليه وسلم ـ لم يكن لهم فيه حجة لمخالفته لشئون الصلاة. فإذا طافت الحائض مع
العجز عن الطهارة ، فهنا غاية ما يقال أن عليها دما ، والأشبه أنه لا يجب عليها
الدم ، لأن الطهر واجب تؤمر به مع القدرة لا مع العجز ، لأن الدم إنما يجب بترك
المأمور وفعل المحظور بالاختيار وهي لم تترك مأمورا ولم تفعل محظورا في هذه الحال
بالاختيار ، وإنما هي مغلوبة على أمرها لا تستطيع رفع الحدث » الحيض « عنها ، فمنعها من الطواف هو من
جنس منعها من اللبث في المسجد والاعتكاف فيه وقراءة القرآن ومس المصحف، وهذه كلها
يجوز للحائض فعلها بلا دم عند الحاجة إليها ، فإن قيل: لو كان طوافها مع الحيض
ممكنا لأمرت بطواف القدوم وطواف الوداع ، والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أسقط طواف
الوداع عن الحائض وأمر عائشة لما كانت متمتعة وقد حاضت أن تدع أفعال العمرة وتحرم
بالحج فعله أنه لا يمكنها الطواف. فالجواب: أن الطواف مع الحيض محظور ،إما لحرمة
المسجد أو للطواف مع أولهما والمحظورات لا تباح إلا في حالة الضرورة ولا ضرورة بها
إلى طواف الوداع ، ولا إلى طواف القدوم ، لأن طواف الوداع ساقط عن الحائض بالنص
وطواف القدوم مستحب وليس بواجب وليست مضطرة إليه ، ولو قدم مكة وقد ضاق الوقت فبدأ
بالوقوف بعرفة ولم يطف للقدوم صح حجه بخلاف طواف الفرض ، فإنها مضطرة إليه ولا يتم
حجها إلا به ، والحاصل أن القول: بأن هذه المرأة العاجزة عن الطهر ترجع محرمة ، أو
تكون كالمحصر أو يسقط عنها طواف الفرض أو الحج كله ، أو تلزم بالتخلف عن رفقتها
والجلوس بمكة حتى تطهر وتطوف ، كل هذه الأقوال مخالفة لأصول الشرع ، مع أنني لم
أعلم إماما من الأئمة صرح بشيء منها في هذه الصورة ، وكان في زمنهم يمكنها أن تطوف
بعدما تطهر ، بحيث أن الأمراء يلزمون الأجراء أن يحتسبوا حتى تطهر الحيض ويطفن. ولهذا ألزم الإمام مالك وغيره المكاري
أن يحتبس معها حتى تطهر وتطوف ، ثم إن أصحابه قالوا : لا يجب على مكاريها في هذه
الأزمان أن يحتبس معها لما يلحقه في ذلك من الضرر ، فعلم أن أجوبة الأئمة بكون
الطهارة شرطا أو واجبا في حقها ، كان مع القدرة على أن تطوف طاهرا لا مع العجز عن
ذلك ، فلو قدر تحريم الطواف عليها مع الحيض في حالة الاختيار ، فإنه لا يلزم تحريم
ذلك مع الضرورة ، وليس لأحد أن يحتج بقول أحد في مسائل النزاع ، وإنما الحجة النص
والإجماع ودليل مستنبط من ذلك تقدر مقدماته بالأدلة الشرعية لا بأقوال بعض العلماء
، فإن أقوال العلماء يحتج لها بالأدلة الشرعية ، ولا يحتج بها ، ومن تربي على مذهب
قد تعوده واعتقد ما فيه وهو لا يحسن الأدلة الشرعية و لا تنازع العلماء فيها ، فإنه
لا يفرق بين ما جاء عن الرسول وتلقته الأمة بالقبول وبين ما قاله علماء مذهبه ، مع
تعذر الحجة على صحته ، ومن كانت هذه صفته ، فإنه يعد من المقلدة الناقلين لأقوال
غيرهم مثل المحدث عن غيره . إنتهى كلامه مختصراً ـ رحمه الله وعفا
عنه ، وأسكنه فسيح جنته ـ ونفعنا وسائر المسلمين بعلومه . ولإبن القيم ـ رحمه الله ـ في الأعلام
نحو من هذا الكلام في جواز طواف الحائض وكونه يتم بذلك حجها. |